طرابلس – «القدس العربي»: دخلت قضية خالد محمد علي الهيشري مرحلة جديدة في مسار العدالة الدولية، بعدما أعلنت المحكمة الجنائية الدولية تشكيل الدائرة الابتدائية السابعة لتتولى محاكمته، في أول قضية مرتبطة بالوضع الليبي تصل إلى هذه المرحلة منذ إحالة الملف الليبي إلى المحكمة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1970 عام 2011.
وأعلنت المحكمة أن الدائرة الابتدائية السابعة ستتألف من القاضية ألثيا فايلت أليكسيس-ويندسور رئيسة، وعضوية القاضيتين مياتا ماريا سامبا وبيتي هوهلر، لتتولى إدارة إجراءات المحاكمة والإشراف على جميع مراحلها المقبلة.
وأوضحت المحكمة أن الدائرة الجديدة ستعقد جلسات تمهيدية بين الادعاء والدفاع لتحديد موعد بدء المحاكمة، واعتماد الإجراءات اللازمة لضمان سيرها بصورة عادلة وسريعة، قبل الانتقال إلى مرحلة الاستماع إلى الشهود ومناقشة الأدلة.
ويأتي تشكيل الدائرة بعد أيام من قرار الدائرة التمهيدية الأولى، الصادر في 16 تموز/يوليو الجاري، بتأكيد جميع التهم الموجهة إلى الهيشري، بعدما خلصت إلى وجود «أسباب جوهرية للاعتقاد» بمسؤوليته عن الجرائم المنسوبة إليه، وقررت إحالته إلى المحاكمة.
ويمثل القرار أول مرة تبلغ فيها قضية ليبية مرحلة المحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية منذ بدء اختصاصها بالنظر في الوضع الليبي، وهو ما يمنح القضية أهمية قانونية وسياسية تتجاوز شخص المتهم إلى ملف المساءلة عن الجرائم المرتكبة خلال سنوات النزاع. وحسب المحكمة، ستتولى الدائرة الابتدائية فحص جميع الأدلة والمرافعات المقدمة من مكتب الادعاء وهيئة الدفاع، إلى جانب الوثائق والمذكرات التي شارك في تقديمها الضحايا، قبل إصدار حكمها النهائي بشأن مسؤولية المتهم.
وأكد القضاة خلال قرار اعتماد التهم أن الأدلة المقدمة كانت كافية لإحالة القضية إلى المحاكمة، مشيرين إلى أن هذه المرحلة لا تعني ثبوت الإدانة، وإنما تفتح الباب أمام محاكمة كاملة يجري خلالها تقييم جميع الأدلة وفقا للمعايير المنصوص عليها في نظام روما الأساسي.
وأشادت المحكمة كذلك بالإسهامات التي قدمها 63 شاهدا خلال مرحلة اعتماد التهم، بينهم 47 محتجزا سابقا، معتبرة أن شهاداتهم شكلت جزءا أساسيا من ملف القضية، في حين رجحت أن تستغرق إجراءات المحاكمة عدة أشهر نظرا إلى طبيعة التهم وكثرة الأدلة.
وسبق قرار اعتماد التهم بيوم واحد رفض الدائرة التمهيدية الطعن الذي قدمه فريق الدفاع بشأن اختصاص المحكمة بالنظر في القضية، حيث أكدت المحكمة استمرار ولايتها القضائية استنادا إلى قرار مجلس الأمن رقم 1970، الذي أحال الوضع في ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية عقب أحداث عام 2011.
ويواجه الهيشري 17 تهمة تتعلق بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، يشتبه في ارتكابها خلال الفترة الممتدة بين الأول من أيار/مايو 2014 و30 حزيران/يونيو 2020، عندما كان، بحسب المحكمة، من كبار مسؤولي سجن معيتيقة في طرابلس.
وتشمل التهم القتل، والتعذيب، والسجن غير القانوني، والاغتصاب، والعنف الجنسي، والاستعباد، والاضطهاد، إضافة إلى الاعتداء على الكرامة الشخصية بحق محتجزين ليبيين ومهاجرين وطالبي لجوء داخل السجن.
وتعود القضية إلى 10 تموز/يوليو 2025 عندما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق الهيشري، قبل أن تعتقله السلطات الألمانية في 16 تموز/يوليو من العام نفسه، ثم تسلمه رسميا إلى المحكمة في الأول من كانون الأول/ديسمبر 2025، لتبدأ بعدها الإجراءات القضائية المتعلقة باعتماد التهم.
وخلال جلسات اعتماد التهم، التي عقدت في لاهاي بين 12 و19 أيار/مايو الماضي، عرض الادعاء الأدلة المتعلقة بالانتهاكات المنسوبة إلى الهيشري، بينما دفع فريق الدفاع بعدم اختصاص المحكمة، معتبرا أن القضية ينبغي أن تنظر أمام القضاء الليبي، وأن جهاز الردع كان يعمل ضمن مؤسسات الدولة وليس باعتباره جماعة مسلحة مستقلة.
إلا أن المحكمة رفضت هذه الدفوع، مؤكدة استمرار اختصاصها بالنظر في القضية، وهو ما مهد الطريق لإصدار قرار اعتماد جميع التهم ثم تشكيل الدائرة الابتدائية المختصة بالمحاكمة.
وفي أول تعليق على القرار، رحب مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بإحالة القضية إلى المحاكمة، واعتبرها خطوة تاريخية في إطار الوضع الليبي. وقالت نائبة المدعي العام، نزهت شميم خان، إن القرار يمهد لأول محاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية في إطار الوضع الليبي، ويقرب المحكمة من تحقيق العدالة لآلاف الضحايا الذين تعرضوا للاعتقال والاحتجاز غير القانوني داخل سجن معيتيقة، وما رافقه من انتهاكات جسيمة.
ويرى مراقبون أن انتقال القضية إلى مرحلة المحاكمة يمثل تطورا غير مسبوق في مسار العدالة الدولية المرتبط بليبيا، بعد أكثر من خمسة عشر عاما على إحالة الملف إلى المحكمة، وقد ينعكس على ملفات أخرى لا تزال قيد التحقيق لدى مكتب الادعاء.
ورغم أن ليبيا ليست دولة طرفا في نظام روما الأساسي، فإن المحكمة تمارس اختصاصها استنادا إلى قرار مجلس الأمن رقم 1970، إضافة إلى إعلان قدمته السلطات الليبية عام 2025 قبلت بموجبه اختصاص المحكمة حتى نهاية عام 2027.
ومن المنتظر أن تحدد الدائرة الابتدائية السابعة خلال الفترة المقبلة موعد الجلسات الأولى للمحاكمة، ووضع الجدول الإجرائي لسماع الشهود ومناقشة الأدلة، تمهيدا لإصدار حكمها النهائي. وتؤكد المحكمة أن الهيشري يبقى متمتعا بقرينة البراءة إلى أن تثبت إدانته بما لا يدع مجالا للشك المعقول، وفقا للمعايير المعتمدة في نظام روما الأساسي.