«تضارب المصالح» يلاحق حكومة فاطمة الزهراء المنصوري في المغرب


الرباط – «القدس العربي»: عاد موضوع «تضارب المصالح» ليلاحق الحكومة الحالية، بعد أن كان أحد العناوين الرئيسية للجدل السياسي خلال الولاية الحكومية السابقة في عهد عزيز أخنوش. وهذه المرة، ارتبطت الشبهة بالوزير محمد المهدي بنسعيد، الذي أضيفت إلى جملة مسؤولياته في الهندسة الحكومية الجديدة حقيبة الرياضة، إلى جانب الثقافة والشباب.
وحسب عدد من المراقبين، فإن هذه الشبهة التصقت بالوزير بنسعيد منذ الولاية الحكومية السابقة، بعد الجدل الذي أثير بشأن استفادة نادي «اتحاد يعقوب المنصور» الذي ينتمي إلى مدينة الرباط ويلعب ضمن أندية القسم الثاني من البطولة الاحترافية، من دعم وتمويلات عمومية. وتتعلق القضية الجديدة بالجدل الذي أثاره رصد اعتماد مالي بقيمة 25 مليون درهم (حوالي 2 مليون و537 ألف دولار أمريكي)، ضمن مشروع الموازنة العامة لسنة 2027، للمساهمة في إحداث أكاديمية لكرة القدم تابعة لنادي «اتحاد يعقوب المنصور» الذي يرأسه الوزير نفسه.
ورغم تداول أخبار تفيد باتجاه بنسعيد إلى تقديم استقالته من رئاسة النادي، في محاولة لاحتواء الموقف وتفادي استمرار الجدل المرتبط بتداخل المسؤوليات، فقد دخلت المعارضة على الخط. إذ وجه عبد الصمد حيكر، عضو الفريق النيابي لحزب «العدالة والتنمية» في مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي)، سؤالا كتابيا إلى وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، يطالب فيه بالكشف عن حيثيات ومعايير تخصيص تمويل عمومي لأكاديمية رياضية تابعة لنادٍ يرأسه وزير في الحكومة الحالية، مشددًا على ضرورة توضيح مدى ملاءمة هذا الإجراء لمبدأ تكافؤ الفرص بين الأندية وقواعد منع تضارب المصالح.
وأشار البرلماني حيكر إلى أن المذكرة الخاصة بتوزيع الاستثمار الجهوي، المرفقة بمشروع الموازنة العامة رقم 60.26، تضمنت رصد اعتماد مالي لإحداث أكاديمية تابعة لنادي «اتحاد يعقوب المنصور» لكرة القدم، موضحًا أن المشروع يطرح تساؤلات حول الخلفيات والمعايير التي أدّت إلى إدراجه ضمن الاستثمارات العمومية لجهة الرباط سلا القنيطرة، في وقت أصبح فيه قطاع الرياضة ضمن الاختصاصات الحكومية التي يتولاها رئيس النادي نفسه.
ولفت حيكر الانتباه إلى أن المشروع يحظى، حسب المعطيات التي أوردها في سؤاله، بدعم وتسهيلات إضافية من مؤسسات عمومية، تشمل مساهمات من مجلس جهة الرباط سلا القنيطرة، إلى جانب تمويل من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم (الاتحاد المحلي لكرة القدم)، إضافة إلى توفير قطعة أرضية في نفوذ محافظة سلا من طرف الوكالة الوطنية للمياه والغابات، رغم أن النادي ينتمي جغرافيا إلى مدينة الرباط.

إخلال بمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص

وحسب النائب البرلماني، فإن تداخل هذه المعطيات يثير شبهة تضارب المصالح واستغلال النفوذ، لاسيما في ظل الانتماء السياسي المشترك لبعض المسؤولين المعنيين بالمشروع. كما اعتبر أن تخصيص استثمارات بهذا الحجم لنادٍ يمارس في القسم الثاني يطرح مسألة الحيف والإخلال بمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص تجاه أندية مغربية عريقة، تمتلك سجلاً حافلاً بالألقاب والمشاركات القارية والإقليمية، دون أن تحظى، حسب تعبيره، بفرص دعم مماثلة.
وإذا كان موضوع تخصيص دعم من المالية العمومية للأكاديمية قد عاد إلى الواجهة مع مشروع الموازنة العامة لسنة 2027، فإن المشروع نفسه ليس جديدًا، إذ سبق لمجلس جهة الرباط سلا القنيطرة أن صادق، في آذار/مارس 2023، على مشروع اتفاقية لإحداث «أكاديمية يعقوب المنصور» بغلاف مالي إجمالي قدره 100 مليون درهم (ما يناهز 10 ملايين و150 ألف دولار).
وسبق أن أثار دعم الفريق جدلاً خلال الولاية الحكومية الماضية، حيث وجهت إلى الوزير بنسعيد اتهامات بتضارب المصالح من طرف نواب برلمانيين، من بينهم البرلمانية عن حزب «العدالة والتنمية» خديجة البردعي، التي سبق أن وجهت أسئلة ومطالبات بالتوضيح بشأن الموضوع. كما عبرت بعض الأندية المجاورة وجماهيرها، ومن بينها مشجعو «جمعية سلا»، عن استيائها من طبيعة الدعم الموجه إلى النادي، معتبرةً أن الجمع بين المسؤولية الحكومية ورئاسة فريق يستفيد من تمويلات عمومية يطرح إشكالية أخلاقية وقانونية تتعلق بتضارب المصالح.
ويبدو أن شبهة تضارب المصالح التي تلاحق الوزير بنسعيد تعيد إلى الواجهة ملفًا ظلّ حاضرًا في النقاش السياسي خلال حكومة عزيز أخنوش، الذي كان بدوره محط جدل وانتقادات واسعة بسبب عدد من الملفات والصفقات التي تداخلت فيها، حسب المعارضة، المصالح الاقتصادية الخاصة مع المسؤوليات الحكومية.
ومن أبرز هذه الملفات صفقة محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء التي فاز بها تحالف ثلاثي يضم شركة مرتبطة بالمجموعة الاقتصادية التي يقودها عزيز أخنوش. وقد أثارت الصفقة انتقادات وتساؤلات من طرف المعارضة بشأن مدى احترام قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص، بالنظر إلى ارتباط رئيس الحكومة بمصالح اقتصادية في إحدى الشركات المشاركة في المشروع.
وتصاعد الجدل حول هذه الصفقة خلال سنة 2024، خصوصا بعد إسنادها إلى التحالف المذكور، حيث اعتبرت أطراف معارضة أن مشاركة شركة مرتبطة برئيس الحكومة في مشروع استراتيجي بهذا الحجم تطرح إشكالية تضارب المصالح، حتى وإن مرت العملية عبر مسطرة طلب عروض (المناقصة).
وفي مواجهة هذه الانتقادات، دافع أخنوش عن الصفقة أمام مجلس النواب، مؤكدا أنها تمت عن طريق مناقصة مفتوحة أمام جميع الشركات، وأن التحالف الفائز قدم العرض الذي اعتبرته الجهات المعنية الأفضل من حيث الشروط والأسعار، مشددا على أنه لا يمكن إقصاء أي شركة من المشاركة في الاستثمارات الوطنية لمجرد ارتباطها بفاعل اقتصادي معين.
كما أثارت تدابير الحكومة السابقة المتعلقة باستيراد الأغنام والأبقار نقاشا إضافيا بشأن مدى استفادة عدد من الفاعلين الاقتصاديين من الإعفاءات الجمركية والدعم العمومي المخصص لهذا الغرض، ومدى خضوع عمليات الاستيراد لمعايير واضحة وشفافة تضمن تكافؤ الفرص بين المستوردين، وعدم تركيز الامتيازات في أيدي عدد محدود منهم، خصوصًا في ظلّ استمرار ارتفاع أسعار اللحوم وعدم انعكاس هذه الإجراءات، بالشكل المنتظر، على القدرة الشرائية للمواطنين.

توقيف صفقة

وفي قطاع الصحة، برز بدوره ملف أثار نقاشا بشأن تضارب المصالح، بعدما أعلنت «الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها» (مؤسسة رسمية) عن توقيف مؤقت لإجراءات صفقة إعداد «خريطة مخاطر الفساد في قطاع الصحة»، إثر ما أثير من مزاعم بشأن وجود تضارب مصالح لدى الجهة التي نالت الصفقة، وهي القضية التي فجرها موقع إلكتروني محلي. وأوضحت الهيئة، في تشرين الأول/أكتوبر 2025، أن قرار التوقيف جاء في سياق الحرص على ضمان الشفافية والنزاهة في تدبير الصفقات العمومية، مع إحالة الملف على الجهات المختصة للتحقق من المعطيات المثارة واتخاذ ما يلزم بشأنها. وهو ما أعاد بدوره النقاش حول ضرورة إخضاع الصفقات العمومية لمعايير صارمة تمنع تضارب المصالح وتضمن تكافؤ الفرص بين المتنافسين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *