لندن- “القدس العربي”: كشف موقع هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” في تقرير أعده جوش بيكر وسارة عبيدات، أن نظام بشار الأسد السابق خطط لاختطاف الصحافي الأمريكي أوستن تايس في عملية محكمة عمل عليها لمدة شهر.
وكشف التحقيق أن العملية تمت بموافقة الرئيس في حينه، بشار الأسد، وذلك نقلا عن أحد أعضاء المجموعة التي احتجزت الصحافي.
وشوهد تايس آخر مرة وهو يستقل سيارة مع سائق يعرفه ويثق به، حيث افترض كثيرون ولسنوات أنهما صادفا نقطة تفتيش حكومية، حيث كان اختطاف الصحافيين فرصة، لكن “بي بي سي” كشفت أن اختفاء تايس لم يكن صدفة على الإطلاق.
وفي بودكاست جديد من “بي بي سي” بعنوان “أين أوستن تايس؟”، وكجزء من الموسم الثالث من برنامج “أنا لست وحشا” يكشف عن نتائج تحقيق استمر لسنوات حول ما حدث لتايس، الذي كان يغطي الحرب الأهلية السورية آنذاك. وقد حظيت قضيته بمتابعة دقيقة من وسائل الإعلام الدولية، واستشهد بها رؤساء أمريكيون متعاقبون.
وكان آخر ظهور لتايس، طالب الحقوق في جامعة جورجتاون والذي كان وصل لرتبة نقيب في مشاة البحرية الأمريكية، في مقطع فيديو معصوب العينين ويبدو عليه الضيق، نشر بعد أكثر من شهر من اعتقاله.
ومع سقوط النظام بعد 12 عاما، خرج عشرات الآلاف من سجون الإدارة ولم يكن تايس من بينهم.
وحصلت “بي بي سي” من مصدر استخباراتي على إحداثيات مواقع متعددة اشتبهت السلطات الأمريكية في احتجازه فيها، وتم تتبع الإحداثيات لأكثر من شهر، لكن دون جدوى.
ونقل عن مسؤول سوري سابق قوله إن تايس أعدم، وقد شكك آخرون في هذه الرواية، حيث لم يُعثر على رفات الصحافي.
وفي أعقاب انهيار النظام، كشف الموقع عن ملفات استخباراتية سورية سرية تخص تايس، وهي مكونة من مئات السجلات الداخلية التي تقدم أول دليل قاطع على أن النظام هو من احتجز الصحافي.
ومع ذلك، بقي سؤالان حاسمان دون إجابة: كيف تم القبض على تايس في المقام الأول؟ ومن المسؤول عن عملية اختطافه؟
وللإجابة على السؤالين، تحدث فريق “بي بي سي” إلى عدد من رجال النظام المتورطين في اعتقال تايس، واطلع على تسجيلات لمحادثات جرت حول هذا الأمر.
وأحد هؤلاء، أبو علي، وهو عضو سابق في قوات الدفاع الوطني، وهي ميليشيا موالية بشدة للأسد.
يقول أبو علي إن عملية الاختطاف بدأت عندما أخبر سائق تايس (الذي تشير مصادر متعددة إلى أنه كان يزود النظام بالمعلومات منذ فترة) أحد كبار أعضاء قوات الدفاع الوطني أن تايس كان يتنقل عبر مناطق تسيطر عليها المعارضة، ويغطي أخبارها.
وكان تايس قد أُجبر على دخول مناطق اعتبرها معظم الصحافيين خطيرة، وكان يكتب تقارير تتصدر صفحات “واشنطن بوست”.
كان نظام الأسد يشن حملة قمع ضد كل من يسلط الضوء على انتهاكاته لحقوق الإنسان.
وكشف الفريق أن عضو قوات الدفاع الوطني الذي تحدث إليه سائق تايس هو صقر رستم، والذي لم يكن مجرد أي عنصر في ميليشيا قوات الدفاع الوطني، بل ابن شقيق بسام الحسن، أحد أكثر الشخصيات الأمنية ثقة لدى الأسد ورئيس قوات الدفاع الوطني.
ويقول أبو علي إن المعلومات المتعلقة بتايس نقلت إلى الحسن، الذي يقال إنه اتصل هاتفيا بالأسد. ويزعم أبو علي أن الأسد رد قائلا: “أحضروه إلينا”.
ويتابع أبو علي أنه استُدعي بعد ذلك إلى مكتب الحسن وأُبلغ بموافقة الرئيس على العملية، لكن تايس لم يُنقل على الفور، فقد اقترح أن على السائق وعلى قوات الدفاع الوطني مواصلة مراقبته لكشف المزيد عما يفعله.
ويتذكر أبو علي أن السائق قال: “إنه يثق بي”. ويضيف أبو علي أن السائق أبلغ بعد فترة أن تصرفات تايس تبدو مريبة.
فقد كان تايس بصفته جنديا تدرب في مشاة البحرية الأمريكية، يشارك أحيانا خبرته العسكرية مع مقاتلي المعارضة، وذلك حسب عدة أشخاص تحدث فريق “بي بي سي” إليهم، وكان يصحح لهم كيفية استخدام أسلحتهم.
وبالنسبة للرجال الذين كانوا يراقبونه، جعل هذا السلوك تايس يبدو أقل شبها بالصحافي وأكثر شبها بأحد عناصر وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.
ولم تجد “بي بي سي” أي دليل يشير إلى صحة هذا الادعاء، كما نفى مسؤول أمريكي رفيع سابق، كان مسؤولا عن جزء من قضية تايس، أنه كان عميلا للمخابرات.
وفي الأيام التي سبقت اختفاء تايس، قام السائق بتصرف جريء أثناء إجراء تايس مقابلات مع مقاتلي المعارضة. فقد أخذ سرا حقيبة ظهر الأمريكي، التي كانت تحتوي على جهاز ماك بوك وجهاز إرسال عبر الأقمار الصناعية وأغراض شخصية أخرى، ليقوم عملاء النظام بتفتيشها، وفقا لمصادر متعددة.
في 11 آب/أغسطس 2012، احتفل تايس بعيد ميلاده الحادي والثلاثين في منزل آمن تابع للمعارضة على الحافة الغربية لدمشق، على بعد أميال قليلة من القصر الرئاسي للأسد.
وكشف تايس، في تغريدته الأخيرة، عن وجود مسبح ومقاتلين من الجيش السوري الحر وموسيقى تايلور سويفت ومشروب. وكتب: “بلا شك، كان هذا أفضل عيد ميلاد على الإطلاق”.
وكان تايس يخطط لمغادرة سوريا، حيث أخبر عددا من الأشخاص أنه يريد أخذ استراحة في لبنان، ولكنه لم يكن متجها إلى هناك، بل إلى منشأة حكومية حيث كان للحسن مكتب، في منطقة تدعى الطاحونة على مشارف دمشق، وفقا لعدة مصادر. وكان أبو علي ينتظر تايس هناك.
ويتذكر أبو علي أن سائق تايس أخبره أنه أخرج مسدسا عندما وصل البوابات وأن تايس ضحك في البداية، معتقدا على ما يبدو أن الرجل الذي يثق به يمزح، لكن السائق أخبر تايس أنه جاد، فأدرك الصحافي ما يحدث.
وبحسب أبو علي، أخرج تايس دفتر شيكاته وناشد السائق مطالبا إياه بتحديد المبلغ المطلوب، بدلا من تنفيذ عملية الاختطاف.
وعندها أمسك عناصر من ميليشيات قوات الدفاع الوطني بتايس وغطوا عينيه.
ونقلت “بي بي سي” عن عنصر آخر من قوات الدفاع الوطني أنه لن ينسى أبدا تعابير وجه تايس عندما أدرك أنه تعرض للخيانة، يقول أبو علي إن الحسن اتصل فورا بالرئيس الأسد ليخبره أنهم قبضوا على الأمريكيين.
وظلت هوية سائق تايس ولسنوات لغزا.
وتحدث فريق “بي بي سي” إلى أكثر من 20 شخصا لمعرفة هويته، وقادهم الخيط في النهاية إلى مدينة حمص، وعائلة رجل يدعى حامد أبو عبيد. وأكدوا أنه هو الرجل الذي أوصل تايس، وهي رواية أيدها أيضا العديد من أعضاء جبهة الدفاع الوطني، ولكن بحلول الوقت الذي تمكن فيه الفريق تحديد هويته، كان أبو عبيد قد اختفى.
وتقول عائلته إنها لا تعرف مكانه، وتخشى على سلامته، ويقولون إنهم لم يكونوا على علم بتورط حامد في قضية تايس، وعلموا بذلك منه لاحقا، لكنهم قدموا دافعا لخيانة حامد لتايس.
فعائلة أبو عبيد، وهم لاجئون فلسطينيون من غزة، تعيش في فقر مدقع. وبموجب القانون السوري، لا يحق لهم الحصول على الجنسية السورية ويعيشون في ظل قيود كبيرة. وبحسب شقيق حامد، فقد وعد بجواز سفر وجنسية سورية ومنزلا وسلاحا مقابل تسليم تايس ومكافآت تغير مجرى حياته.
لكن بعد الاختطاف، لم يحصل إلا على مسدس، كما تقول عائلته. وتقول زوجة أبو عبيد إن زوجها تلقى، بعد سقوط النظام اتصالا من رجل كان على علم بتورطه في قضية تايس، وهدده بإبلاغ السفارة الأمريكية، آملا في أن يساعده ذلك في الحصول على اللجوء.
وحثه أبو عبيد على عدم فعل ذلك، ثم أخذ بعض المال، وأخبر زوجته أنه ذاهب للتسوق، وقالت إنها لم تره منذ ذلك الحين، وهي لا تعلم إن كان مختبئا أو إن كان قد اعتُقل أو قُتل.
وبعد فترة وجيزة من اختفائه، تقول إن رجالا ملثمين، بعضهم يرتدي زيا عسكريا زاروا منزل أبو عبيد واستولوا على عدد من ممتلكاته، بما في ذلك حاسوبه المحمول وأجهزة أخرى.