دمشق ـ «القدس العربي»: أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع حزمة تعيينات جديدة في المؤسسات الأمنية، شملت إعادة توزيع عدد من المناصب القيادية، بتكليف وزير الداخلية أنس خطاب إدارة مكتب الأمن الوطني إلى جانب استمراره في منصبه وزيرا للداخلية، وتعيين حسين السلامة معاونا لمدير المكتب، وملهم الشنتوت معاونا لوزير الداخلية للشؤون الأمنية، واللواء عبد القادر طحان رئيسا لجهاز الاستخبارات العامة، في إطار مواصلة إعادة هيكلة المنظومة الأمنية في سوريا.
وفي قراءة لدلالات هذه التعيينات وأبعادها السياسية والأمنية، رأى محللون لـ «القدس العربي» أنها تعكس توجها لدى القيادة السورية لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية، وتعزيز مركزية القرار، وتكريس هيكلية جديدة لإدارة الملفات الأمنية خلال المرحلة الانتقالية.
المحلل السياسي السوري درويش خليفة، اعتبر في حديث لـ«القدس العربي» أن التعيينات تحمل رسالة واضحة وحازمة إلى الشارع السوري، مفادها أن قيادة المرحلة الانتقالية لن تتهاون مع أي خلل أو اختلال أمني، وهو ما استدعى، حسب تقديره، المضي في عملية إعادة هيكلة شاملة للمؤسسات الأمنية وإعادة توزيع الأدوار بين مختلف مفاصلها.
وفي قراءته لهذه التعيينات، لفت خليفة إلى أن اعتماد مسمى «مدير» لمكتب الأمن الوطني يحمل دلالات تستحق التوقف عندها، إذ يوحي بأن الدور الأساسي لهذا المنصب يتمثل في إدارة الملفات الأمنية الوطنية وتنظيمها والتنسيق بينها، أكثر من كونه منصبا يختص باتخاذ القرارات الأمنية الحاسمة بصورة منفردة.
وأضاف أن هذا التوجه، رغم محافظته على الطابع المؤسسي في إدارة الملف الأمني، لا يغلق الباب أمام استقطاب الكفاءات التي أثبتت نجاحها خلال العام ونصف العام الماضيين، وإسناد مناصب رفيعة إليها بما يسهم في تعزيز استقرار البلاد، ودعم مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتهيئة الظروف لبناء مستقبل أكثر استقرارا.
في حين رأى الناشط الحقوقي والسياسي بشار عبيد أن التعيينات تأتي في إطار تعزيز بنية المنظومة الأمنية وتطوير أدائها، ولا سيما في ضوء التطورات الأمنية التي شهدتها البلاد خلال الفترة الأخيرة، ومن بينها الأحداث التي وقعت في العاصمة دمشق قبل أيام.
خطّاب لإدارة مكتب الأمن الوطني إضافة للداخلية… وطحّان للاستخبارات
وأوضح لـ «القدس العربي» أن هذه القرارات تستهدف كذلك تحقيق غاية أخرى تتمثل في توحيد الصلاحيات بين مختلف الأجهزة الأمنية، ومنع أي تداخل أو تضارب في الاختصاصات بينها. وأضاف أن مكتب الأمن الوطني سيكون الجهة المشرفة على التنسيق بين الأجهزة الأمنية المختلفة، وهو ما يفسر تكليف وزير الداخلية أنس خطاب بإدارة المكتب، معتبرا أن هذا التوجه يراد منه إيجاد مرجعية أمنية موحدة تتولى الإشراف على عمل الأجهزة المختلفة، وهو توجه مغاير «لما كان سائدا في عهد نظام بشار الأسد، حين كانت كل مؤسسة أمنية تعمل بصورة شبه مستقلة، وتمتلك صلاحيات واسعة جعلت كل جهاز بمثابة «مملكة» قائمة بذاتها داخل الدولة، الأمر الذي أفضى إلى تداخل في الصلاحيات وتعدد في مراكز القرار الأمني». ولد خطاب عام 1987 في مدينة جيرود في ريف دمشق، ودرس الهندسة المعمارية في جامعة دمشق قبل مغادرته سوريا عام 2008. وبرز خلال سنوات الحرب السورية ضمن الفصائل المسلحة، حيث تولى لاحقاً مناصب قيادية وأمنية في «جبهة النصرة» ثم «هيئة تحرير الشام» وأشرف على تأسيس جهاز الأمن العام في مناطق سيطرة الهيئة.
وينظر إلى خطاب بوصفه أحد أبرز المسؤولين الأمنيين في الإدارة السورية الحالية، إذ يتولى الإشراف على ملفات الأمن الداخلي وإعادة تنظيم الأجهزة الأمنية، إلى جانب قيادة جهود تطوير وزارة الداخلية وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية.
أما حسين السلامة فيشغل حاليا منصب معاون مدير مكتب الأمن الوطني، بعد أن كان قد تولى رئاسة جهاز الاستخبارات العامة منذ مايو/أيار 2025. وينحدر السلامة من بلدة الشحيل في ريف دير الزور، وبرز خلال سنوات النزاع السوري ضمن الفصائل المسلحة في المنطقة الشرقية، قبل أن يتولى أدوارا أمنية وإدارية في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، من بينها الإشراف على ملفات التفاوض والترتيبات الأمنية في شرق البلاد. ويعد السلامة من الشخصيات الأمنية البارزة في الإدارة السورية الحالية، إذ يشارك في إدارة ملفات الأمن الداخلي والتعاون الأمني الإقليمي، كما مثّل سوريا في عدد من المحافل الدولية المعنية بمكافحة الإرهاب والأمن.
وعيّن اللواء عبد القادر طحان رئيسا لجهاز الاستخبارات العامة بموجب التعيينات الجديدة، بعد أن شغل منصب نائب وزير الداخلية منذ فبراير/شباط 2026. وينحدر طحان من مدينة حلب، وهو من مواليد عام 1980، وكان يعرف سابقا بالاسم الحركي «أبو بلال قدس».
ودرس طحان العلوم الشرعية ثم اللغة العربية، وانخرط في العمل المسلح منذ عام 2011، حيث أسّس «كتيبة القدس» التي تحولت لاحقا إلى «كتائب القدس الإسلامية» قبل انضمامها إلى «جبهة النصرة» ثم «هيئة تحرير الشام».
وخلال السنوات الماضية تولى طحان عددا من المناصب الأمنية، من بينها قيادة جهاز الأمن العام، ثم أصبح معاونا لوزير الداخلية للشؤون الأمنية، قبل تعيينه نائبا لوزير الداخلية، ويعد من أبرز المسؤولين الأمنيين في الإدارة السورية الحالية، إذ ارتبط اسمه بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وإدارة ملفات الأمن الداخلي والاستخبارات.
a