ترامب يقول إن حرب إيران تستحق العناء وفاتورتها تتزايد على المستهلك الأمريكي


لندن- “القدس العربي”: نشر موقع “بوليتيكو” مقالا لمراسله في البيت الأبيض سكوت والدمان، قال فيه إن الحرب مع إيران تجاوزت الآن حاجز الستة أشهر دون أي مؤشرات على نهايتها، كما تضاءلت بشدة في الآونة الأخيرة تصريحات الرئيس دونالد ترامب وإدارته التي تشير إلى قرب التوصل إلى حل عبر التفاوض.

وما يتبقى هو فاتورة تكاليف آخذة في الارتفاع، ووعد بأن هذه التكاليف ستنخفض بشكل حاد بمجرد أن تنتصر أمريكا في حرب يبدو أنها عاجزة عن إنهائها.

وفي كلمة ألقاها يوم الأربعاء خلال مؤتمر الحزب الجمهوري الخاص بانتخابات التجديد النصفي في دالاس، طرح ترامب نقطة جديدة للنقاش: أن الحرب ستنتهي “مباشرة بعد” انتخابات التجديد النصفي. وحتى ذلك الحين، حث ترامب الأمريكيين على تحمل أسعار أعلى للوقود لضمان عدم امتلاك إيران لسلاح نووي.

وقال ترامب للحشد: “يحدث هذا معي طوال الوقت؛ إذ يأتي إليّ أشخاص ويقولون: تعلم، أتمنى لو لم تخض الحرب في إيران، فقد ارتفعت أسعار البنزين. فأرد عليهم قائلا: حسنا، دعوني أسألكم -بصفتكم أشخاصا أذكياء- سؤالا واحدا: هل يمكن لإيران أن تمتلك سلاحا نوويا؟ قطعا لا. إذن، أنا محق”.

ورغم أن سعر البنزين أمر يلاحظه دافع الضرائب العادي بوضوح تام، إلا أنه قد يكون البند الأصغر في الفاتورة الإجمالية المستحقة. فوفقا لمارك زاندي، كبير الاقتصاديين في مؤسسة موديز أناليتيكس، بلغت تكلفة الحرب التي تتحملها ميزانية الأسرة الأمريكية العادية حوالي 1,650 دولارا حتى الأسبوع الماضي، وهي تكلفة تشمل أسعار الطاقة وأسعار الفائدة ونفقات الحرب المباشرة؛ وهو رقم يقول زاندي إنه يتزايد يوما بعد يوم.

قد تكون مطالبة الأمريكيين بتحمل هذه التكاليف أمرا يصعب إقناعهم به بالنسبة لترامب ونائبه جيه دي فانس وغيرهما ممن تجمعوا في تكساس لحشد الناخبين الذين يعبرون عن شعور متزايد بالضغوط الناجمة عن تكاليف المعيشة. كما يسلط هذا الوضع الضوء على التحدي الذي يواجهه ترامب فيما يتعلق بصياغة رسالته السياسية، في ظل اقتراب موعد الانتخابات التي يفصلنا عنها أقل من شهرين.

وقد أظهر استطلاع للرأي أجرته وكالة رويترز ومؤسسة إبسوس في أواخر شهر أغسطس أن 31% فقط من الأمريكيين يؤيدون الحرب مع إيران، بينما تعتقد أغلبية ساحقة من المشاركين في الاستطلاع -بنسبة 83%- أن الحرب ستستمر “لفترة طويلة من الزمن”.

ارتفعت أسعار النفط يوم الخميس لتتجاوز 107 دولارات للبرميل، مسجلة بذلك أعلى مستوى لها منذ شهر أيار/ مايو. وأشار غريغوري برو، وهو محلل أول متخصص في شؤون النفط والغاز وإيران لدى مجموعة أوراسيا، إلى أن هذا الارتفاع قد يُعزى جزئيا إلى تصريحات ترامب الأخيرة.

وقال برو: “إن ما يحدث هو نوع من إعادة تقييم لسوق النفط في ضوء الموقف الأمريكي القائل بأنه لن يكون هناك أي انفراجة بشأن الملف الإيراني إلا بعد انتخابات التجديد النصفي. لقد أوضح الرئيس تماما في تصريحاته… أنهم يريدون حقا احتواء الموقف وتأجيل أي تطورات إلى ما بعد الانتخابات”.

وفي سياق متصل، صرح مسؤول في البيت الأبيض بأن ترامب ملتزم بخفض تكاليف الطاقة على الأمريكيين.

وقالت تايلور روجرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض، في بيان لها: “لا يزال الرئيس ترامب ملتزما بتعزيز هيمنة الطاقة الأمريكية، وخفض التكاليف، وإعادة المزيد من الأموال إلى جيوب الأسر الأمريكية الكادحة. ومع استمرار الولايات المتحدة في الحفاظ على سيطرة كاملة على مضيق هرمز، فإن أسعار النفط والغاز ستعود إلى مستوياتها المسجلة قبل نشوب الصراع”.

غير أن بريتاني مارتينيز، وهي استراتيجية جمهورية والمديرة التنفيذية لمنظمة “برينسبلز فيرست” وهي منظمة محافظة سبق لها انتقاد ترامب، رأت أن محاولة إقناع الناس بأن الأعباء الاقتصادية الناجمة عن الحرب مع إيران ستؤدي إلى نتائج إيجابية على المدى القصير هي مهمة صعبة، ويعود ذلك جزئيا إلى أن هذا الطرح لا يعكس الواقع المعيشي للناخبين.

وقالت مارتينيز: “يعد هذا الأمر بمثابة جرس إنذار للجمهوريين؛ فمع مرور كل يوم، تتراجع أعداد الأمريكيين المؤيدين للحرب مع إيران. لذا، عندما يتم الترويج لما يشبه الانتصارات الزائفة بينما لا تزال أسعار الوقود مرتفعة، نجد أن الواقع الذي يلمسه الأمريكيون في ميزانياتهم يختلف تماما عما يتحدث عنه الرئيس”.

إلى جانب تكلفة البنزين، تتزايد التكاليف الأخرى للحرب. فقد صرح وزير الدفاع بيت هيغسيث لأعضاء الكونغرس المسؤولين عن المخصصات المالية في 21 تموز/ يوليو بأن التكلفة المباشرة للحرب آنذاك بلغت 37.5 مليار دولار، كما طلب من الكونغرس ما لا يقل عن 67 مليار دولار إضافية للعمليات الشاملة لوزارة الدفاع (البنتاغون)، بما في ذلك الحرب.

وأوضح زاندي، الخبير في مؤسسة موديز، أن الجزء الأكبر من الفاتورة التي يتحملها الأمريكيون -والبالغة 1650 دولارا- يعود إلى ارتفاع تكاليف الطاقة، حيث تبلغ حصة هذا البند نحو 860 دولارا. أما بقية المبلغ فتذهب لتغطية تكاليف الاقتراض (مثل القروض العقارية وبطاقات الائتمان وغيرها) والنفقات العسكرية، بواقع 420 دولارا و370 دولارا على التوالي.

وأضاف أن الضائقة المالية ستزداد سوءا، لا سيما بالنسبة للأسر ذات الدخل المتوسط والمنخفض التي تعاني بالفعل من أضرار جسيمة.

وقال زاندي: “إن هذا الوضع يلحق الضرر بالاقتصاد؛ إذ سيصبح من الصعب بشكل متزايد على المستهلكين استيعاب هذه التبعات، وأتوقع أنهم سيضطرون في مرحلة ما -في المستقبل القريب- إلى اتخاذ خيارات صعبة للغاية، وسنبدأ في رؤية انعكاس ذلك في تراجع الإنفاق الاستهلاكي”.

وفي غضون ذلك، تتصاعد حدة الحرب مع إيران؛ فبعد أن أدت أنباء وقف إطلاق النار في أوائل الصيف إلى تهدئة أسعار النفط والبنزين، عادت الأسعار للارتفاع مجددا. فقد تجاوز سعر البرميل الأمريكي من النفط حاجز الـ100 دولار يوم الخميس وسط موجة من الهجمات الجديدة، بما في ذلك الضربات الأمريكية على ناقلات نفط إيرانية ردا على هجمات استهدفت حركة الشحن التجاري. وتقترب أسعار الديزل من مستوى قياسي يبلغ 6 دولارات للغالون، في حين بلغ متوسط سعر غالون البنزين العادي 4.28 دولار يوم الخميس -وفقا لبيانات جمعية السيارات الأمريكية (إي إي إي) ارتفاعا من 4.01 دولار قبل شهر. ورغم مزاعم ترامب، يتوقع تحليل صادر عن وزارة الطاقة يوم الأربعاء أن يظل متوسط سعر غالون البنزين عند مستوى 4 دولارات تقريبا لبقية العام.

وقد اتخذت الإدارة عدة خطوات لمحاولة كبح جماح الأسعار، إلا أن هذه الخطوات إما لم تحقق تأثيرا ملموسا، أو أنها قد تستغرق أشهرا -وربما سنوات- حتى تظهر نتائجها على أرض الواقع.

يشمل ذلك الإعلان الأخير عن عقوبات اقتصادية -وهو ما وصفه وزير الخزانة سكوت بيسنت بأنه “يوم إنزال اقتصادي” أو (دي داي) والتي لم تنجح بعد في فرض قيود مؤثرة على الصين، أكبر مشترٍ للنفط الخام الإيراني في العالم. أما الأداة الرئيسية التي تعتمد عليها الإدارة لكبح أسعار الطاقة العالمية، وهي “احتياطي النفط الإستراتيجي”، فقد استُنزفت بالفعل بشكل كبير ووصلت إلى أدنى مستوياتها منذ عهد الرئيس رونالد ريغان.

وتتمثل إحدى الطرق الرئيسية لخفض الأسعار في زيادة تدفق براميل النفط عبر مضيق هرمز؛ غير أن السماح للسفن بعبور المضيق بحرية ودون عوائق يتطلب التوصل إلى اتفاق سلام حقيقي وملموس، وهو أمر لم يتحقق بعد.

لقد دأب ترامب على التأكيد بأن المضيق مفتوح وأن ملايين البراميل من النفط تخرج منه يوميا. لكن حتى حركة المرور الحالية تتطلب استخدام القوات الأمريكية لمرافقة ناقلات النفط -التي لن تصل أصلا إلى الأسواق الأمريكية- وذلك بتكلفة باهظة.

والآن، تتسع رقعة الحرب لتشمل جبهة أخرى. لقد خفت حدة الضغوط على مضيق هرمز نوعا ما بعد أن سرّعت المملكة العربية السعودية وتيرة استخدام خط أنابيب يمتد إلى البحر الأحمر ووسعت نطاق تشغيله، إلا أن هذا المسار بات يتعرض لهجمات متزايدة من قِبل الحوثيين -وهم جماعة تعمل بالوكالة لصالح إيران- حيث استهدفوا عدة ناقلات نفط خلال الشهر الماضي.

وقد وسع الحوثيون، يوم الثلاثاء، نطاق هجماتهم لتشمل الأراضي السعودية، مستهدفين بنية تحتية حيوية لقطاع الطاقة. كما أصدرت جماعة تابعة للحوثيين بيانا يوم الخميس زعمت فيه أن البحر الأحمر آمن للسفن “باستثناء الحظر المفروض سابقا على السفن السعودية”.

ومع استمرار ارتفاع الأسعار، تستعد البنوك الكبرى لاحتمالية حدوث اضطراب دائم في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، كما أنها ترفع تقديراتها لسعر برميل النفط للعام المقبل. ففي الأيام الأخيرة، رفعت كل من بنوك “إتش إس بي سي”  و”غولدمان ساكس” و “بنك أوف أمريكا” تقديراتها لسعر برميل النفط لعام 2027 ليصل إلى حوالي 85 دولارا؛ وبالنسبة لمحللي “إتش إس بي سي”، يمثل هذا التعديل زيادة قدرها 20 دولارا في سعر البرميل.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *