منح الله للإنسان كرامة خاصّة من بين سائر مخلوقاته. قال تعالى: ولقد كرّمنا بني آدم. وهي كرامة مصونة في التشريع الإسلامي، فلا يجوز المساس بها بالإساءة أو الاستنقاص أو الاستهزاء. ولا تقلّ كرامة الإنسان ميّتا عنها وهو حيّ.
ومن أوضح دلائل هذه الكرامة التوجيه للإسراع بتجهيز الميت وغسله وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه بكرامة، إضافة إلى تحريم امتهان جسده أو قبره. أمّا الإنسان الحي فكرامته مصونة بشكل كامل، فله حقوقه الكاملة وحصانته من الأذى والاستهداف والحرمان من الحرّيّة أو الحقوق. وبرغم ما تنص عليه الشرائع الدولية في مجال حقوق الإنسان، فإن ما طرحه الإسلام يتفوق على ذلك بشكل كبير. ولعلّ من أوّل النصوص الإسلامية حول ذلك وثيقة المدينة التي وضعها النبي محمد صلى الله عليه وسلم في العام الأول للهجرة. فقد نظّمت الوثيقة العلاقات بين سكان المدينة المنورة من المهاجرين والأنصار واليهود وغيرهم، وأرست مبادئ المواطنة، والعدالة، والتعايش السلمي، والدفاع المشترك عن المدينة. وبعدها جاءت «رسالة الحقوق» التي وضعها الإمام علي بن الحسين، وهي وثيقة إسلامية أخلاقية ونظام متكامل أرسلها الإمام علي بن الحسين زين العابدين إلى أحد أصحابه. تضم الرسالة نحو 51 حقّا تنظم علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبأعضاء جسده، وبالناس من حوله في المجتمع. هذه النصوص والوثائق تؤكد ما أولاه الإسلام من عناية واهتمام بالإنسان، لتجعل منه مخلوقا مستحقّا للاستخلاف على الأرض من قبل الله تعالى.
في المقابل تؤكد سياسات دول العالم في الوقت الحاضر، تراجع قيمة الإنسان وكرامته في عالم القرن الحادي والعشرين، وتداعي قيمة حياته. وما المخترعات المتطورة في عالم الحرب القادرة على القتل الجماعي بدون رحمة إلا تأكيد لتراجع قيمة حياة الإنسان في التشريعات الحديثة. صحيح أن الدساتير تؤكد قيمة الإنسان وكرامته، ولكن من الناحية العملية تتلاشى تلك الكرامة بشكل كبير. فقد تفنّن الإنسان في تطوير أدوات الموت . أمّا النقاشات الطويلة حول ما يسمى «الموت الرحيم» والقوانين التي تنظّم التعامل مع البشر الميؤوس من حياتهم بعد إصابتهم بأمراض خطيرة، فلا تبرّر انتهاج سياسات الموت الجماعي من خلال الاختراعات العسكرية التي تؤدّي للقتل الجماعي بدون رحمة. وما المقابر الجماعية التي تضم أشلاء ضحايا الحروب، فإنها كثيرا ما كانت محاولات لإخفاء الجريمة والتخفيف من وقعها على نفوس البشر. إن للميّت حرمة لدى كافة الأديان، بل أنها موضع اهتمام الجنس البشري كأحد جوانب الفطرة التي ترفض الإيذاء أو الشماتة أو التفنّن في إلحاق الأذى بالآخرين. وتتجلى حرمة الميت من خلال التعامل مع الإنسان حين يموت، فيستحب الإسراع بدفنه، بعد تجهيزه وغسله وتكفينه والصلاة عليه، ثم مواراته الثرى لحفظ كرامته. ولا يجوز امتهان جسده أو قبره.
هذه القيم الإنسانية الأساسية لا تحظى باحترام من قبل أعداء الإنسانية. فتمارس السلطات الإسرائيلية انتهاكات واسعة بحق الأموات الفلسطينيين تشمل نبش المقابر وتجريفها، واحتجاز الجثث في ثلاجات أو ما يعرف بـ «مقابر الأرقام» السرّيّة، وعدم تسليمها لذويها لدفنها بكرامة، في خرق صارخ للقانون الدولي الإنساني. ومن مصاديق ذلك تكرر المجازر التي ذهب ضحيتها الآلاف من الفلسطينيين. ومنها ما حدث في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2023. فقد ارتكب الجيش الإسرائيلي مجزرة في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، أسفرت عن استشهاد 308 فلسطينيين من عائلتي أبو شريعة والحساينة، بينهم 40 طفلا و30 امرأة و7 أشخاص من ذوي الإعاقة، وفق ما وثقته الأرقام. ونظرا لحجم الدمار الذي حدث بقيت الجثث بين الركام.
تمارس السلطات الإسرائيلية انتهاكات واسعة بحق الأموات الفلسطينيين تشمل نبش المقابر وتجريفها، واحتجاز الجثث في ثلاجات أو ما يعرف بـ «مقابر الأرقام» السرّيّة، وعدم تسليمها لذويها
بعد مرور أكثر من عامين ونصف، تمكنت طواقم الإنقاذ من انتشال عدد من الجثامين التي ظلت مدفونة تحت الركام، ليُوارى أكثر من 100 شهيد الثرى أخيرًا، بينما لا يزال مصير عشرات آخرين مجهولا، وسط تقديرات تشير إلى وجود نحو 157 شخصا في عداد المفقودين تحت الأنقاض أو مجهولي المصير. إنه ليس أمرا جديدا أن يكون هناك ضحايا في الحروب، ولكن المواثيق الدولية نظّمت كيفية التعامل مع الضحايا، سواء الذين فقدوا حياتهم أو الجرحى أو الأسرى. فلكل الأطراف المعنية بالنزاعات المسلّحة مصلحتها في حماية الجنود والمدنيين وضمان حقوقهم، خصوصا الجرحى والقتلى. وفي ذروة الحروب كثيرا ما يتم الإعلان عن «هدنة مؤقتة» لإجلاء الضحايا من الميدان لكي تُتاح لهم فرصة العلاج أو للدفن إذا فقدوا حياتهم. وتمثل مقابر ضحايا الحروب جزءا من تراث البلدان، يحظى بعناية خاصة، ويزوره الكثيرون لاستذكار أولئك الضحايا. فالعلاقات الإنسانية تبقى مصدر تحريك للمشاعر في النفوس، وتساهم في تخليد من فقدوا حياتهم في النزاع. وفي الثقافة الإسلامية يعتبر المضحّون بأنفسهم في الحروب «شهداء» وأنهم أحياء لا يموتون. وفي حالة الحرب في غزّة، يعتبر الفلسطينيون ضحاياهم الذين ينتشلونهم من بين أنقاض المباني والأبراج السكنية «شهداء» ذوي مكانة رفيعة في النفوس. ويظهر الاهتمام بهم بما يحظون به من مواكب تشييع مهيبة إذا سمحت ظروف الحرب بذلك. أما الذين تُنتشل جثثهم من ركام المباني التي هدمها الإسرائيليون على رؤوس ساكنيها، فيحظون باهتمام خاص، حتى لو مرّت فترات طويلة على استشهادهم. وتساهم ثقافة تقديس الشهادة في إذكاء الحماس وروح الصمود في صفوف الشباب المتحمّس للذود عن أرضه وحقوقه. ولذلك لا يشعر العدو المحتل بالأمن مهما طال بقاؤه.
تميّز العدوان الإسرائيلي على غزّة بالوحشية والساديّة، إذ لم يكتف باستهداف حاملي السلاح من عناصر المقاومة، بل استهدف المدنيين بشكل واضح، وارتكب جرائم حرب لا تُحصى ضمن محاولاته فرض السيطرة بشكل كامل. ويختصر المشهد جانبًا من الكلفة الإنسانية الهائلة التي خلّفتها حرب الإبادة على قطاع غزة، حيث لا تزال آلاف العائلات تبحث عن أبنائها أو تنتظر انتشال جثامينهم من بين ركام المنازل المدمرة. وكتب المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، أن القطاع «على موعد مع مشهد استثنائي ومؤلم»، مشيرا إلى أن تشييع أكثر من 100 شهيد من عائلتي أبو شريعة والحساينة يمثل واحدة من أكبر الجنازات التي شهدها قطاع غزة، ومن بين أكبر المشاهد الجنائزية في تاريخ القضية الفلسطينية خلال العقود الأخيرة.
وهكذا تبقى قضية فلسطين وما يتصل بها من مشاهد متواصلة من العدوان الإسرائيلي من جهة والصمود الشعبي من جهة أخرى، مدرسة للثائرين ليس في فلسطين فحسب، بل في كافة أنحاء العالم. ويساهم استمرار الصمود في إبقاء شعلة الثورة متّقدة في نفوس الآلاف من المناضلين الباحثين عن الحرّيّة والمتصدّين للعدوان والاحتلال والاستبداد. فللدم الذي يُراق في ساحات النضال سماته الخاصة، فهو لا يجفّ ولا يسكت على الظلامة، ولا يسمح بالاستسلام أو الخنوع. بل يبقى مصدرا للتحدّي والصمود، ويُبقي العدو المعتدي في حالة ترقّب ووجل دائمة، ولقد خرج من رحم القضية الفلسطينية أجيال استساغت النضال واعتبرته مسارها الثابت، بعد أن ترسّخ وعيها واتضحت رؤيتها، واستطاعت الانفلات من عقد الخوف من كيان الاحتلال وداعميه. وهل حالة التوتر التي تعيشها المنطقة منذ ثمانية عقود بدون توقف إلّا بسبب رفض الاحتلال وتعمّق حالة رفضه والقطيعة مع من يعترف بوجوده أو يتعاطى مع رموزه خارج أطر المقاومة وثقافتها. كما تساهم السياسات الإسرائيلية في إبقاء جذوة القضية متّقدة في نفوس الكثيرين، لأنها في نظرهم تجسد استمرار الهيمنة الإمبريالية المجحفة على العالم من جهة، وخطرها المتواصل على الأمن والسلم الدوليين. ولا شك أن احتضانها الاحتلال الإسرائيلي والدفاع عنه بكافة الوسائل، يؤكّد تلك الشكوك، وتجعل الغربيين غير مؤهلين لرفع شعارات الحرّيّة والحقوق، وتفضح خواء محتواهم الفكري والأخلاقي، في عالم يحتاج بشدّة إلى هذه المعايير والقيم. وبذلك يصبح للشهيد الفلسطيني دور مباشر في تحريك القضية، يتجاوز في أهميّته ما في جعبة بقية المناضلين من مشاريع تنموية وتحرّريّة ترتبط بالحرّيأت العامة، وتحمل راية فلسطين بحماس وثبات.
٭ كاتب بحريني