ترامب يخشى التورط والسعودية عرضة للهجمات… وتعز “الكلمة الأخيرة”


بينما اجتمع كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية في كامب ديفيد، الجمعة، لمناقشة سرية خيارات العمل ضد إيران والحرب في اليمن، بدأت المعارك في اليمن تملي جدول أعمالها. وقد نشر الجيش اليمني المزيد من أفلام الفيديو من الجبهة. وتظهر التحليلات العسكرية تقدم الجنود في مواقع جبلية، وفي الوقت نفسه، تأتي أنباء عن هجمات في صنعاء وانسحاب الحوثيين من بعض المواقع التي سيطروا عليها في الفترة الأخيرة. وأعلن وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي، عن تعبئة قوات الاحتياط ورفع مستوى التأهب في إشارة إلى أن الحكومة لا تستعد لمعركة أخرى فقط، بل لحملة عسكرية تتطلب قوة بشرية ومعدات وقدرة على الاحتفاظ بالأرض إذا نجح الجيش في السيطرة عليها.

أمس، أعلن رئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد العليمي، عن إطلاق عملية عسكرية واسعة النطاق لاستعادة الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون، وهذا يؤكد أن الحملة لم تعد تهديداً فقط. وقد شنت القوات اليمنية الهجوم، ويتولى سلاح الجو السعودي الدعم الجوي. بينما تقدم الولايات المتحدة الدعم الاستخباري والعملياتي، لكنها لا تشارك بشكل مباشر في القصف حتى الآن. أما الحوثيون فيواصلون إطلاق الصواريخ والمسيرات باتجاه السعودية. والسؤال المطروح هو: هل سيتمكن الجهاز العسكري الحكومي المتشرذم من تحويل المكاسب المحلية إلى قوة قادرة على تغيير خريطة المعركة التي تتركز حول محافظة تعز؟ تعتبر مدينة تعز، لا سيما الجزء الغربي من المحافظة، منطقة جغرافية حيوية تربط بين قسمي اليمن، الذي يخضع لسيطرة الحوثيين والذي يخضع لسيطرة الحكومة المعترف بها. وقد نجح الحوثيون بالفعل في ترسيخ حضورهم على الساحل الغربي والوصول إلى باب المندب، ويسعون الآن إلى ضمان عدم بقاء مكاسبهم الساحلية معزولة. وتحاول حكومة اليمن، بدعم السعودية، كسر هذا الحاجز وإعادة فتح الطريق نحو الجنوب. وتشكل المعارك التي تجري على التلال المحيطة بالمدينة وعلى الطرق المؤدية إليها جوهر الجهد العسكري الذي سيحدد ليس فقط من سيسيطر على المنطقة، بل أيضاً سيتمكن من نقل القوات والإمدادات بين الساحل والجبال والجنوب.

هنا تبدأ معضلة السعودية التي ستزول إذا دخلت الرياض الحرب، بأنها منخرطة فيها بالفعل، لكن أين ستضع نقطة التوقف؟ هل الهدف إبعاد الحوثيين عن باب المندب والساحل الغربي، أم أن الحملة ستتوسع لتشمل محاولة هزيمة هذا التنظيم وتغيير ميزان القوة في اليمن؟ يحتاج الخيار الأول عملية عسكرية واسعة النطاق، في حين قد يتحول الثاني إلى حرب طويلة، وهي الحرب نفسها التي سعت السعودية بجهد لتجنبها منذ انسحابها التدريجي من الحرب السابقة.

يتضح التباين بين الخيارين في العلاقات مع واشنطن. ففي 28 أيلول التقى وزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في واشنطن، وناقشا ليس فقط الوضع في اليمن، بل أيضاً أمن الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، وهي المواقع التي قد تتحول فيها الحرب الإقليمية إلى مشكلة اقتصادية عالمية. وقبل بضعة أيام من ذلك، في 25 أيلول، التقى بن فرحان في نيويورك مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وفي أقل من أسبوع انتقل الوزير السعودي من طاولة المفاوضات مع الإيرانيين إلى طاولة المفاوضات مع الأمريكيين، وفي اللقاءين كان موضوع الأمن حاضراً بقوة.

تم عقد هذا الاجتماع بعد طلب ولي عهد السعودية بن سلمان من الولايات المتحدة في وقت سابق في هذا الشهر التدخل عسكرية ضد الحوثيين. ورفضت واشنطن حتى الآن المشاركة في الحملة الجوية، لكنها وافقت على تقديم المعلومات الاستخبارية والمساعدة في تحديد الأهداف. عندما جلس بن فرحان مع روبيو في 28 أيلول لم يكن هدفه فقط مناقشة العلاقات الاستراتيجية بين الدولتين، بل شمل أيضاً الحرب في اليمن ومضيق هرمز وباب المندب، والثمن الذي قد تدفعه السعودية في حالة تداخل هذه الجبهات الثلاث. ولم يقتصر قلق السعودية على عدد الطائرات والصواريخ التي يمكن إشراكها في الحملة، فإذا ما توسعت الحرب في اليمن بالتزامن مع تجدد التوتر مع إيران، فقد تجد السعودية ودول الخليج نفسها تحت وطأة هجمات الصواريخ والمسيرات في ظل محدودية مخزونها من البطاريات الاعتراضية.

وتشير التقديرات إلى أنه لم يبق لدى السعودية إلا 400 بطارية اعتراض من نوع باتريوت من أصل 2800 كانت تمتلكها في بداية الحرب. وقد عززت الولايات المتحدة بالفعل دفاعاتها في المنطقة، ولكن حتى مظلة الدفاع الأمريكية لا تضمن بقاء المنشآت النفطية والموانئ والمطارات بعيدة عن النيران. قد تغير الصفقة المخطط لها لطائرات اف35 بمبلغ 24 مليار دولار قدرة السعودية في المستقبل، ولكنها لن تحل النقص الحالي في معدات الدفاع الجوية.

يعتبر نقص بطاريات الاعتراض مشكلة ملحة وحادة، لكنها ليست ما يشغل السعودية

في الربع الثاني من العام 2026 انكمش الاقتصاد بنسبة 4.8 في المئة، وهذا يعود بالأساس إلى انخفاض نشاط النفط بنسبة 24.7 في المئة. فقد انخفض إنتاج النفط من 10.9 مليون برميل في اليوم في شباط إلى حوالي 6.2 مليون برميل في آب. وفي النصف الأول من هذه السنة، بلغ عجز الميزانية حوالي 43 مليار دولار، وتم تعديل توقعات العجز السنوي إلى 4.9 في المئة من الناتج المحلي. السعودية لا تواجه أزمة اقتصادية تهدد استقرارها، وما زالت تمتلك احتياطات وأصولاً وقدرة كبيرة على الحصول على قروض. ولكن كل شهر من الحرب يعني المزيد من الأموال المخصصة للأمن، والمزيد من الأموال التي ستحول من المشاريع التي من المفروض ان تحول “رؤية 30” من مجرد خطة إلى واقع ملموس.

تكمن المشكلة في أن الحرب تضر بالتحديد القطاعات التي تعول عليها السعودية لتحرير نفسها من الاعتماد على النفط: السياحة، الطيران، الخدمات اللوجستية، الاستثمارات والبنية التحتية. والأسوأ أنها تؤثر أيضاً على الآلية التي صممت لتمكين السعودية من تجاوز أزمة مضيق هرمز، التي عادت إليها بعد مهاجمة أنبوب النفط بين الشرق والغرب وميناء ينبع النفطي. وبالنسبة للرياض، لا يعتبر باب المندب مجرد ممر للملاحة، بل هو منفذ اقتصادي. إذا عزز الحوثيون السيطرة على الساحل الغربي والمنطقة جنوب تعز فقد تجد السعودية نفسها مكشوفة من الجانبين، هرمز في الشرق وباب المندب في الجنوب. وبدلاً من استخدام الأنابيب والموانئ لحماية نفسها من أزمة إقليمية ستضطر إلى استثمار المزيد من الموارد لحمايتها.

في خضم ذلك كله، تبذل أيضاً جهود دبلوماسية في محاولة لكبح التحركات العسكرية. لم يكن اللقاء بين بن فرحان وعراقجي في نيويورك بالصدفة، بل هو استمرارية للجهود العسكرية والقطرية والعُمانية والإيرانية التي ترمي إلى تعزيز إطار التعاون الاقليمي، الذي يضمن أمن الملاحة في الخليج. وقد تم إلغاء لقاء وزراء خارجية دول الخليج وإيران الذي خطط لعقده في سلطنة عمان في منتصف أيلول، بسبب معارضة البحرين. ولكن المبادرة لم تلفظ أنفاسها.

تحالف مكة يخضع للاختبار حالياً. وسيُعقد اللقاء الثاني في الرياض اليوم، بمشاركة وزير خارجية تركيا هاكان فيدان ووزير الدفاع التركي يشار غولار ورئيس الأركان التركي سلجوق بيرق أوغلو، إلى جانب ممثلين عن السعودية وباكستان. وقد طرحت إمكانية إجراء محادثات سياسية مع الحوثيين على جدول الأعمال، وهو الاقتراح الذي نقلته إيران لباكستان. وفي حين تستعد السعودية لحملة عسكرية، تقترح شركتاها الجديدتان، باكستان وتركيا، الجلوس على طاولة المفاوضات وبحث إمكانية الحوار مع العدو. وحتى داخل التحالف الذي يهدف إلى ضمان الردع، ما زال السؤال المطروح هو كيفية وقف الحوثيين. وهنا تكمن المعضلة التي سيتعين على ترامب أن يحلها. يمكنه محاولة التوصل إلى تفاهم مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب المباشرة مع طهران. ولكن حتى لو نجح في ذلك، فإنه لا يمكن لأحد ضمان إغلاق الحوثيين للجبهة في اليمن. فهم ليسوا مجرد وكلاء لإيران ينتظرون الأوامر منها، بل اكتسبوا نفوذاً ومناطق وخبرة عسكرية، ولديهم مفهومهم الخاص للنصر، وإن سيطرتهم على باب المندب تعطيهم ورقة رابحة غير مستقلة تماماً عن إيران.

تسفي برئيل

هآرتس 5/10/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *