تطورات جديدة في قضية العون القنصلي الجزائري المسجون في فرنسا.. وحديث عن تسوية محتملة للإفراج عن الصحافي غليز


الجزائر ـ “القدس العربي”: عادت قضية العون القنصلي الجزائري المسجون في فرنسا لتتصدر واجهة العلاقات الجزائرية الفرنسية، بعدما كشفت صحيفة “لوموند” أن ملفه أصبح في صلب المشاورات الجارية بين البلدين، وسط حديث متزايد عن إمكانية ربط تسوية هذه القضية بمصير الصحافي الفرنسي كريستوف غليز المدان بالسجن في الجزائر.

 وبنت الصحيفة هذا التحليل، بعد خطوة لافتة اتخذتها النيابة الوطنية الفرنسية لمكافحة الإرهاب، التي طلبت خلال شهر حزيران/يونيو الجاري الإفراج عن العون القنصلي الجزائري الموقوف احتياطيا منذ أكثر من عام، في مؤشر على تغير موقف الادعاء الفرنسي، بعدما كان يعارض باستمرار جميع طلبات الإفراج السابقة. غير أن قضاة التحقيق لم يستجيبوا لهذا الطلب حتى الآن، ليبقى الموظف القنصلي رهن الحبس الاحتياطي في انتظار استكمال الإجراءات القضائية.

وتكتسي هذه القضية أهمية خاصة بالنسبة للسلطات الجزائرية التي تعتبر استمرار احتجاز العون القنصلي من أبرز نقاط الصدام مع فرنسا خلال المرحلة الحالية، في حين تضع باريس قضية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز ضمن أولوياتها في الحوار الثنائي، الأمر الذي جعل الملفين يطغيان على الاتصالات السياسية والقضائية بين الجانبين.

وتعود قضية العون القنصلي إلى ربيع سنة 2025، عندما أوقفت السلطات الفرنسية موظفا يعمل بالقنصلية الجزائرية في مدينة كريتاي، إلى جانب شخصين آخرين، على خلفية الاشتباه في المشاركة في اختطاف المؤثر الجزائري المقيم في فرنسا أمير بوخرص، المعروف باسم “أمير ديزاد”، في نيسان/أبريل 2024.

ووجه القضاء الفرنسي للموقوفين تهما تتعلق بالاختطاف والاحتجاز ضمن تحقيق تشرف عليه النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب، في حين رفضت الجزائر هذه الاتهامات منذ البداية، معتبرة أن الموظف القنصلي يتمتع بحماية قانونية بموجب اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية، وأن توقيفه يمثل خرقا للأعراف الدبلوماسية والقانون الدولي.

وسرعان ما تحولت القضية إلى أزمة دبلوماسية حادة بين البلدين، بعدما تبادل الطرفان طرد 24 موظفا دبلوماسيا، ودخلت العلاقات الثنائية مرحلة من التوتر غير المسبوق شملت التعاون الأمني والقضائي، كما انعكست على ملفات الهجرة والنشاط القنصلي، فضلا عن استمرار الخلافات التقليدية المرتبطة بقضايا الذاكرة والاستعمار.

وزاد استفحال القضية في الأشهر الأخيرة، عقب قرار القضاء الفرنسي تمديد الحبس الاحتياطي للعون القنصلي، وهو ما أثار احتجاجا رسميا من الجزائر التي استدعت القائم بالأعمال بالسفارة الفرنسية لديها للتعبير عن رفضها لهذا الإجراء، مؤكدة أن الموظف القنصلي يخضع للحبس منذ أبريل/ نيسان 2025 رغم تمتعه، بحسب الموقف الجزائري، بالحصانة التي تكفلها الاتفاقيات الدولية.

كما انتقدت الجزائر ما وصفته بالمعاملة التي تعرض لها الموظف القنصلي، محذرة من أن استمرار احتجازه ستكون له تداعيات على مسار العلاقات الثنائية، خاصة في ظل المساعي الجارية لإعادة بناء الثقة بين البلدين.

وتزامنت تلك التطورات مع تصريحات للمدعي الوطني الفرنسي لمكافحة الإرهاب أوليفييه كريستان، تحدث فيها عن وجود تحقيقات تتعلق بما سماه “إرهاب الدول”، مشيرا إلى ملفات مرتبطة بالجزائر، وهو ما أثار استياء السلطات الجزائرية التي اعتبرت تلك التصريحات اتهامات لا تستند إلى أساس، ورأت فيها محاولة لإقحام الجزائر في سياقات لا علاقة لها بها.

في المقابل، تواصل قضية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز استقطاب اهتمام السلطات الفرنسية، خاصة بعدما أصبحت جميع الإجراءات القضائية المتعلقة بملفه مستوفاة، ما يجعل إمكانية استفادته من عفو رئاسي مطروحة من الناحية القانونية.

وكان غليز قد أوقف في أيار/ماي 2024 أثناء إنجازه تحقيقا صحفيا في منطقة القبائل، قبل أن تتم متابعته بتهمة “تمجيد الإرهاب”. وأصدرت المحكمة المختصة حكما يقضي بسجنه سبع سنوات، قبل أن تؤيد محكمة الاستئناف هذا الحكم.

وفي مرحلة لاحقة، قرر الصحفي الفرنسي التخلي عن الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا، بينما رفضت المحكمة الطعن الذي تقدم به النائب العام، ليصبح الحكم نهائيا، وهو ما أنهى جميع مراحل التقاضي وأغلق الملف من الناحية القضائية.

ويؤكد محامو غليز أن هذه الخطوة تزيل آخر مانع قانوني أمام إمكانية استفادته من عفو رئاسي، باعتبار أن الدستور الجزائري يمنح رئيس الجمهورية صلاحية إصدار العفو لفائدة الأشخاص الصادرة في حقهم أحكام نهائية.

وكانت والدة الصحافي الفرنسي قد أوضحت في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الفرنسية أن ابنها تخلى عن مواصلة الطعون القضائية أملا في فتح الباب أمام عفو رئاسي، معتبرة ذلك خطوة تحمل بعدا قانونيا وإنسانيا.

وخلال الأسابيع الأخيرة، شهد ملف غليز عدة مؤشرات إيجابية، من بينها الزيارة التي قام بها القنصل الفرنسي في الجزائر برونو كليرك، والتي كانت الأولى منذ أشهر، كما نشرت سيغولين رويال، رئيسة جمعية “الجزائر-فرنسا”، صورة التقطتها معه خلال زيارة له داخل المؤسسة العقابية، حيث ظهر في وضع صحي جيد.

وكانت الجزائر وفرنسا، بعد نحو سنة ونصف من الأزمة، قد أعادتا الاتصالات بينهما على أعلى مستوى، وهو ما ظهر في تبادل الزيارات الرفيع خلال الشهرين الأخيرين، خاصة زيارة وزير الداخلية الجزائري السعيد سعيود إلى باريس والتي تعد الأولى لوزير جزائري في مهمة رسمية منذ سنوات.

وشملت هذه الزيارات مشاورات متعددة في قضايا مكافحة الجريمة المنظمة والهجرة والتنسيق الأمني والجزائريين المشمولين بقرارات الترحيل من فرنسا، إضافة إلى ملفات استرجاع المطلوبين الفارين في فرنسا والأموال المنهوبة، فضلا عن أوضاع الجالية الجزائرية المقيمة في فرنسا.

ورغم استمرار الخلافات حول عدد من القضايا، فإن التحركات الدبلوماسية الجارية تعكس رغبة مشتركة في تجاوز مرحلة التصعيد، مع بقاء قضيتي العون القنصلي الجزائري في فرنسا والصحافي الفرنسي كريستوف غليز في الجزائر، من أبرز الملفات التي ستحدد وتيرة استعادة العلاقات الطبيعية بين البلدين خلال المرحلة المقبلة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *