لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريرا تساءلت فيه عن مصداقية ما تقوله الولايات المتحدة من عودة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز في ظل ارتفاع سعر برميل النفط إلى 100 دولار. وأضافت أن الرئيس دونالد ترامب يتحدث عن عودة الحياة الطبيعية إلى مضيق هرمز، في وقت اسأنفت فيه أمريكا وإيران جولات إطلاق النار. وزعم ترامب في 3 أيلول/ سبتمبر أن 18 مليون برميل من النفط عادت للمرور منه في اليوم، أي أقل من المعدل العادي بـ20 مليون برميل في اليوم. وزعم جيه دي فانس، نائب ترامب، بأن سيطرة إيران على الممر المائي “انتهت بشكل كبير”.
ولكن محسن رضائي، المسؤول الأمني الإيراني البارز يرد على التصريحات بأنها “كذبة كبيرة”، وقال إن السفن التي تعبر المضيق هي ما بين 6-8 سفن، أي أقل من 30-40 سفينة يزعم معسكر ترامب عبورها. ولدى متتبعي حركة السفن شكوكهم أيضا. وحتى مركز معلومات البحرية المشترك، المرتبط بالبحرية الأمريكية لا يستطيع التوفيق بين عدد مرات المرور اليومية التي يبلغ حوالي 30 مرة، وبين الأرقام الفردية التي يبلغ عنها المتتبعون المستقلون عادة.
ومع ذلك، فأي من الطرفين ليست لديه الحوافز لإظهار أن المضيق عاد إلى العمل، كما يقول شاهين إيرانينجاد من مركز “غلوبال ساوث ستراتيجيك إنتليجنس”. فمن جهة، تريد أمريكا أن يصدق الناخبون أن ملايين الدولارات التي تنفقها الإدارة يوميا على مرافقة ناقلات النفط في الخليج تؤتي ثمارها.
وتريد إيران أن تبدو مسيطرة على المضيق من جهة أخرى وحتى مع تسرب المزيد من النفط عبره، لكن الحقيقة مهمة، فكلما زادت القيود على صادرات الخليج، اضطر المستوردون إلى زيادة مخزونهم أو رفع أسعار النفط في أماكن أخرى؛ وقد عاد سعر خام برنت إلى ما فوق 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ يوليو.
وتساءلت المجلة: من هو الأقرب إلى الحقيقة؟
وأجابت أن الحقيقة غامضة لأن معظم ناقلات النفط تعبر المضيق بدون تشغيل أجهزة الإرسال والاستقبال، مع أن التشويش اللاسلكي المنتشر يشوش الصورة، فيما يتلاعب البعض الآخر بأجهزة الراديو الخاصة بهم لتزييف مواقعهم. كما أن معظم عمليات العبور تحدث ليلا، بعيدا عن أنظار الأقمار الصناعية.
ومما يزيد الأمر تعقيدا، أن براميل نفط الخليج غالبا ما تنتقل ملكيتها قبل وصولها إلى أعالي البحار، إذ تستحوذ حفنة من الشركات: شركات سفن مملوكة لدول الخليج وشركة سينوكور الكورية الجنوبية وشركات يونانية مثل دايناكوم على معظم حركة النقل، حيث تنقل النفط عبر المضيق قبل نقل البضائع سرا إلى خارجه.
لذا، يستنتج مراقبو عدادات ناقلات النفط عمليات العبور بأثر رجعي، متتبعين عمليات التحميل والتفريغ ومراقبين السفن التي تختفي من الخليج لتظهر مجددا خارجه، كما توضح باميلا مونغر من شركة فورتيكسا، وهي شركة أخرى لتتبع السفن. غالبا ما يتم تأكيد عمليات العبور بتأخير، لذا يفضل اعتبار الأرقام الأولية حدا أدنى، يتم تعديلها بالزيادة مع ظهور المزيد من عمليات العبور. وقد رفعت شركة كيبلر قبل فترة تقديراتها للأسبوع المنتهي في 10 آب/أغسطس إلى 7.2 مليون برميل يوميا، بعد أن كانت التقديرات الأولية 4.7 مليون برميل يوميا.
ولو افترضنا وجود استمرار التقليل من الأرقام وطوال شهر آب/ أغسطس، فقد تكون قراءة كيبلر النهائية مع بداية الشهر قريبة من متوسط 9 ملايين برميل يوميا على مدى سبعة أيام، وهو المتوسط الذي ذكره كريس رايت، وزير الطاقة الأمريكي، في 6 أيلول/ سبتمبر. ويعود جزء من هذا التباين إلى اختلاف التعريفات: أي ما يعتبر نفطا (الخام فقط أم المنتجات النفطية أيضا) وموقع خط الإحصاء (مضيق هرمز أم خليج عمان) وتاريخ استخراج البرميل (عند التحميل أو عند العبور أو عند ظهوره مجددا).
وتوضح شركات التتبع التجارية مثل كيبلر وفورتيكسا منهجيتها بوضوح، بينما لا يوضحها المسؤولون الذين فضلوا تعريفات متهاونة، على ما يبدو.
مع ذلك، لا يفسر هذا الرقم الذي ذكره ترامب وهو 18 مليون برميل يوميا، فربما اختار يوما استثنائيا: فمنذ آذار/مارس، ومع احتساب جميع المنتجات النفطية الممكنة، لم تسجل فورتيكسا سوى يومين فقط تجاوزا 16 مليون برميل يوميا. أو ربما أضاف صادرات تتجاوز المضيق تماما. فمنذ شباط/ فبراير، زادت السعودية من ضخ النفط الخام عبر خط أنابيبها بين الشرق والغرب، مما رفع صادراتها من موانئ البحر الأحمر بمقدار مليون إلى ثلاثة ملايين برميل يوميا، كما أعادت الإمارات العربية المتحدة توجيه نحو مليون برميل يوميا عبر خط أنابيب إلى الفجيرة. وإذا أضفنا كمية إضافية من عمان، خلال فترة مواتية، فقد تصل صادرات الطرق البديلة إلى خمسة ملايين برميل يوميا.
وفي كلتا الحالتين، لا يعد هذا الرقم مؤشرا دقيقا، فحركة الشحن متقلبة، لذا فإن المتوسط الأسبوعي أكثر دلالة من الإحصاءات اليومية.
ويشير جون أوليت من وكالة أرغوس ميديا، المتخصصة في تقارير الأسعار، إلى أن أحدث جولة من الإجراءات الانتقامية، بالإضافة إلى التهديدات الإيرانية ضد ناقلات النفط الخام التي تعبر المضيق، قد حدت من عمليات العبور بشكل كبير في الأيام الأخيرة. ففي 8 أيلول/سبتمبر، أحصت شركة كيبلر ثماني عمليات عبور فقط، بانخفاض عن 23 عملية في الأسبوع السابق. كما أدت هجمات الحوثيين في اليمن على السفن وأهداف سعودية إلى تباطؤ شحنات البحر الأحمر.
وتعلق إيكونوميست أن هذا يشير إلى حقيقة واقعية بالنسبة ترامب: حركة الشحن السابقة عبر مضيق هرمز لا تتنبأ بالأداء المستقبلي، لأن التقدم قد يتراجع بسرعة. ولم تفلح أي محاولات أمريكية للتغطية الإعلامية في خفض أقساط التأمين على عبور مضيق هرمز إلى أقل من 10% من قيمة السفينة (كان متوسطها 0.25% قبل الحرب)، وحتى لو أزيلت الألغام من أجزاء من المضيق، كما يدعي ترامب، فإنها قد تنجرف من أماكن أخرى، ويمكن لإيران زرع ألغام جديدة. كما أن قواتها لا تزال تمتلك قدرة كبيرة على ضرب ناقلات النفط.
وتظهر أسواق النفط بالفعل علامات اضطراب. ويقترب سعر خام بحر الشمال، وهو معيار قصير الأجل، من 110 دولارات للبرميل، مرتفعا من 70 دولارا في حزيران/ يونيو. وتجاوز سعر الديزل 190 دولارا للبرميل في أمريكا وأوروبا، أي ما يقارب ضعف سعره في شباط/ فبراير.
وتقول إنه يمكن لترامب أن يخوض حرب بيانات كما يشاء، فالمهم هو عدد المستوردين الذين يتلقون البراميل التي طلبوها.