صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع على مشروع قرار تقدمت به سوريا، وحمل عنوان «اليوم الدولي لتكريم النساء الباحثات عن الأشخاص المفقودين»، قضى بتخصيص يوم 19 كانون الأول/ ديسمبر من كل عام لإقامة الأنشطة والفعاليات التي تحتفي بجهود النساء اللاتي يسعين إلى العثور على الأشخاص المفقودين، ويواجهن العقبات والمصاعب جراء ذلك.
ويكتسب القرار دلالات خاصة عديدة، تبدأ من تزامنه مع اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري الذي يصادف الـ30 من آب/ أغسطس، وبهدف التشديد على استمرار جريمة الاختفاء القسري في العالم بأسره وفي منطقة الشرق الأوسط خصوصاً، واتساع آثارها لتشمل عائلات الضحايا أنفسهم. وكانت 17 منظمة ورابطة حقوقية من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بمشاركة منظمة العفو الدولية وهيئات عائلات المفقودين في سوريا ولبنان واليمن والعراق، قد أصدرت بياناً مشتركاً أوضحت فيه أن استهداف عائلات المفقودين يتقصد إسكات أصوات تحولت، في معظم مجتمعات ما بعد النزاعات، إلى قوة مطالبة بالحقيقة والعدالة وجبر الضرر.
الدلالة الثانية الهامة أن مشروع القرار أتى من سوريا هذه المرة، على العكس من تجارب الماضي حين كانت الهيئات والمنظمات الحقوقية الدولية هي التي تشتكي إلى الأمم المتحدة من انتهاكات النظام السوري البائد في ميادين حقوق الإنسان إجمالاً وملفات الاختفاء القسري على نحو محدد اتسم بأنساق مريعة من الفظاعة والهمجية.
ولعل الدلالة الأبرز، أن تكون سوريا هي المبادرة اليوم لطرح مشروع قرار تكريم النساء العاملات في مختلف ميادين البحث عن المفقودين قسرياً، في ضوء التقرير السنوي الأحدث الذي صدر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان تحت عنوان خمسة عشر عاماً من الاختفاء القسري في سوريا: حق الأسر في الحقيقة واجب مستمر». والمعطيات تقول إن ما لا يقل عن 177,021 شخصاً، بينهم 4,536 طفلاً و8,984 سيدة، ما زالوا في عداد المختفين قسرياً في سوريا منذ آذار/ مارس 2011. كما وثقت الشبكة مقتل ما لا يقل عن 45,365 شخصاً بسبب التعذيب أو ظروف الاحتجاز اللاإنسانية خلال الفترة نفسها، بينهم 45,038 شخصاً قضوا داخل مراكز احتجاز تابعة لنظام الأسد السابق.
كذلك أشارت الشبكة السورية إلى أن منظومة الاحتجاز لدى النظام السابق اقترنت بالتعذيب، والعنف الجنسي، والحرمان من الرعاية الطبية، والقتل غير المشروع، والوفاة الناجمة عن ظروف الاحتجاز اللاإنسانية، بالإضافة إلى الحرمان المنهجي للعائلات من الحصول على معلومات موثوقة بشأن مصير أقاربها. كما وثق التقرير انتهاكات جسيمة تُنسب إلى أطراف أخرى شاركت في مناصرة النظام، بما في ذلك الاختفاء القسري حيثما توافرت أركانه القانونية ذات الصلة، إلى جانب الاعتقال التعسفي، والاختطاف، وأخذ الرهائن.
وإذا كانت مبادرة المندوب الدائم لسوريا في الأمم المتحدة قد سجلت عودة لافتة للدبلوماسية السورية إلى ساحة العمل الأممي، فإن كون القرار هو الأول من نوعه لسوريا على امتداد تاريخها الحديث مع الهيئة الدولية يسجل أيضاً سابقة جديرة بالترحيب.