الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض، 6 أبريل 2026
إن الدبلوماسية التي يتبعها ترامب، من خلال المقابلات والرسائل والتغريدات، جديرة بالإعجاب، لكن لا يتوقع منها دقة في نقل الحقائق. فعندما يقول بأن “الحرب تقترب من نهايتها” أو “قد لا تكون حاجة إلى تمديد وقف إطلاق النار” لأننا “قريبون جداً من التوصل إلى الاتفاق”، ربما يشجع نفسه، لكن لا يمكن الجزم حول ما وصله من معلومات جديدة من إيران.
وعندما يقول إن المفاوضات ستستأنف “خلال يومين” فهل يقصد ما يفترض أن يكون يومين، أو ربما فترة زمنية نظرية يمكن قياسها بساعة سلفادور دالي السائلة؟ والأهم، ما الذي ترغب الولايات المتحدة في تقديمه لإيران مقابل ما يعتبره ترامب طلباته الأساسية: عدم تخصيب اليورانيوم، تصدير اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة، فتح مضيق هرمز بالكامل أمام كل السفن؟
يبدو أنه من الأنسب في هذه المرحلة فحص الرد الإيراني لفهم ما إذا كان هناك تقدم حقيقي في المحادثات أم أن هذا مجرد فصل آخر في سلسلة أحلام الرئيس الأمريكي.
من المهم التأكيد على أن إيران لم تنكر حتى الآن إحراز تقدم في المفاوضات، ولم تنف الجدول الزمني الذي وضعه ترامب، ما قد يشير إلى التأكيد على إمكانية إحراز تقدم. من جهة أخرى، لم توضح إيران حتى الآن إذا كانت ستتشدد في موقفها الثابت الذي يقول بأن تخصيب اليورانيوم هو ركيزة سيادتها وحقوقها، بعد رفضها التفاوض حول هذه القضية. لقد سبق لإيران أن أعلنت الاستعداد لتخفيف مستوى اليورانيوم المخصب، بل وتجميد عملية التخصيب لفترة لم يتم الاتفاق عليها حتى الآن.
حسب تقارير حديثة، لم يتم تأكيدها رسمياً حتى الآن، فإن إيران مستعدة لتجميد التخصيب لخمس سنوات مقارنة مع طلب ترامب بالتجميد لمدة عشرين سنة. إذا ثبتت صحة هذه التقارير فهذا يدل على أن الولايات المتحدة قد تراجعت على الأقل عن طلبها النهائي الذي أشعل فتيل الحرب. والآن، كل المطلوب هو التوصل إلى حل وسط حول المدة التي ستتوقف فيها إيران عن تخصيب اليورانيوم.
لكن حتى لو افترضنا التوصل إلى اتفاق مبدئي بشأن هذه المسالة فهل سيسمح لإيران بإعادة تأهيل أجهزة الطرد المركزي التي تم تدميرها في القصف، حتى لو لم تتمكن من تشغيلها؟ هل ستتمكن من الحصول على اليورانيوم المخصب من دول أخرى لتشغيل مفاعلاتها النووية ومراكز الأبحاث؟ هل سيتمكن الإيرانيون من تخصيب اليورانيوم مجدداً بعد انتهاء فترة التجميد، وبأي مستوى؟
عندما تتضح الإجابة على هذه الأسئلة سيكون من المثير للاهتمام معرفة كيف سيسوق ترامب إنجازاته، والوقوف على الفروقات بين اتفاقه وبين الاتفاق النووي الأصلي الذي وقع عليه باراك أوباما في العام 2015. كالعادة، رغم التفاؤل الذي يسوقه ترامب، من الأفضل التذكير بأن خطر استئناف الحرب لم يزل بالكامل.
هذه التطورات الأخيرة هي ثمرة جهود دبلوماسية كثيفة شاركت فيها تركيا ومصر وباكستان، حيث نسقت الدول الثلاث مواقفها مع دول الخليج. وحسب مصادر في تركيا والإمارات، فقد اقترحت دول الوساطة تقسيم المفاوضات إلى عدة مراحل. ويعود ذلك إلى صعوبة التوصل إلى اتفاق شامل وكامل ضمن الجدول الزمني الذي حدده ترامب، حتى مع تمديد وقف إطلاق النار لأسبوعين.
