طرابلس – «القدس العربي»: تتجدد التحركات السياسية في ليبيا على أكثر من مسار، وسط محاولات للدفع نحو تسوية تنهي حالة الانقسام المستمرة، في وقت تتقاطع فيه دعوات قيادات ليبية إلى عدم استبعاد أي طرف من العملية السياسية مع تحرك أممي يسعى إلى تحويل مخرجات الحوار المهيكل إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ.
وفي أحدث هذه التحركات، أكد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ونائب رئيس المجلس الرئاسي عبد الله اللافي، ضرورة الدفع نحو عملية سياسية شاملة لا تستثني أياً من المؤسسات أو الأطراف المعنية بالمشهد الليبي.
وجاء الموقف خلال اجتماع جمع المسؤولين الثلاثة، وسط نقاشات متصاعدة بشأن شكل المرحلة السياسية المقبلة، والجهات التي ينبغي أن تشارك في الترتيبات الرامية إلى الوصول إلى الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة.
وشدد المجتمعون على ضرورة أن تقوم أي عملية سياسية على مبدأ الملكية الليبية للحل، مع إبقاء الدور الأممي والدولي في إطار الدعم والمساندة، وليس بديلا عن التوافق بين الأطراف المحلية.
ويأتي التأكيد على عدم استثناء أي طرف في وقت تشهد فيه الساحة الليبية نقاشا واسعا بشأن مستقبل المؤسسات القائمة، وطبيعة الترتيبات التي يمكن أن تقود إلى سلطة تنفيذية موحدة، إلى جانب الجدل المستمر حول القاعدة الدستورية والقوانين المنظمة للانتخابات.
وربط المنفي وتكالة واللافي أي توافق سياسي بالوصول في نهاية المطاف إلى انتخابات حرة ونزيهة تحظى بأوسع قدر ممكن من القبول، معتبرين أن الهدف يتمثل في إنهاء المراحل الانتقالية والوصول إلى مؤسسات موحدة ومستقرة.
وأكد الاجتماع ضرورة استمرار الجهود الرامية إلى توحيد مؤسسات الدولة، وهي إحدى القضايا التي ظلت حاضرة في أغلب المبادرات السياسية المطروحة خلال السنوات الأخيرة، في ظل استمرار الانقسام بين مؤسسات تعمل من غرب البلاد وأخرى تتخذ من شرقها مقرا لها.
ويتقاطع هذا التحرك مع مسار آخر تدفع به بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، التي دعت منظمات المجتمع المدني والقادة المجتمعيين في مختلف أنحاء البلاد إلى عقد لقاءات عامة لمناقشة توصيات الحوار المهيكل وبحث السبل الممكنة لنقلها من الإطار النظري إلى خطوات قابلة للتطبيق.
وقالت البعثة إن الهدف من هذه اللقاءات هو تعريف الليبيين بمخرجات الحوار، وفتح نقاش حول الآليات التي يمكن أن تساعد على تنفيذ التوصيات، مشيرة إلى إعداد أدوات إرشادية لمساعدة الجهات المحلية على تنظيم هذه النقاشات.
وتحاول البعثة من خلال هذه الخطوة توسيع دائرة المشاركة في المسار السياسي وعدم حصر النقاش في المؤسسات السياسية التقليدية، بعد أن شارك في الحوار المهيكل نحو 120 ليبيا وليبية من مناطق وقطاعات مختلفة، إلى جانب مساهمات أوسع عبر استطلاعات الرأي واللقاءات المحلية. واستمرت مداولات الحوار المهيكل ستة أشهر، من يناير/كانون الثاني حتى يونيو/حزيران 2026، وتركزت على ملفات الحوكمة والأمن والاقتصاد والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان.
كما طرحت مخرجاته مجموعة من التوصيات المتعلقة بمعالجة الأزمات قصيرة وطويلة الأمد، من بينها تشكيل سلطة تنفيذية موحدة ومحددة المدة والمهام، وتوحيد المؤسسات السيادية، ووضع إطار دستوري وانتخابي واضح.
وامتدت التوصيات إلى ملفات أكثر تعقيدا، بينها توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وإصلاح إدارة المال العام والموارد النفطية، وتعزيز اللامركزية وتوسيع صلاحيات البلديات، إلى جانب المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية ومكافحة الفساد.
وتعكس هذه الملفات حجم التحديات التي تواجه أي تسوية سياسية جديدة، إذ تتجاوز الأزمة مسألة تشكيل حكومة أو الاتفاق على موعد للانتخابات إلى قضايا مرتبطة بتوزيع السلطة والثروة وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية وإعادة صياغة العلاقة بين المركز والبلديات.
وقالت نائبة الممثل الخاص للأمين العام للشؤون السياسية، ستيفاني خوري، إن أصوات الليبيين ينبغي أن توجه الخطوات المقبلة، معتبرة أن النقاشات المجتمعية يمكن أن تساعد في تشكيل آليات التنفيذ وتحويل ما وصفته بالرؤية الوطنية المشتركة إلى تقدم ملموس.
وتأتي الدعوة الأممية بالتزامن مع استمرار الخلاف بشأن طبيعة المرحلة الانتقالية المقبلة، في وقت تسعى فيه الأطراف الليبية المختلفة إلى تثبيت حضورها داخل أي صيغة سياسية جديدة.
ويبرز في هذا السياق التشديد الصادر عن المنفي وتكالة واللافي على عدم إقصاء أي مؤسسة أو طرف، وهو موقف يبدو موجها إلى ضمان أن تمر أي ترتيبات جديدة عبر توافق أوسع، بدلا من إنتاج مسار سياسي مواز قد يؤدي إلى إضافة مستوى جديد من الانقسام.
لكن اتساع قاعدة المشاركة يطرح في المقابل تحديا يتعلق بقدرة الأطراف على الوصول إلى اتفاق قابل للتنفيذ، خصوصا مع تعدد مراكز القرار وتباين المواقف بشأن السلطة التنفيذية والانتخابات وشروط الانتقال إلى مرحلة دائمة.
وبينما تتحرك البعثة الأممية باتجاه تحويل توصيات الحوار المهيكل إلى آليات تنفيذية، تتحرك القيادات الليبية لتثبيت مبدأ الشمول وعدم الإقصاء كشرط لأي تسوية مقبلة.
ويلتقي المساران عند هدف معلن واحد يتمثل في تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية، غير أن الاختبار الحقيقي سيبقى مرتبطا بقدرة الأطراف الليبية على تحويل هذا التوافق النظري إلى تفاهمات عملية بشأن السلطة التنفيذية والمؤسسات السيادية والإطار الدستوري والأمني الذي ستجرى في ظله الانتخابات.