لم تَخْلِف وعدَها الذي لم تنطقْه بقدْر ما بلوَرتْه في «نوفيلتها» الأولى المميَّزة «لا شيء أسود بالكامل»، التي ألبسَتْها ثياب الرواية فبدتْ أكثر جمالاً في تجسيد الوعد. ولم تتخلَّ عن همّ بحثها عمّا يَمنح العملَ الأدبيَّ الألقَ بندى أزهار التجديد التي لا ترتضي أن تكون شَبَهَاً يباساً. ولم تُقَصِّر كذلك من طول باع إبداعها في تقديم روايةٍ تضع عملية الكتابة نفسها بطلاً يرافق أبطالها من دون إقحامٍ، باختيارها أن يكون أبطالُها أنفسُهم معنيين بعملية الكتابة كروائيين. ولم تخترْ أبطالَها في النهاية كذلك لكي تُقيم هذا التآلفَ المتناغمَ المحيِّرَ في ذات الوقت فحسب، إذ هي تَدخل في عمق دواخل أبطالِها الروائيين كبشرٍ معقّدين بقدْر بساطتهم، ويتطلّبون تحليلاً نفسياً عميقاً حسّاساً، إذ يمكنُهم أن يكونوا أيَّ شيءٍ يرتكبُ كلَّ شيء بما في ذلك القتل، وإن لم تَفُحْ منه رائحة الدماء!
وأخيراً في النهاية التي لا تنتهي إذ تدور على نفسها أو تدور بالاتجاهين في ذات الوقت كما إلكترونٍ مجنون، لم تَخلقْ الروائية اللبنانية عزّة طويل في روايتها الثانية «عيون بيروت» تداخلاً عادياً، يقيم ما يُعرف بالرواية داخل الرواية، بقدْر ما خلقتْ تشابكاً كمومياً على صعيد جزيء البشر في الكون. وهذا من جهةِ شخصيةِ بطلتها المنقسمة إلى بطلتيها، لتفتح أبواب التساؤل حول تعقيدات الكتابة وتعبيرات هذا التعقيد، بقصدٍ أو غير قصد، وبلا يقينٍ في المجمل عما يحدث في كوننا؛ داخلَ ظاهرةٍ باتت ملاحَظةً بقوة لدى راصدي تطوّر الأعمال الأدبية في عصرنا الذي يفرض مجاراتَه وتلبيةَ طبيعة تغيراته، على الروائيين المعنيين بالإبداع.
ولا يكفي بالتأكيد، سوى كتمهيد، إيراد هذا المثال الذي تَطرحُ طويل فيه على لسان راويتها في سماء الرواية التي تلمع نجوماً في العيون، تساؤلَها الذي يقف مخرزاً أمام العيون: «هل كانت هذه قصتي التي دوّنتُها أم قصّة لمياء أم قصّة رامي أمْ قصّة مدينتي المجروحة؟ لا يهمُّ ففي بيروت، دائماً ما تتلاحم القصة والتاريخ والذاكرة والصور. لقد حاولتُ أن أكتب قصّةَ تلك اللمعة في عيوننا، لكنني وجدتُ أنّ القصص كلَّها متصلةٌ، كخيوطٍ في نسيجٍ واحد، كلّما سحبتُ خيطاً، تحرّك النسيج كلّه».
الروايات داخل الرواية:
في الرواية داخل الرواية، تبرز قدرة الروائي المبدع في التحكّم بنسيج الرواية عندما تفرض عليه طبيعتُها أن تكون متداخلةً بشخصياتها وأحداثها وأزمنتها، ولكنْ بشرط ألا تكون في مكانٍ مثل بيروت، التي هي من «تعبٍ ومن ذهبٍ وأندلسٍ وشام» وفق وصف عاشقها محمود درويش. إذ سيضطر الروائي عندها للوصول إلى مخاطبتها كآلهةٍ لا تميَّز عدالتُها عن ظُلمها بالسؤال، كما فعلت راوية طويل وبطلة روايتها: «ماذا فعلت بنا يا ستّ الدنيا؟ لم يفلتْ أي ّمنا منك، سواء أخطأنا أو لم نخطئ… لماذا كنا نحاسَب جماعياً هكذا، على الأرض قبل الفناء؟».
وسيضطر الروائي كذلك إلى الانتقال من الرواية داخل الرواية، مثلما فعلتْ طويل، إلى الروايتين داخل الرواية، وهو أمرٌ يصعب التحكم فيه فعلاً، مالم يَخلُق الروائيُّ بنيةً عميقةً تتحرك داخل البنية الظاهرة، ويشبك عناصرَها بثيمةٍ تجعل نسيجها متماسكاً لا ينفرط في حمّى الجريان.
في شبْكها ومراكباتِها، لمعالجة ما لم يصل البشر بعد إلى فهم تعقيداته التي يكمن فيها جماله، وما لم يستطيعوا الخلاص منه أو حتّى تجنبه إذ هو موجود في جيناتهم، مَن يسمّونه الحبّ، ومَن يعرفون أنه لا يوجد بغير التضاد مع مَن يسمّونه الكراهية، بتذكير وتأنيث المجتمعُ الذكوري هكذا لهما في اللغة بعد تدميره عالمَ الأنوثة، تُجري طويل صراعاً بين عقليتي الذكورة والأنوثة: من جهةٍ أولى رواية الرجل الذكوري رامي، كازانوفا الخاوي، ليس من دون عقلية المثقف الذي يستغل ثمار الثقافة، كأدوات مجدولات بحبائل متعته في السيطرة على الأنثى، مستغلاً مشاعرَها واحتياجاتِها الجنسية دون أن يأبه بخصوصية هذه المشاعر إذ يشعر أنها ملكه، ومن حقّه نشرها والحديث عنها مع الأخريات القابلات لإيقاعهنّ في حبائل سيطرته.
ومن جهة ثانية مضادةٍ، رواية المرأة لمياء التي تقرّر تقديم روايتها في مواجهة روايته التي عرّتها أمام الملأ بنشرها من دون إذنها، وتعرب في خطاب حفل توقيعها عن «رفضها لأن تكون مجرّد شخصية يكتبها الآخرون». ويجري كل ذلك في المكان المتراكب بيروت، في زمن سيطرة حزب الله وعصابات الأسد عليها، وجريان أحداث اغتيالاتهما متوَّجةً باغتيال رفيق الحريري، متوّجةً بمجزرة تفجير مرفأ بيروت، وفي زمان التهديد الوجودي بفيروس كورونا الذي أقام عزلةً ظاهرةً فوق العزلة العميقة.
وفي صراع الروايتين وتعقيدات هذا الصراع داخل رواية «عيون بيروت»، يلاحظ القارئ تسمية طويل لرواية رامي «لعنة الحب»، وعدم تسميتها لرواية لمياء، ويكتشف أو يحدس على الأقل، من خلال تشابك شخصيتيّ راوية الرواية وبطلتها الثانية أن رواية لمياء ربما تكون هي عيون بيروت ذاتها متداخلةً بها، مثلما تلمع عيناه في اكتشافه أو حدسه على الأقل أنّ شخصية الراوية التي لم تسمّها طويل كذلك وشخصيةَ البطلة الثانية ربما تكون ذاتها. وربّما يشطح به خياله، استناداً لتشابك الشخصيتين بدءاً من كونهما المرأتان المعنيتان في رواية الذكر رامي، وانتهاءً بسلوكِهما المتعاكس في ذات اللحظة، إلى اعتبارِهما إلكتروناً واحداً انقسم ومارس تشابكه البشريّ داخل كون القارئ.
وفي هذا التشابك الذي تقيمه طويل في أقصى أبعاده، يكمن تألّق الرواية في مجمل أبعادها، ويكمن تألّق بنيتها العميقة داخل بنيتها الظاهرة التي تشكّلها من ثلاثةٍ وثلاثين فصلاً بأرقام، تبدأها من النهاية فتضع زمناً للفصل الأول بعام 2022، وللفصل الثاني بعامي 2018 ــ 2019، وللفصل الثالث بعام 2005، عام عودة علاقة الراوية برامي، وللفصل الرابع بعام 2019، عام علاقة الراوية بلمياء. وتُجري طويل الرواية بعدها باستقامة جريان الزمن حتى نهاية الرواية بدورانها إلى بدايتها عام 2022.
وفي تسلسل هذه البنية الظاهرة تصيغ طويل منظومةَ سردها بسردٍ عميق داخل السرد الظاهر الذي تقوم به بطلة الرواية، الراوية التي لا تسمّيها، في قصدية واضحة، تُفصِح عن إقامة التشابك بين البطلتين كذات واحدة قسَمَتْها، لتفهم نفسها وتفهم الآخر، في صيغة السارد المتكلم، والسارد العليم في ذات الوقت. مع إدخال الراوية الأخرى لمياء كساردةٍ بصيغة المتكلم في روايتها، من دون أن يشعر القارئ أن ثمة خلافاً ظاهراً بين الساردتين.
ثيمة العينين تحت النار
باعتبارهما المدخل إلى روح الإنسان، تضع طويل العينين مدخلاً إلى روح روايتها، وثيمةً تلضم نسيجها، في ألعاب الحب والرغبة، واختلاط مُتع الحبّ بالألم، حيث يخنق رامي في عملية الحبّ الراوية ولمياء حتى صدور آهة حبيبي من صدر شهوتيهما. كما في ألاعيب السلطة العميقة التي تفقأ أعين المتظاهرين بالرصاص المطاطي خلال ثورة أهالي بيروت وسط هتافهم الشهير: «هيلا هيلا هيلا هيلا هو»، و«الشعب يريد إسقاط النظام» و«كلّن يعني كلّن»، ممتزجةً بصوت ألعاب الحبّ على الدرج الذي علا على صوت الهتاف بين رامي ولمياء.
وكما في تسلّل الحب الآمن من قلب تلاطم أمواج الحب الصارخ، في تشافي الراوية بحبّها للمصوّر كنان، إلى اكتمال الثيمة بعد تشابكها بجميع مفاصل الرواية، في إبداء الراوية إعجابها بمجموعة صور كنان للعيون التي سيشارك بها في المعرض الإلكتروني، بعد أن أضاف لها صور عيون انفجار مرفأ بيروت، واقتراحها عليه أن يضع لها عنوان: «عيون بيروت» بدل «عين التغيير».
وعلى إيقاع نبض هذه الثيمة التي لا تتوقّف عن مواكبة حركة الشخصيات والأحداث، في احتياجِ روايةٍ تدخُل عوالم التحليل النفسيّ المعقّدة إلى إثارة التشويق، تلجأ طويل إلى التساؤلات فيما إذا كانت شهوات رامي المتصاعدة وتوقُه الجارف للسيطرة على لمياء يمكن أن تفضي به إلى قتلها، متابعةً ذلك برصد حالة لمياء وردود أفعالها على سلوكه، ومعالجات تشافيها منه عبر الكتابة، مع تخليل ذلك في العمق بالتساؤلات عما إذا كانت في الحقيقة تتابع نفسها وليس لمياء.
وتضيف طويل لهذا التشويق مَسكَها لذاكرة القارئ عن الهروب ضمن كل هذا التشابك، زيادةً على فعل ثيمتها، بأسلوب الاسترجاع الذكي للشخصيات والأحداث ضمن الحدث نفسه، ومن غير إقحام، حيث: «لا يطرحُ كنان الكثير من الأسئلة، لكنّ النظرات في عينيه تقول الكثير: نظرتُه إلى عيني حين كنّا في السبورتينغ بمواجهة البحر، أو لمّا قال إن لمياء جميلةٌ وعينيها تشبهان عينيّ، أو حين عرف أن رامي نجح قليلاً معي من قبل، أو حين لاقانا على جسر الرينغ بعد أن صَوّر عيون متظاهريْنِ أصيبا برصاصٍ مطاطيّ».
ولا تتوقف طويل على نبض إيقاع هذه الثيمة وضمن إغنائها لروايتها بإدخال رواية بيروت كرواية ثالثة ضمن روايتها، عن طرح القضايا الإشكالية الحساسة بعمقٍ وتحليلٍ نفسيٍّ لردود أفعال الشخصيات، من مثل إشكالات الكفاح في قضية اغتيال أب الراوية الصحافي الذي حارب الفساد، من قبل لصوص آثار بيروت، بعد منع أمّها له من التردّد ونهيه عن قبول رشوتهم، واغتياله على ذلك، وعيش الأمّ المهدّدة عقدة ذنب مقتله، وتوهان ذاكرة ابنته نتيجة هذا الحدث.
كما لا تتوقف طويل كذلك عن مكاملة تشابكاتها وإغنائها، سواء بصورة خفية لا تذكُر معالجات السادية والمازوشية في ممارسة رامي للمتعة عبر إثارة ألم الآخر، أو بصورةٍ ظاهرةٍ لتداخل الذكورية الممارَسة من قبل رامي مع حالة فيرتر في رواية غوته «آلام فيرتر». وتضيف بهذا نكهة الثقافة على التشابك والتراكب بين شخصياتها.
وفي ختام العودة إلى همّ مشابكة الرواية بالكتابة وتعقيداتِها نفسِها، يمكن للقارئ الذي يصل إلى نهاية الرواية التي تدور لتكون بدايةً، تلمُّسَ التشابك المتألّق بين راوية الرواية وبطلتها لمياء، حيث تفتح الراوية رواية بطلتها المهداة لهاوتقرأ الإهداء: «إلى التي ما عادت الشاهدة الوحيدة على جنونها. إليكِ. لمياء 2022».
كما يمكن للقارئ الشطح بخياله الذي لا يعود شطحاً من كثر تلميحات راوية الرواية إلى إحساسها بالتشابك، في إرجاع هذا الإهداء لعملية التشابك الكمومي في عالم الذرات المتناهية الصغر، التي خلقتها طويل في روايتها بين بطلتيها المنقسمتين، إذ أهدت طويل روايتَها «عيون بيروت»: «إلى الذين ما عادوا الشهودَ الوحيدين على جنونهم». مع تساؤل بطلة طويل، الراوية التي تمثّلها من خلال بدء رواية لمياء بها كبطلة لروايتها، إن كان تبادل الأدوار بين المؤلف وبطله يُعقل؟ في تأكيد على هذا التشابك، حيث: «أردتُها أنْ تروي فصرتُ بطلةً مجنونةً في حكايتها»؛ بإضافة طويل تحيّتَها إلى رولان بارت في الإهداء، تشير إلى ما راكبَتْه في هذا الخلق بين الواقع والكتابة، وبين النص ومبدعه.
عزّة طويل: «عيون بيروت»
شركة المطبوعات، بيروت 2026
232 صفحة.