مخيم برج الشمالي -«القدس العربي»: في ذاكرة كل فلسطيني خريطة لا تمحوها السنون، وفي قلب الحاجة أم علي صابر تسكن تفاصيل بلدة معلولة، قضاء طبريا، لا كذكرى عابرة، بل كجرح حي ينزف حنيناً. لم تكن أم علي قد تجاوزت الخامسة من عمرها حين انكسر إيقاع الحياة الهادئ تحت وطأة الرصاص، لتبدأ رحلة تهجير قسري حولت الطفلة الصغيرة إلى شاهدة على مأساة شعب.
من بيارات الزيتون إلى تيه النزوح
تستذكر الحاجة أم علي تلك اللحظات بمرارة، حين كانت معلولة تضج بالحياة، وتتزين بأشجار التين والزيتون التي تظلل البيوت. تروي كيف تبدلت ضحكات الأطفال بصراخ الخوف مع اقتراب العصابات الصهيونية عام 1948.
«خرجنا بملابسنا التي علينا»، تقول أم علي، واصفة كيف أمسكت بيد والدتها وهي تتعثر في وعورة الطريق، تاركة خلفها بيتاً لم تكن تعلم أنها لن تدخله ثانية.
«قالوا لنا 3 أيام وبترجعوا.,. وصاروا 78 سنة وما رجعنا»
وفي حديثها لـ«القدس العربي»، تلخص مأساة الانتظار قائلة: «قالوا لنا 3 أيام وبترجعوا.. وصاروا 78 سنة وما رجعنا». وتضيف بلهجة تختنق بالعبرات: «أمي خافت علينا من العصابات، فتركت كل شيء ونجت بنا».
كانت الرحلة سيراً على الأقدام، تحت لهيب الشمس وبرد الليالي الموحشة. لم تكن طفلة السنوات الخمس تدرك معنى السياسة، لكنها أدركت معنى الجوع والترويع وهي ترى قوافل المهجرين تتدفق نحو الشمال. وعن بلدتها تقول: «معلولة أجمل بقاع الأرض، تشتهر بالصبر والتين، وأرضها كريمة وحلوة كأهلها».
طريق الشتات الوعر
لم تكن الطريق إلى لبنان مفروشة بالورود، بل كانت سلسلة من المحطات القاسية. تروي أم علي لصحيفة «القدس العربي» مسار اللجوء: «وصلنا إلى راميا ثم إلى بنت جبيل، حيث افترشنا الأرض تحت الزيتون لأكثر من شهر، ثم انتقلنا إلى صيدا لنعيش في خيمة لأشهر أخرى، وصولاً إلى عنجر التي استقررنا فيها سبع سنوات».
«معلولة أجمل بقاع الأرض، تشتهر بالصبر والتين، وأرضها كريمة وحلوة كأهلها»
استقرار برائحة المرار
انتهى المطاف بعائلة أم علي في مخيم برج الشمالي شرق مدينة صور. هذا المخيم، الذي أسس كحل مؤقت، صار موطن الانتظار الطويل. تتذكر الحاجة بدايات العيش في الشوادر قبل أن تتحول إلى بيوت متلاصقة بنيت من طوب الحرمان، حيث تشابكت قصص المهجرين من مختلف القرى الفلسطينية ليشكلوا مجتمعاً يقاوم النسيان بالوحدة.
الذاكرة كفعل مقاومة
رغم مرور العقود، لا تزال أم علي صابر تحتفظ بمفتاح الذاكرة، وتسرد لأحفادها تفاصيل لا تغيب عنها:
• عين الماء التي كانت تجتمع حولها النسوة.
• مواسم الحصاد التي كانت تشبه العرس الشعبي.
• رائحة الخبز المنبعثة من طابون الجدة.
بالنسبة لها، ليس الحديث عن التغريبة مجرد سرد للتعب، بل هو توريث للأمانة، فهي تؤمن بأن ذاكرة الطفلة التي هُجرت قسراً أقوى من كل محاولات الطمس والتهويد.
حلم لا يشيخ
اليوم، تجلس الحاجة أم علي في زقاق مخيم برج الشمالي، ترنو ببصرها نحو الجنوب حيث فلسطين، وتؤكد بصلابة أن المسافة بين المخيم ومعلولة ليست كيلومترات، بل هي عهد عودة. رحلة التهجير التي بدأت بدمعة طفلة، تستمر اليوم بحكاية امرأة صابرة ترفض أن تموت القضية في قلبها، وتزرع في كل جيل جديد يقيناً بأن اللاجئ مسافر في محطة انتظار، والوجهة دائماً هي الأرض الأولى.