ثلاث صدمات غيّرت مفهوم الأمن الخليجي


وسط ضجيج الحرب وآلامها تجري في الوقت الحاضر عملية مراجعة عميقة واسعة النطاق لمفهوم الأمن الخليجي، على ضوء التجارب التي مرت بها الدول العربية الخليجية الجديدة (إمارات الساحل المتصالح) منذ نشأتها بعد انسحاب بريطانيا عسكريا من شرق السويس حتى الآن. ومع أن المملكة العربية السعودية تمتعت بوضع أمني خاص ترتب عن لقاء عبدالعزيز – روزفلت عام 1945 في مصر، وتوقيع مذكرة تفاهم بين الطرفين بشأن الضمانات الأمنية وحماية تدفق الثروة النفطية إلى الحلفاء، فإن دول شبه الجزيرة العربية كلها مرت بثلاث صدمات دفاعية كبيرة منذ الاستقلال حتى الآن.
الصدمة الدفاعية الأولى كانت انسحاب بريطانيا من شرق السويس ونشوء فراغ عسكري إقليمي تصارعت على ملئه في ظروف الحرب الباردة الإقليمية، دول عربية راديكالية بقيادة مصر، وفي مقابلها دول عربية محافظة بقيادة السعودية. وقد وصلت تلك الصدمة الدفاعية إلى نقطة الذروة بوقوع حرب اليمن، حيث تحرك الجيش المصري إلى شرق البحر الأحمر للمرة الأولى منذ عصر محمد علي لمناصرة نظام الحكم الجديد في اليمن بقيادة عبدالله السلال، الذي أسقط نظام الإمامة. وقد اعتبرت السعودية أن التحرك المصري من شأنه تهديد بقاء النظم التقليدية كافة في المنطقة، وخاضت ضد مصر حربا غير مباشرة بتسليح وتمويل القبائل اليمنية بهدف إنهاء الوجود العسكري المصري في اليمن.
أما الصدمة الدفاعية الثانية فإنها وقعت مع سقوط الاتحاد السوفييتي والخلل الذي تعرض له النظامان العالمي والإقليمي، حيث قامت قوات صدام حسين باحتلال الكويت وتهديد حدود السعودية. ولم يكن أمام الكويت ودول الخليج خيارات كثيرة للرد على صدام، وكان الخيار العملي من وجهة النظر الخليجية هو طلب المساعدة العسكرية الأمريكية لتحرير الكويت، والبقاء في المنطقة لضمان أمنها. وقد استلزمت عملية تحرير الكويت إقامة تحالف عسكري دولي بقيادة الولايات المتحدة، شاركت فيه دول عربية وخليجية، كما استلزم ضمان أمن الدول الخليجية، إقامة عدد من القواعد والتسهيلات العسكرية. وبهذا أصبحت الولايات المتحدة القوة العسكرية الرئيسية في الشرق الأوسط. وجاءت الصدمة الدفاعية الثالثة أخيرا مع فشل الولايات المتحدة في توفير الأمن الكافي للدول العربية الخليجية، خلال الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران.

تصدعت أعمدة الأمن الجماعي الخليجي، الذي تضمنه الولايات المتحدة، ما يفسر سعي المملكة السعودية ودول خليجية إلى إقامة نظام دفاعي جديد ذي طابع عربي/ إسلامي مستقل نسبيا عن الولايات المتحدة

خلال هذه الصدمات الدفاعية الثلاث تعرض المسرح الجيوسياسي الإقليمي في كل مرة لتغير درامي ساعد على تمهيد الطريق للوصول إلى نقطة الحرب، وشملت هذه التغيرات الدرامية نهاية عصر الاستعمار القديم، ورحيل بريطانيا عسكريا عن منطقة شرق السويس، وبداية الحرب الباردة بين القوتين العسكريتين الأعظم في العالم، وانتقال تداعياتها إلى العالم العربي، كما ارتبطت أيضا بقيام الثورة الإيرانية وحرب الثماني سنوات بين العراق وإيران، وسقوط الاتحاد السوفييتي وقيام نظام عالمي أحادي القطبية، ثم أخيرا تراجع النفوذ العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، وعجز الولايات المتحدة عن حسم الصراع مع إيران في مضيق هرمز.
على ضوء هذه الصدمات الدفاعية الثلاث نلاحظ أن العامل الإسرائيلي لم يكن هو التهديد الأول الذي تواجهه الدول العربية الخليجية، وأن المساعدات التي قدمتها لمصر بعد حرب يونيو 1967 وخلال حرب أكتوبر 1973 كانت بدافع إظهار التضامن القومي العربي أساسا، وليست بدافع مساعدة مصر على المشاركة في الدفاع عنها ساعة التهديد. في حقيقة الأمر كانت الدول العربية الخليجية تعتمد إلى حد كبير على طلب الأمن من خلال ضمانات أمنية ومساندة دبلوماسية أجنبية، في مقابل اقتسام الثروات النفطية عبر قنوات مختلفة منها مشتريات السلاح والاستثمارات في الولايات المتحدة والدول الغربية الرئيسية المنتجة للسلاح. وبهذا فإن مفهوم الأمن الخليجي كان يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية هي، الضمانات والمساندة الدبلوماسية والمشاركة في الثروة النفطية. ومن الملاحظ، من حيث النطاق الجيوسياسي، أن هذا المفهوم يستبعد دولتين رئيسيتين. الدولة الأولى هي العراق، وهي دولة مطلة على الخليج. والدولة الثانية هي اليمن، وهي جزء لا يتجزأ من شبه الجزيرة العربية والساحل الغربي لها المطل على البحر الأحمر. ومن الملاحظ أن تناقضات الهوية في الدول العربية الخليجية، خصوصا تلك الناتجة عن التنوع المذهبي، لم تلعب دورا كبيرا في صياغة مفهوم الأمن الجماعي العربي، أو الأمن الجماعي لدول شبه الجزيرة العربية خلال فترة فترة السلام الإمبراطوري البريطاني، التي امتدت من نهاية الحرب العالمية الأولى حتى حرب السويس 1956، وتخللتها الحرب العربية – الإسرائيلية الأولى عام 1948. وخلال الفترة التالية لانسحاب بريطانيا من شرق السويس كانت الهوية السياسية لنظم الحكم هي المحرك المركزي للصراعات بين دول العالم العربي في الخليج والمشرق والمغرب على السواء. كما أننا نلاحظ أيضا أن صراعات الهوية السياسية لنظم الحكم كانت أقوى تأثيرا في تحريك التفاعلات التعاونية أو العدائية، مقارنة بتأثير الصراع العربي – الإسرائيلي، المصنف على أنه الصراع الرئيسي في المنطقة. كذلك كان صراع الهوية السياسية أيضا أقوى تأثيرا من الانقسامات المذهبية، وعلى رأسها الانقسام السني – الشيعي، خصوصا في ظل التفاهم السعودي – الإيراني، تحت المظلة الأمريكية، الذي استمر حتى سقوط حكم شاه إيران. أما الصراعات العرقية في الدول العربية، فقد تكفلت الأنظمة السياسية الراديكالية والمحافظة على السواء بتأميمها في إطار ترسيخ الشمولية، التي لا تسمح بالتنوع أو القبول بالتعددية، رغم أن العروبة هي جوهريا رابطة لسان وحضارة وليست رابطة عرقية، ومن ثم فإنها من المفترض أن تعكس التعددية والتنوع العرقي والديني والمذهبي والسياسي في الدول العربية.
بينما سعت الولايات المتحدة إلى تعزيز اختراق الشرق الأوسط استراتيجيا، من خلال تحقيق السلام المصري/الإسرائيلي، فإن أنظار دول الخليج كانت تتعلق أكثر بالتطورات الجارية في إيران. هذه التطورات كانت أخطر- من وجهة النظر الخليجية – من التطورات على جبهة الصراع العربي – الإسرائيلي، الذي بدا من وجهة نظر كثيرين كأنه يسير في اتجاه الحل النهائي. وجاءت الحرب العراقية – الإيرانية لتعكس خطورة الصراع السياسي/المذهبي في الخليج على التطورات في السنوات التالية للحرب التي استمرت من عام 1980 حتى 1988، ثم ما بعدها حيث وصلت الأمور إلى قطيعة سياسية بين السعودية وإيران استمرت 7 سنوات من عام 2016 إلى عام 2023 وهو العام الذي توسطت فيه الصين لإعادة العلاقات بين البلدين ونجحت. ومنذ سقوط الشاه وإقامة الجمهورية الإسلامية، عادت محركات الأمن القومي في الدول الخليجية للعمل بقوة، خصوصا على صعيد التعاون الدفاعي والدبلوماسي ومشتريات السلاح من الولايات المتحدة، كانت صدمة احتلال الكويت بواسطة قوات صدام حسين قاسية للوعي الخليجي، أدت إلى مراجعة عميقة لمفهوم الأمن القومي والعلاقات القومية العربية. وقد انتهت هذه المراجعة إلى وضع نظرية جديدة للأمن الجماعي الخليجي تقوم على أساس أن العدو الرئيسي هو إيران وليس إسرائيل، وأن الدول الخليجية لا مصلحة لها في معاداة إسرائيل. وقد تضمنت المراجعة الخليجية إجرائيا تعزيز مبدأ طلب الضمانات الأمنية بالسماح بإقامة قواعد عسكرية أجنبية وترتيبات أوسع نطاقا للتعاون العسكري مع الدولة الضامنة. هذه المراجعة زادت من عمل محركات الأمن الخليجي بتعميق الاعتماد على الولايات المتحدة كدولة ضامنة للأمن القومي القادرة على إتاحة غطاء الشرعية الدولية، وتقديم المساعدات الدبلوماسية كما هو الحال في قرارات مجلس الأمن بشأن مساندة ما يسمى «حكومة الشرعية» في اليمن. وخلال الفترة من عام 1991 حتى سبتمبر الماضي (2026) وصل النفوذ العسكري الأمريكي في شبه الجزيرة العربية وفي العالم العربي ككل إلى أقصاه، لكنه فشل منذ عام 2023 في توفير مقومات الدفاع وحماية الأمن القومي الخليجي. خلال هذه الفترة تصدعت أعمدة الأمن الجماعي الخليجي، الذي تضمنه الولايات المتحدة، ما يفسر سعي المملكة السعودية ودول خليجية أخرى إلى إقامة نظام دفاعي جديد ذي طابع عربي/ إسلامي مستقل نسبيا عن الولايات المتحدة (اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا)، أو أقل اعتمادا عليها. المثير للتساؤل حاليا هو أن هذه المراجعة الخليجية لمفهوم الأمن القومي تنتقل الآن بسرعة من نطاق الأمن الخليجي إلى نطاق الأمن القومي العربي بشكل عام، ما ينذر بتغيرات سريعة في البنية الدفاعية الإقليمية تعكس حالات ومستويات أعلى من التوتر والتصعيد وليس التهدئة والاستقرار، المستفيد الأول منها هي إسرائيل.

كاتب مصري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *