لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تحقيقا خاصا أعده تيد هيسون وجيرمي رويباك وبيري ستين وسالفادور ريزو، قالوا فيه إن المسؤولين في إدارة دونالد ترامب الأولى قاموا عام 2019 بمراجعة وتدقيق سجلات النائبة إلهان عمر وبحثوا في نفس القضايا التي تحاول إدارة ترامب الثانية البحث عنها، ولم يعثروا على شيء.
فقبل سبع سنوات، تقدم مسؤول سياسي معين في إدارة ترامب الأولى بطلب إلى سلطات الهجرة الأمريكية أثار قلق الموظفين: مسح سجلات الهجرة الخاصة بإلهان عمر، التي كانت آنذاك نائبة ديمقراطية منتخبة حديثا عن ولاية مينيسوتا، بحثا عن أي دليل على التزوير.
وقدم هذا الطلب عام 2019 والذي كشف عن تفاصيله ثلاثة مسؤولين سابقين في إدارة الهجرة. وبدا للموظفين في ذلك الوقت محاولة غير مألوفة لاستخدام السلطة الفدرالية للبحث عن معلومات محرجة تخص ناقدة بارزة للرئيس دونالد ترامب وعضو حالي في الكونغرس.
وأدى الطلب إلى مراجعة سريعة لتاريخ عمر وماضي عائلتها كلاجئين صوماليين أعيد توطينهم في الولايات المتحدة والشائعات التي انتشرت لسنوات في وسائل الإعلام المحافظة حول زواجها.
وخلصت تحقيقات الأمن الداخلي، الذراع التابع لإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، في نهاية المطاف إلى عدم كفاية الأدلة على ارتكاب مخالفات، وفقا لأحد المسؤولين السابقين. وتم التخلي في نهاية المطاف عن فكرة إجراء تحقيق كامل.
وتجد عمر نفسها، مرة أخرى تحت الأضواء في ظل إدارة ترامب الثانية، التي تقوم باستخدام السلطة الفدرالية لاستهداف خصومها.
ويركز الجهد الحالي، الذي برز للعلن يوم الاثنين مع مداهمة عملاء فدراليين لمنزل عمر في واشنطن العاصمة، على ما إذا كانت هي أو والدها قد كذبا في الأوراق التي قدماها للحصول على وضع قانوني، ثم الجنسية، بعد وصولهما إلى الولايات المتحدة في التسعينيات من القرن الماضي.
ويعيد المحققون النظر في مسائل تتعلق بتاريخ ميلاد عمر وتاريخ والدها العسكري في الصومال، والذي اجتاز التدقيق خلال مراجعة عام 2019. وبناء على نتائجهم، قد تسعى الإدارة إلى توجيه تهمة جنائية لعمر أو الطعن في وضعها القانوني في البلاد.
لكن مثل هذه الخطوة ستكون بمثابة نقض حاد للمراجعة السابقة، التي لم تجد أي مشكلة في تجنيسها، وفقا لأحد المسؤولين السابقين المطلعين على التحقيق السابق. وقال المسؤول السابق: “أعتقد أن جنسيتها سليمة ولم يكن هناك أي تزوير”.
ورفضت عمر إعادة فتح التحقيق، معتبرة إياه مثالا آخر على محاولة وزارة العدل، في عهد ترامب، “استهداف الخصوم السياسيين وتسخير سلطات إنفاذ القانون الفدرالية”. وقال المتحدث باسمها في بيان يوم الخميس: “نشر ترامب سلسلة من الأكاذيب حول عضو الكونغرس في محاولة يائسة لتبرير إساءة استخدامه غير المسبوقة للسلطة. هذا الأمر ذو دوافع سياسية، وهو تصعيد لثأر ترامب الشخصي ضدها والذي استمر لأكثر من عقد”.
واستندت الصحيفة في تحقيقها حول جهود إدارة ترامب السابقة والحالية لبناء قضية تدين النائبة عمر على مقابلة أكثر من عشرة أشخاص، تحدث معظمهم شريطة عدم الكشف عن هويته.
وأثار عدد من المسؤولين الحاليين والسابقين تساؤلات حول نطاق التحقيق الحالي مع عمر وتكتيكاته ودوافعه، إذ يرون أنه يتجاهل المعايير الأساسية المتبعة في مراجعة ملفات الهجرة ويتجاوز الضوابط التي تهدف إلى ضمان عدم اعتبار التحقيقات الفدرالية، بما فيها تلك التي تجرى مع المشرعين الحاليين، مدفوعة بدوافع سياسية.
وقال متحدث باسم وزارة العدل إن الوزارة لا تعلق على التحقيقات الجارية وأحالت وزارة الأمن الداخلي الاستفسارات إلى وزارة العدل.
وقد أثيرت التساؤلات حول التحقيق قبيل عملية التفتيش العلنية التي جرت هذا الأسبوع لمنزل عمر.
وأمضى المدعون أياما في محاولة تبديد مخاوف قاض فدرالي من أن خططهم لن تتعارض مع الحماية الدستورية التي تحمي أعضاء الكونغرس من تدخل السلطة التنفيذية غير المبرر، وذلك وفقا لثلاثة مصادر مطلعة على الأمر.
وقالت المصادر إن قاضي الصلح الأمريكي ماثيو ج. شاربو، الذي وافق في نهاية المطاف على مذكرة التفتيش، فرض في البداية شروطا صارمة على كيفية تنفيذ التفتيش.
ويبدو أن قيوده على التفتيش تهدف إلى ضمان توافق مذكرة التفتيش مع تفسير محكمة مقاطعة كولومبيا لبند حرية التعبير والمناقشة في الدستور، والذي يحمي عموما واجبات المشرعين وأفعالهم التشريعية من التحقيقات الجنائية. وقال مصدر مطلع على الأمر إن عناصر الأمن، في إطار عملية التفتيش، صادروا صناديق من الوثائق وهاتف عمر المحمول وجواز سفرها.
وهاجم ترامب عمر لسنوات، وأدانها هذا الأسبوع مجددا عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتصريحاته العلنية. وقال للصحافيين: “أعتقد أنها شخصية سيئة جدا لكن الأمر في النهاية يعود لوزارة العدل ولا علاقة لي به”.
كما أوضحت إدارة ترامب أن تدقيقها في شؤون عمر لا يقتصر على قضايا الهجرة.
وأعلنت جانين بيرو، المدعية العامة الأمريكية في واشنطن العاصمة، يوم الثلاثاء، أن مكتبها قد بدأ تحقيقا خاصا في الشؤون المالية الشخصية لعمر، مرتبطا ببيانات الإفصاح التي قدمتها إلى الكونغرس العام الماضي، وهو تحقيق منفصل عن تحقيق الهجرة.
وسبق لمكتب عمر أن رفض التساؤلات التي أثارها الجمهوريون في مجلس النواب بشأن بياناتها المالية، واصفا إياها بمحاولة من اليمين المتطرف “لإثارة الجدل”.
مع ذلك، يعود اهتمام المدعين الفدراليين بالشؤون المالية لعمر إلى عهد إدارة بايدن، وفقا لشخصين مطلعين على الأمر. وأوضح هذان الشخصان أنه لم يتضح سبب توقف التحقيق خلال الإدارة السابقة. لكن يبدو أن التحقيق المستأنف بشأن هجرة عمر هو الأكثر تقدما والأولوية القصوى للإدارة.
وذكر شخصان مطلعان على الأمر أن أليساندرا ب. سيرانو، نائبة المدعي العام المساعدة التي لعبت دورا محوريا في التحقيق، مثلت أمام القاضي طالبة إذنا بتفتيش منزل عمر. كما أوفد المدعي العام تود بلانش مؤخرا سيرانو، وهي مساعدة موثوقة، إلى فلوريدا لمتابعة التحقيق البارز والمتعثر في فلوريدا بشأن مسؤولين سابقين في عهدي أوباما وبايدن، وفقا لعدة مصادر. وأصدرت السلطات أكثر من اثنتي عشرة مذكرة استدعاء تتعلق بعمر والتحقيق الجاري معها، بما في ذلك استدعاء بعض أشقائها، لطلب الإدلاء بشهادتهم أمام هيئة محلفين كبرى في مينيابوليس خلال الأسابيع المقبلة، وفقا لما ذكره شخصان.
وذكرت صحيفة “واشنطن بوست” أن المحققين يركزون على ما إذا كانت النائبة أو والدها، نور عمر محمد، قد أغفلا عمدا تاريخ ميلادها في أوراق الهجرة حتى تكون مؤهلة للحصول على الجنسية من خلاله، حيث كانت قاصرا عند تجنيسها عام 2000.
كما يدقق المحققون فيما إذا كان والد عمر قد كذب عمدا أو أخفى معلومات حول خدمته العسكرية السابقة في الصومال، مما قد يجعله غير مؤهل للحصول على وضع قانوني في البلاد.
إلا أن ثلاثة مسؤولين سابقين شاركوا في مراجعة ملف هجرة عمر عام 2019، أفادوا بأن هاتين المسألتين نظر فيهما خلال التحقيق. وفي عام 2019، طلب من مسؤول في دائرة خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية، المكلف عادة بالتدقيق في خلفيات الأشخاص، بمن فيهم المجرمون الخطيرون والإرهابيون ومن يحتمل أن يشكلوا تهديدا للأمن القومي، مراجعة أصول عمر الاجتماعية، وكانت النائبة، التي كانت حينها في بداية مسيرتها السياسية، قد أصبحت هدفا متكررا لهجمات المحافظين.
في ذلك الوقت، ركزت الوكالة بشكل أساسي على احتمال وجود تزوير يتعلق بزواج عمر من زوجها السابق، أحمد نور سعيد علمي. وقد كرر معلقون من اليمين مزاعم لا أساس لها من الصحة بأن عمر وعلمي شقيقان تزوجا زواجا صوريا ليتمكن علمي من الحصول على مزايا الهجرة إلى الولايات المتحدة.
وكان علمي قد قدم سابقا طلبا للهجرة يتعلق ببطاقة الإقامة الدائمة (غرين كارد) الخاصة بعمر، والتي كانت ستنقلها من وضع مشروط إلى وضع دائم. وطلبت دائرة خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية أدلة إضافية بسبب مخاوف بشأن صحة زواجه، لكن علمي سحب الطلب بعد ذلك، وفقا لما ذكره أحد المسؤولين السابقين.
كما تناولت مراجعة عام 2019 لعمر أيضا قضايا أخرى، بعضها قيد الدراسة حاليا. ففي ذلك الوقت مثلا، خلصت دائرة خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية، سريعا بأنها لا تستطيع الإجابة بدقة على أسئلة تتعلق بعمر، لأن اللاجئين غالبا ما يأتون من دول ذات سجلات ميلاد قليلة أو معدومة، مما يجعل من الصعب تحديد عمرهم بدقة.
وقال أحد المسؤولين السابقين: “هذا ليس غريبا ولا يثير الشكوك لدي، من الشائع جدا عدم وجود سجلات ميلاد دقيقة”. وأضاف المسؤول السابق أن الوكالة راجعت أيضا ملف هجرة والد عمر، لكنها لم تجد أي مشاكل.
وقام الضابط في دائرة خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية المكلف بالتدقيق في ملف عمر، بإعداد مذكرة من صفحة واحدة تتضمن تلك النتائج، وشاركها مع مسؤول بارز في الدائرة ومسؤول عن احتجاز المخالفين، قبل التخلي عن هذه الجهود في نهاية المطاف. ونظرا لحساسية الموضوع، طبعت المذكرة ووزعت شخصيا ولم تشارك عبر البريد الإلكتروني.
ويبقى أن نرى ما إذا كان التحقيق الحالي سيكشف عن أدلة جوهرية تدعم مزاعم الإدارة بالتزوير. وحتى لو وجدت إدارة ترامب مخالفات، فإن أي محاولة لسحب جنسيتها ستكون على الأرجح طويلة وستؤدي إلى معركة قانونية. ومع ذلك، تدرس الإدارة أيضا إمكانية السعي إلى إلغاء شهادة جنسيتها إذا لم يسفر التحقيق الحالي عن توجيه اتهامات جنائية أو إدانة، وفقا لما ذكره مسؤول بارز في إدارة ترامب.
ويعد الإلغاء إجراء إداريا نادرا الاستخدام في دائرة خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية، ويمكن استخدامه لإلغاء الوثيقة بسبب التزوير أو الخطأ. ولا يقتصر هذا الإجراء على فترة زمنية محددة، على عكس حالات سحب الجنسية الجنائية، التي تخضع لقانون التقادم لمدة عشر سنوات.
ولن يؤدي إلغاء الجنسية إلى سحبها، ولكنه سيصعب عليها الحصول على بعض الوثائق الحكومية. وقد يفتح هذا الإجراء الباب أمام اتهامات تتعلق بالهجرة وربما إجراءات ترحيل، مع أن هذا التطبيق غير المسبوق للسلطة الإدارية سيواجه على الأرجح طعونا من عمر في المحكمة.
وفي بيان لها، هاجمت المتحدثة باسم عمر جهود إدارة ترامب لاستهداف عضو الكونغرس. وجاء في البيان: “لقد كذب بشأن عائلتها وبشأن تاريخها في الهجرة وبشأن حبها لهذا البلد”، “لكن الحقيقة هي أن مساعي ترامب لسحب جنسيتها وترحيلها لا أساس لها في القانون، ولا سابقة لها وهذا ليس إجراء قانونيا مشروعا”.