نواكشوط –«القدس العربي»: أصبحت موريتانيا اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى الانتقال من مرحلة المشاورات إلى مرحلة إطلاق حوارها الوطني، عقب التوصل إلى توافق سياسي واسع حول الوثيقة المنظمة للحوار، وإعلان مختلف الأطراف استعدادها للتوقيع على خارطة الطريق، بما يفتح الباب أمام انطلاق الحوار دون تأخير جديد.
ويمثل هذا التطور الذي جاء بعد أشهر من الشد والجذب ومن تعثر المسار التحضيري، نقطة تحول في مسار ظل يواجه منذ مارس الماضي خلافات جوهرية، كان أبرزها الجدل حول إدراج ملف المأموريات الرئاسية ضمن جدول الأعمال، قبل أن تنجح الوساطة التي قادها منسق الحوار موسى فال، في تقريب وجهات النظر والوصول إلى صيغة توافقية مهدت لاستئناف العملية السياسية.
وكان أبرز مؤشر على هذا الانفراج، إعلان ائتلاف المعارضة الديمقراطية تفويض رئيسه الدوري محمد ولد مولود، بالتوقيع على مسودة خارطة الطريق بعد إدخال التعديلات التي تم الاتفاق عليها خلال جولات التفاوض الأخيرة، وهو القرار الذي اتخذته الجمعية العامة للائتلاف عقب نقاش مطول اعتبرت خلاله أن الوثيقة شهدت «تطورا إيجابيا» يستحق الانتقال إلى مرحلة التوقيع.
ضمانات المعارضة
ويعكس هذا التفويض اقتناع المعارضة بأن الضمانات التي طالبت بها بشأن طبيعة جدول الأعمال قد تحققت بصورة كافية، بعدما كان موقفها يقوم على رفض أي صياغة يمكن أن تفتح الباب أمام مراجعة المواد الدستورية المحصنة أو إعادة طرح قضية المأموريات الرئاسية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وفي المقابل، أكدت الأغلبية أنها فوضت رئيس حزب الإنصاف الحاكم محمد بلال مسعود، للتوقيع على الوثيقة، معتبرة أن ما تم التوصل إليه لا يمثل تراجعا عن موقفها القائم على عدم استبعاد أي قضية من حيث المبدأ، وإنما يضع إطارا عاما يسمح لكل طرف بطرح ما يراه مناسبا داخل المحاور الكبرى للحوار.
وبذلك يكون الطرفان قد تجاوزا العقدة الأساسية التي عطلت المسار لأشهر، دون أن يعلن أي منهما تخليه رسميا عن مواقفه السياسية، وهو ما يعكس طبيعة التسويات التي تقوم على إعادة صياغة الخلاف أكثر من حسمه نهائيا.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن مراسم توقيع الوثيقة ستتم في فندق شيراتون بالعاصمة نواكشوط، إيذانا بانتهاء المرحلة التحضيرية التي استغرقت وقتا أطول مما كان متوقعا، وبدء العد التنازلي لانطلاق الحوار.
طرفان لا غير
ولعل التطور السياسي الأبرز في هذه المرحلة لا يتعلق فقط بالتوافق على الوثيقة، وإنما أيضا بإعادة تشكيل المشهد التفاوضي نفسه.
فقد نجحت المعارضة، لأول مرة منذ بدء التحضيرات، في توحيد مواقفها بين ائتلاف المعارضة الديمقراطية ومؤسسة المعارضة الديمقراطية، بعد سلسلة اجتماعات واتصالات انتهت إلى اعتماد رد موحد على وثيقة منسق الحوار، وهو ما يعني أن المعارضة ستدخل الحوار بصوت سياسي واحد بدلا من تعدد المواقف الذي كان يضعف قدرتها التفاوضية.
ويمنح هذا التوحيد المعارضة وزنا أكبر على طاولة الحوار، ويحولها إلى شريك سياسي متماسك نسبيا في مواجهة أغلبية موحدة أصلا حول قيادة حزب الإنصاف.
لكن ما يلفت الانتباه أكثر هو أن الصيغة الجديدة للحوار كرست عملياً تقسيما ثنائيا للمشاركة السياسية، يقوم على وجود طرفين رئيسيين فقط هما الأغلبية والمعارضة، مع اعتماد تمثيل متساو بينهما داخل هياكل الحوار.
ويعد هذا التحول تغييرا مهما مقارنة بما كان مطروحا في المراحل الأولى، حين كان الحديث يدور عن إشراك الشخصيات المرجعية والوطنية المستقلة وممثلي المجتمع المدني بصورة أوسع في مختلف مستويات الحوار.
ورغم أن منسق الحوار أكد في وقت سابق أن المحاور المقترحة جاءت بعد مشاورات واسعة مع الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية المستقلة، فإن الصيغة النهائية تبدو أقرب إلى حوار سياسي بين معسكرين، أكثر منها مؤتمرا وطنيا متعدد المكونات.
ويرى متابعون أن هذا الخيار يحمل مزايا واضحة، إذ يسهل عملية اتخاذ القرار ويحد من تشتت المواقف، كما يمنح الأطراف السياسية الرئيسية مسؤولية مباشرة عن نجاح الحوار أو فشله، بعيدا عن تشعب المشاركين.
محاور أربعة
أما على مستوى المضمون، فقد استقرت الوثيقة على أربعة محاور رئيسية هي: الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي، ونموذج الحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.
وتقدم هذه المحاور إطارا واسعا يسمح بإدراج مختلف الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مع تجنب الدخول منذ البداية في عناوين خلافية قد تعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.
وفي هذا السياق، تحاول الأغلبية التأكيد أن الوثيقة لا تستبعد أي قضية، بينما تركز المعارضة على أن النص لا يتضمن أي إشارة صريحة للمأموريات، وهو ما يسمح لكل طرف بتقديم الاتفاق لجمهوره باعتباره منسجما مع مواقفه السابقة.
ويبدو أن هذه الصيغة تمثل تسوية سياسية أكثر منها حلا قانونيا للخلاف، إذ تركت الباب مفتوحا أمام التأويلات المختلفة، مقابل ضمان استمرار العملية الحوارية.
المحافظة على التوافق
وتحمل هذه التطورات دلالات سياسية تتجاوز مجرد توقيع وثيقة تنظيمية، لأنها تعكس وجود إرادة مشتركة لدى مختلف الفاعلين لإنهاء مرحلة التردد والانطلاق نحو حوار طال انتظاره، في ظل ملفات داخلية معقدة تتعلق بالحكامة والإصلاح السياسي والوحدة الوطنية والإرث الإنساني والتنمية الاقتصادية.
ومع ذلك، فإن نجاح الحوار لن يقاس بسهولة التوصل إلى اتفاق على خارطة الطريق، وإنما بقدرة الأطراف على المحافظة على روح التوافق نفسها عندما تبدأ مناقشة الملفات الجوهرية، وهي المرحلة التي غالبا ما تكون الأصعب في أي حوار سياسي.
لقد نجحت موريتانيا حتى الآن في تجاوز أكبر عقبة إجرائية كانت تعطل انطلاق الحوار، كما نجحت المعارضة في توحيد صفوفها، والأغلبية في الحفاظ على تماسكها، وتم الاتفاق على حصر العملية التفاوضية بين قطبين متساويين في التمثيل. ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذا التوافق الإجرائي إلى توافق سياسي قادر على إنتاج مخرجات تحظى بقبول واسع، وتؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والإصلاح، بدلا من أن يصبح الحوار مجرد محطة إضافية في مسلسل التسويات المؤقتة.
الثقة ما تزال مهزوزة
ورغم أن التفاهمات الأخيرة توحي بأن قطار الحوار بات أقرب من أي وقت مضى إلى الانطلاق، فإن مناخ الثقة بين الطرفين لم يكتمل بعد؛ فما تزال المعارضة تتعامل بحذر مع المرحلة المقبلة، وتبدي مخاوف من أن يعمد فريق الأغلبية، خلال جلسات الحوار، إلى إعادة طرح ملف المأموريات الرئاسية بصورة مباشرة أو عبر إدراجه تحت عناوين عامة تتعلق بالنظام الديمقراطي أو الإصلاح الدستوري، وهو الملف الذي كان سببًا رئيسيًا في تعطيل المسار التحضيري لأشهر.
وتؤكد المعارضة أن موافقتها على خارطة الطريق استندت إلى قناعة بأن الوثيقة لا تتضمن أي إشارة تفتح الباب لهذا النقاش، وأن أي محاولة لإعادة إثارته قد تعيد الأزمة إلى مربعها الأول؛ ومن ثم، فإن نجاح الحوار لن يتوقف فقط على توقيع الوثائق، بل على مدى التزام جميع الأطراف بروح التوافق التي أخرجت العملية من عنق الزجاجة، وحسن إدارة القضايا الخلافية بما يحفظ الثقة ويحول دون انهيار التفاهم الذي تحقق بشق الأنفس.