وحسب مصدر تركي تحدث لـ “هآرتس” فإنه “تكمن المشكلة الرئيسية في أن الملف النووي الإيراني أصبح ملفاً ثانوياً مقارنة مع أزمة مضيق هرمز. ولكن حتى لو تمكنا من حل أزمة مضيق هرمز، فستبقى التنازلات التي ستكون إيران مستعدة لتقديمها بشأن الملف النووي، غير معروفة. يتركز الجهد في هذه المرحلة على صياغة شروط فتح مضيق هرمز ومبادئ تشغيله، وبعد ذلك ربطها بالملف النووي”، قال هذا المصدر التركي. وتنطلق هذه المقاربة من فرضية أن فتح المضيق يمثل مصلحة مشتركة، ليس للولايات المتحدة وإيران ودول الخليج فقط، بل هو مهم أيضاً للصين التي تستورد حوالي 90 في المئة من نفط إيران بسعر رخيص. في المقابل، يعتبر الملف النووي مهماً جداً بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل.
ووفقاً لهذه المقاربة، تسعى دول الوساطة إلى إيجاد أرضية مشتركة تسمح بالتوصل إلى اتفاق مبدئي بشأن فتح مضيق هرمز، مع تعريفه بأنه “خطوة لبناء الثقة”، تمهد الطريق لـ “الخطوة التالية”، التي ستتناول القضية النووية. ولكن هذا الهيكل الدبلوماسي المعقد لا تقبله كل دول الخليج. فالإمارات والبحرين، الدولتان اللتان تطرحان المواقف الأكثر تشدداً، تصممان على ضرورة التوصل إلى اتفاق شامل في مرحلة واحدة.
وقال مصدر مطلع في أبو ظبي لـ “هآرتس” بأن: “تقسيم النقاش إلى قضايا متعددة ليس مجرد لعبة لكسب الوقت من جانب إيران. ففي حالة توصل إيران إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بشأن فتح مضيق هرمز، من المتوقع على الأقل استخدام ضغوط لحل القضايا الأخرى. وسيتم تهميش التهديد النووي، ومشكوك فيه أن يكلفوا أنفسهم عناء طرح قضية الصواريخ البالستية التي تعتبر من وجهة نظر الإمارات التهديد الأكثر خطراً، بل وحتى أخطر من التهديد النووي الذي ما زال نظرياً، أو على الأقل غير واقعي في المستقبل القريب”.
مع ذلك، يبدو أن الخلاف بين دول الخليج حول أسلوب التفاوض الأمثل والنتائج المأمولة منه، سيصعب عليها التأثير على قرارات ترامب والولايات المتحدة، وعلى قرارات النظام في إيران.
إذا كان يبدو قبل الحرب أن ميزان القوة وآليات الضغط تميل لصالح دول الخليج، سواء بسبب علاقاتها الوثيقة مع واشنطن ومع ترامب نفسه، أو بسبب حجم علاقاتها التجارية مع إيران، لا سيما الإمارات التي كانت من أهم الشركاء التجاريين لها، فإن هجمات إيران عليها، التي فاجأتها وفاجأت ترامب، حطمت أسس هذا المفهوم. الخميس الماضي، أجرى وزير خارجية إيران، عباس عراقجي، مكالمة هاتفية مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان، في محاولة لبحث “طريقة تخفيف التوتر”. ويبدو أن هذا كان أول اتصال هاتفي مباشر بين إيران والسعودية منذ بداية الحرب، بعد اتصالات غير مباشرة، بواسطة باكستان، بين الرياض وطهران. لقد تم تفسير هذه المكالمة الهاتفية بسوء فهم، واعتبرها البعض إشارة إلى إعادة النظر في العلاقات بين الدولتين في مرحلة ما بعد الحرب.
لكن المصدر الإماراتي سارع إلى تبديد الحماسة، هذا إذا وجدت أصلاً، وقال: “ما زلنا نعاني من آثار الحرب، ومن غير الواضح إذا انتهت بالفعل. لا نعرف كيف ستنتهي المفاوضات أو ما إذا كانت ستستأنف أصلاً. لم نبدأ بعد بفحص خياراتنا، ولم يعد بإمكاني الجزم بأن التحالف الذي يجمع دول الخليج سيستمر بالشكل الذي عرفناه”.
تسفي برئيل
هآرتس 16/4/2026