تباين المواقف يتسع عقب تصريحات البرهان بشأن المقترح الأمريكي


تتقاطع مسارات التحرك السياسي مع تطورات ميدانية متسارعة، إذ أعادت التسريبات الخاصة بالمقترح الأمريكي إلى الواجهة الجدل حول فرص التوصل لوقف لإطلاق النار بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب.

الخرطوم ـ «القدس العربي»: اتسعت دائرة التباين بين القوى السياسية السودانية بشأن المقترح الأمريكي لوقف إطلاق النار، وذلك عقب تصريحات رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان التي جدد فيها تمسكه بعدم المضي في أي ترتيبات «لا ترضي السودانيين ولا تحقق أمنهم واستقرارهم»، في وقت دعت فيه قوى مدنية إلى اغتنام ما وصفته بـ«النافذة الأخيرة» لإنجاز هدنة إنسانية تمهد لعملية سياسية شاملة.

وتأتي هذه المواقف بعد أيام من تداول تفاصيل مقترح أمريكي يتضمن وقفاً لإطلاق النار لمدة 90 يوماً، وسط ترقب لموقف الأطراف السودانية من المبادرة التي حظيت باهتمام إقليمي ودولي.
وخلال خطاب في منطقة أم مرحى شمال أمدرمان، قال البرهان إن القوات المسلحة «لن تمضي في أي أمر لا يرضي السودانيين ولا يحقق أمنهم واستقرارهم»، مؤكداً أن أي اتفاق يجب أن يقوم على «تراضٍ بين السودانيين»، وأن الجيش سيواصل القتال حتى إنهاء «التمرد». وجاءت تصريحاته بعد أيام من لقاء جمعه بمبعوث الاتحاد الأفريقي إلى السودان محمد بلعيش، تناول مستجدات جهود السلام. وفي المقابل، ركزت ردود فعل قوى مدنية على ضرورة الفصل بين مسار وقف الحرب ومسار التسوية السياسية، معتبرة أن اشتراط الحسم العسكري قبل التفاوض يقود إلى إطالة أمد النزاع.
وقال المتحدث باسم تحالف «صمود» بكري الجاك، في ورقة سياسية نشرها الجمعة، إن اشتراط إخضاع قوات الدعم السريع بالكامل قبل الدخول في التفاوض «ليس شرطاً تفاوضياً وإنما خو رفض للتفاوض»، معتبراً أن أي عملية سلام تقوم بطبيعتها على الوصول إلى الحد الأدنى المقبول للأطراف، لا تحقيق الأهداف القصوى لأي منها.
ورأى الجاك أن استمرار الرهان على الحسم العسكري يتجاهل تعقيدات الحرب وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية، محذراً من أن استمرار الصراع سيؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وتعميق الانقسام المجتمعي، داعياً إلى عملية سلام شاملة تعالج جذور الأزمة السودانية، بما في ذلك قضايا بناء الدولة وتعدد الجيوش وإدارة التنوع.
ومن داخل التحالف نفسه، شدد رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي في «صمود» عمر الدقير على أن الفرصة لا تزال متاحة لإنجاز هدنة إنسانية، داعياً إلى استثمار الحراك الدولي وعدم إهدار ما وصفه بـ«نافذة الهدنة» التي أوجدتها التحركات الأمريكية الأخيرة، باعتبارها مدخلاً لتخفيف معاناة المدنيين وتهيئة المناخ لتسوية سياسية. وتأتي تصريحات الدقير منسجمة مع الموقف المعلن للتحالف الداعي إلى وقف فوري لإطلاق النار بدون ربطه بالحسم العسكري.
بدوره، انتقد القيادي في التحالف خالد عمر يوسف موقف الحكومة من المبادرة الأمريكية، معتبراً أن التصريحات الأخيرة للمستشار الأمريكي مسعد بولس بشأن تعثر جهود الهدنة تمثل، بحسب تعبيره، مؤشراً على الطرف الذي يعرقل الوصول إلى وقف لإطلاق النار. وقال إن استمرار رفض المبادرات الإنسانية يؤدي إلى تعميق الأزمة ويؤخر فرص التوصل إلى تسوية سياسية، داعياً إلى الاستجابة للمبادرات الدولية الرامية إلى وقف الحرب.
وفي سياق متصل، دعا المتحدث باسم تحالف «صمود» جعفر حسن إلى وقف فوري للأعمال القتالية باعتباره الخطوة الأولى نحو إطلاق عملية سياسية شاملة، مؤكداً أن معالجة الأزمة الإنسانية لا يمكن فصلها عن وقف العمليات العسكرية، وأن أي تسوية مستدامة ينبغي أن تستند إلى توافق سياسي واسع، وليس إلى موازين القوة العسكرية.
فيما رأى وزير الإعلام الأسبق فيصل محمد صالح أن المزاج العام وسط قطاعات واسعة من السودانيين يميل إلى تأييد أي هدنة توقف القتال وتخفف المعاناة الإنسانية.
يأتي ذلك في مقابل وجود تيار آخر يرى أن إنهاء الحرب يقتضي أولاً القضاء على قوات الدعم السريع، وهو ما يعكس استمرار الانقسام في الرؤى حول أولويات المرحلة المقبلة.
ويتواصل التباين بين معسكرين رئيسيين؛ الأول يتمسك بضرورة معالجة الملف الأمني قبل أي ترتيبات سياسية، فيما ترى القوى المدنية الداعية إلى إنهاء الحرب أن وقف إطلاق النار يمثل المدخل الضروري لأي عملية سلام، وأن ربط الهدنة بتحقيق أهداف عسكرية مسبقة يجعل فرص التفاوض أكثر تعقيداً.
وتأتي المواقف الأخيرة في وقت تتقاطع فيه مسارات التحرك السياسي مع تطورات ميدانية متسارعة، إذ أعادت التسريبات الخاصة بالمقترح الأمريكي إلى الواجهة الجدل حول فرص التوصل إلى وقف لإطلاق النار بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب.
وكان رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس قد طرح، خلال مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في شباط/فبراير الماضي، رؤية للحل تضمنت الدعوة إلى وقف إطلاق نار دائم، وإطلاق حوار سوداني – سوداني تقوده مؤسسات الدولة، إلى جانب برنامج لإعادة الإعمار وتهيئة الظروف لانتقال سياسي ينتهي بانتخابات عامة. كما شدد في خطابه على أن أي عملية سلام ينبغي أن تحافظ على وحدة الدولة وسيادتها، وأن تبنى على ترتيبات أمنية تنهي ظاهرة تعدد الجيوش وتعيد احتكار الدولة لاستخدام القوة.
وفي المقابل، ترى بعض القوى المدنية أن المبادرات المطروحة، بما فيها المقترح الأمريكي الأخير، يمكن أن تمثل مدخلاً عملياً لوقف الحرب وتخفيف الأزمة الإنسانية، حتى وإن لم تعالج جميع القضايا الخلافية دفعة واحدة، بينما تتمسك الحكومة بأن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يسبقه تنفيذ الترتيبات الأمنية التي تضمن عدم تجدد القتال.
وتتزامن هذه التحركات السياسية مع مؤشرات على تصعيد عسكري في شمال كردفان، بعد تقدم الجيش في إقليم النيل الأزرق واستعادته مواقع في دارفور.
وأفادت مصادر محلية عن حشد قوات الدعم السريع المزيد من المقاتلين في محيط مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، الأمر الذي أثار مخاوف من محاولة فتح جبهة جديدة أو تكثيف العمليات العسكرية في المنطقة. وفي المقابل، دفع الجيش السوداني بتعزيزات إلى محاور القتال في ولايات كردفان، وسط توقعات بأن تشهد المنطقة مواجهات جديدة إذا لم تنجح الجهود السياسية في تثبيت هدنة خلال الفترة المقبلة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *