ترامب: كيف يرى العالم؟


من أكثر الرؤساء الأمريكيين على مرّ العقود والقرون، الذين تشدقوا وتفاخروا بالقوة العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية، الرئيس الحالي دونالد ترامب، القادم من عالم التجارة والصفقات، والذي أتى بالحزب الجمهوري إلى البيت الأبيض وليس العكس، معتمدًا بالوقت ذاته على مجموعة من الكارتلات والسنديكات، ليبدو المشهد أكثر وضوحًا، سيطرة «الأوليغاريشية»، التي تعتمد القوة العسكرية في سياستها الداخلية والخارجية.
“لدينا أقوى جيش في العالم”، هذه المقولة تتكرر في كتاباته على منصة تروث سوشيال، وتصريحاته وأحاديثه، في دلالة لا تحتاج لتمحيص أو تشخيص لما هو قادم ومخطط له حسب توقيته وتوقيت ما يسمى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اللذين ربطا عقارب الساعة على توقيت واحد، وكلٌ له أهداف ومطامع.
لذلك، من الواجب اختبار القوة العسكرية، والتأكد من الجاهزية القصوى لا بالمناورات فقط، بل في حروب تختبر الجيش وفق النتائج المحققة، وحتى الساعة يقوم الجيش الأمريكي بمختلف صنوفه وتشكيلاته وقواعده، بإظهار قوته من خلال تجريب الأسلحة الجديدة المتطورة وفق منطق تكنولوجي يحاكي اللحظة ومستحدثاتها العلمية بالاستناد على الأقمار الصناعية، والعين على ما يطوره أعداؤها المتربصون.
إن السياسة التي ينتهجها ترامب، سياسة اختزالية مزاجية، عنوانها؛ إغراق العالم بالتصريحات والتغريدات والظهور الدائم، وبث كم هائل من الإشاعات لإحداث حالة من الهيجان الإعلامي، وتحقيق الأهداف بأقل التكلفة وسط اعتراضات أوروبية بالمقام الأول، وانتقادات من الداخل الأمريكي الذي يتحضر لمزيد من الإجراءات التي تشكل كابحًا وعائقًا أمام المغامرات والتهورات ثانياً.
يرى ترامب العالم، مصدرًا حيوياً يجب أن يخضع لإرادته وإدارته، وبالتالي فإن العالم مدين له كحام له، وعامل أساسي ورئيسي ببقائه وثباته على الشكل التي تبدو كل دولة على حدة، وحساباته تأخذ بالحسبان بقوة بعض الدول كروسيا والصين، وبريطانيا وفرنسا دولاً عظمى ودائمة في مجلس الأمن، لذلك يرى ببقية الدول الأقل قوة وشأنا كخراف ضالة.
لكن ليس معنى أن يستسلم بأن هناك دولاً تجاريه من حيث القوة والتموضع في مجلس الأمن؛ بمنأى عن المؤامرة، لهذه الدول تحالفات وعهود وعقود مع الدول التي تتمتع بثروة هائلة من النفط وغيره، لنأخذ مثالا ً: الحالة الفنزويلية، والعملية التي قامت بها وحدة «الدلتا» بالقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته واقتيادهما إلى واشنطن للمحاكمة، وهو الصديق الصدوق لكل من روسيا والصين؛ الحرب على إيران؛ يمكن إدراجها في نفس السياق، بالتالي فالمواجهة مع روسيا والصين غير مباشرة بضرب الحلفاء والسيطرة على مقدراتهم وثرواتهم.
ما يميز سياسة الرئيس الأمريكي ترامب في ولايته الثانية، سرعة وتنفيذ القرارات، والاعتماد الوثيق على إسرائيل نتنياهو، وكذلك الإفصاح عن الأهداف التي تبدو للوهلة الأولى مضحكة بعض الشيء، إلا أنها في الحقيقة أهداف موضوعة وقابلة للتحقق وفق جدول زمني ضمن إطار الفترة المتبقية لترامب، فنزويلا وإيران، ثم كوبا، غرينلاند، المكسيك، كندا، وربما هناك أهداف في قادم الأيام.

دونالد ترامب، القادم من عالم التجارة والصفقات، والذي أتى بالحزب الجمهوري إلى البيت الأبيض وليس العكس

يمثل ترامب فرعون هذا العصر، والادعاء بأنه «المسيح المنتظر». وبالتالي إن لم يتم العمل على إيجاد قوة موازية تردع أفكاره وأهدافه، ربما نذهب بعيدًا بمحو دول ومملكات وإمارات… نتنياهو استعرض خريطة منذ أيام قليلة بيّن من خلالها الأعداء المتربصين بإسرائيل، وهي في الحقيقة، الأهداف القادمة والواجب استعادتها وضمها لإسرائيل، هذا العرض الفاضح والواضح كان لزاماً على الدول التي ظهرت بخريطته أن تفعل شيئاً أو تتجه لمجلس الأمن وتحريك دعوة ضد نتنياهو، أو الحد الأدنى خروج المظاهرات والاحتجاجات على هذه الصورة التي تبدو كمرتسمات ومخططات للمرحلة المقبلة، وكما قلت السرعة في التنفيذ، وما ينطوي عليه، الخطر كل الخطر والآلة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية تعمل ومتأهبة.
لذلك السؤال الأكثر إلحاحًا وتصميمًا، من هي الدولة المرشحة بعد إيران؟ الجواب بين هاتين القوتين واشنطن وإسرائيل، التهديدات الأمريكية لدولة كوبا بلغت أوجّها، وبالتالي فإنها مسألة وقت، وإسرائيل ترى في تركيا دولة تهدد كيانها، لاسيما وقوف أنقرة مع الدولة السورية الجديدة، وجاهزيتها للخوض في معارك لتثبت أركانها؛ الأمر الذي يزعجها ويقلقها، وهذا ما يبرر هجماتها وتوغلاتها في الجنوب السوري وإعلانها «الفيتو» على السلاح السوري الثقيل ودفاعها عن بعض الدروز المعترضين على طبيعة الحكم في دمشق.
وفق هذه الرؤية الأمريكية الحالية، لهذا العالم، هي رؤية خاطئة تأتي بنتائج عكسية، فالعالم بعد الحرب الباردة، ليس العالم ذاته، واستئساد واشنطن وتنمر إسرائيل ليس قدراً مكتوباً، لأن هناك متغيرات ووقائع ترسم ملامح رفض دولي يصاحبه «حنق» يتراكم، وهذه المتغيرات والوقائع تبدأ بالداخل الأمريكي وتمر عبر الاستهجان الأوروبي وبعض الدول الأخرى وليس انتهاءً ببعض الحالات الفردية لمسؤولين أو فنانين ومشهورين وتعبيرهم الرافض للسياسة الامريكية الإسرائيلية.
إذا استمرت هذه السياسة الدوغمائية، وهذه النظرة الضريرة لهذا العالم، فإن معجلات الأفول لهذه القوى هو التمدد الذي حذر منه الكثير من الرؤساء والمسؤولين العالمين ببواطن الأمور، فالاتحاد السوفييتي لم ينهر بالقوة العسكرية، بل انهار اقتصادياً بفعل السياسات الخاطئة والتمترس خلف الشعارات التي بقيت شعارات فقط. يحتاج الرئيس ترامب لقراءة التاريخ، والوقوف عند بعض الشواهد التي عجلت من أفول الإمبراطوريات سيجد حتماً ولزماً بأن القوة ليست الحل الأمثل والأكمل، بل قوة الحق والتعايش، ولو عادت الأيام إلى الوراء، اختارت الإمبراطوريات التي سقطت وانهارت غير القوة العسكرية في تثبيت أركانها.

 ٭ كاتب وباحث سياسي فلسطيني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *