تبادل وظيفي بين جيش الاحتلال والمستوطنين


رام الله – «القدس العربي»: «إذا لم يكن ما عاشته بلدة المغير قبل أيام، من استشهاد مواطنين أحدهما طالب مدرسة، وإصابة آخرين، كارثة متكاملة، فما هي الكارثة التي يتحدثون عنها؟».
بهذه الكلمات رد سمير أبو عليا، نائب رئيس مجلس قرية المغير شمال رام الله، على تصريحات قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي آفي بلوط، التي حذر فيها مساء الإثنين من أن عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة «قد ينتهي بكارثة».
وقال بلوط، خلال اجتماعه مع قيادة المستوطنين في الضفة الغربية، إن «أعمال العنف التي يمارسها مستوطنون ضد فلسطينيين في الضفة الغربية تعرض الحياة للخطر وتمس بالأمن».
عاشت المغير، التي أصبحت عنوانا لهجمات المستوطنين اليومية، ساعة ونصف الساعة عصيبة خلال الأسبوع الماضي، بدأت بهجوم مستوطنين مسلحين ومحميين من الجيش الإسرائيلي على مدرسة أساسية للبنين.
ونقل شهود عيان لـ»القدس العربي» تفاصيل مرعبة عن إطلاق النار على المدرسة بالأسلحة الرشاشة من منطقة مطلة عليها، مؤكدين أن «لطف الله وحماسة أهالي القرية، الذين لبوا نداء مدير المدرسة، ساهما في إخراج عشرات الطلبة وسط حالة من الذعر والخوف والدماء».
وتحوّلت مدرسة ذكور المغير الأساسية إلى ساحة مليئة بالدماء، بعد هجوم المستوطنين بالرصاص الحي عليها، ما أسفر عن استشهاد أوس حمدي نعسان (14 عاما)، والشاب جهاد مرزوق أبو نعيم (32 عاما)، وحوّل مقاعد الدراسة الآمنة إلى فضاء مرعب.
وقال أبو عليا لـ»القدس العربي» إن البلدة بالكاد استفاقت من مشاعر الفقد الصعبة والمؤلمة. وشدد على أن الهجوم الأخير لم يكن الأول، مضيفا: «هو حلقة من ضمن سلسلة من الحلقات. لقد وقعت 3 هجمات، ومن ضمنها هجمة استشهد فيها والد الطفل الشهيد أوس قبل سنوات، حيث سقط شهيدا إلى جانب إصابة نحو أربعين مواطنا، بعضهم إصاباته حرجة جدا».
وأضاف: «هذه الهجمات تتكرر وتتزايد يوما بعد يوم، ففي ظل غياب المحاكم والردع والقانون، يجدون أن الفرصة مواتية للقيام بجرائمهم».
وتابع أبو عليا: «المثل العربي يقول: من أمن العقاب أساء الأدب، وبالتالي من ضمن عدم محاكمته كرر جرائمه وزاد عليها».
وأضاف: «لكم أن تتخيلوا أن جريمة المدرسة التي كادت أن تتحول إلى مجزرة تمت في ظل وجود الجيش، وهذا أمر يدفعهم إلى ارتكاب مزيد من الجرائم، حيث شاهد الشبان الجيش يمنح المستوطنين الرصاص الحي بعد أن نفد مخزن المستوطن في المرة الأولى».
وشدد على أن ما عاشته البلدة «كارثة حقيقية»، فإلى جانب استشهاد مواطنين، عاش الأطفال حالة رعب لا مثيل لها، كما بات أهالي البلدة يتخوفون من إرسال أبنائهم إلى المدرسة في ظل عدم وجود أي مكان آمن لهم. وتابع: «المدرسة تضم نحو 550 طالبا، وما يقرب من ثلثيهم أطفال في المرحلة الأساسية ودون سن العاشرة، وبالتالي من سيرسل ابنه إلى دائرة الموت والخطر؟».
وشدد على أن الجريمة لم تلق ردود الفعل العربية أو الدولية المستحقة، مضيفا: «إنها مدرسة، وليست شارعا أو حقل زيتون». وقال إن هبة الأهالي لإنقاذ أبنائهم عبرت عن حالة فزع عامة، إذ سارعوا إلى المدرسة وأخرجوا الطلبة وأغلقوا البوابات، في محاولة لحماية الأطفال وإنهاء الخطر.
وفي وصف تداعيات الهجوم، قال أبو عليا: «ما عاشته البلدة صعب للغاية. لدينا مئات الطلبة صغار السن، وهؤلاء لا يدركون ما يحدث حولهم. لقد كان المشهد مؤلما ويدفع إلى أن يقف شعر الإنسان. الرصاص أطلق على المدرسة، وفزعت البلدة عن بكرة أبيها».
ويقيم في الضفة الغربية نحو 750 ألف مستوطن إسرائيلي في 141 مستوطنة و224 بؤرة استيطانية، بينهم 250 ألفا في 15 مستوطنة بالقدس الشرقية. والقيادة الوسطى في الجيش الإسرائيلي مسؤولة عن العمليات العسكرية والأمنية في الضفة الغربية.
ووصف بلوط هجمات المستوطنين أنها «مخالفة للقانون وغير أخلاقية»، محذرا: «نقترب جدا من وقوع أحداث أكثر خطورة وقد تنتهي بكارثة».
وعقب أبو عليا على تصريحات بلوط بالقول إن الجيش، الذي يتحدث عنه، أطلق خلال الحادث النار مباشرة ومن مسافة قريبة على قدم رجل كبير في السن كان قادما لإنقاذ أطفاله وأطفال الجيران.
وأضاف: «اللي جرى عنا ما صار في أي محل ثاني. هؤلاء المستوطنون لديهم قناعة أن قتلنا يدفع بهم إلى الجنة، وبالتالي لا حل معهم».
وتحدث عن تفاصيل الهجمات المتكررة في البلدة قائلا: «يمارسون عربدة يومية لا مثيل لها في تاريخنا الحديث، والجيش موجود لدعم المستوطنين. وفي ظل وجود الجيش تتضاعف الهجمات، وهؤلاء لا حجر ولا عصا يمكن أن تواجههم».
وختم: «هناك فريق من المستوطنين يلبسون بدلات الجيش، أصبحوا يدشنون الحواجز، يفتشوننا ويسرقون المواطنين ويعتدون عليهم».
بدوره، قال مركز «بتسيلم» الحقوقي الإسرائيلي إن «الميليشيات الإسرائيلية التي تضم مستوطنين وجنودا، تصعّد من حملات القتل التي تنفذها في أنحاء الضفة الغربية».
وأضاف أنه خلال أقل من أسبوعين، قتلت هذه الميليشيات 4 فلسطينيين في 3 قرى متجاورة، وارتكبت أعمال عنف أخرى عديدة وعمليات حرق وسرقة مواش، بهدف تهجير عشرات آلاف الفلسطينيين من منازلهم.
ومساء الإثنين، أصيب 14 فلسطينيا وأُحرق منزل في هجوم نفذته ميليشيات المستوطنين على قرية جالود جنوبي نابلس. كما هاجم مستوطنون إسرائيليون، فجر الثلاثاء، منطقة مسافر يطا جنوبي الضفة الغربية المحتلة، وحاولوا سرقة عشرات رؤوس الأغنام، قبل أن يتصدى لهم الفلسطينيون ويستعيدوا القطيع، وفق مسؤول محلي. وفي تصريح لـ«القدس العربي»، قال أمير داوود، مدير دائرة التوثيق في «هيئة مقاومة الجدار والاستيطان»، إنه «لا يمكن قراءة تحذيرات آفي بلوط من احتمال الانزلاق نحو كارثة نتيجة عنف المستوطنين بمعزل عن سياق أوسع من محاولات ممنهجة لفصل المسؤولية بين الجيش والمستوطنين، وكأننا أمام فاعلين منفصلين، بينما الوقائع الميدانية تثبت وجود تبادل وظيفي واضح بين الطرفين».
وأضاف أن هذه التصريحات تمثل «محاولة للتنصل المسبق من المسؤولية القانونية والسياسية، عبر تصوير إرهاب المستوطنين كظاهرة خارجة عن السيطرة، في حين أن القيادة العسكرية، وعلى رأسها قائد المنطقة الوسطى، تمتلك من الصلاحيات والأدوات ما يكفي لوضع حد فعلي لهذه الاعتداءات لو توفرت الإرادة».
وقال داوود إن استهداف مدرسة أطفال في المغير «يعكس انتقالا نوعيا في أنماط العنف والإرهاب والتبادل الوظيفي، من الاعتداء على الممتلكات أو الأفراد في الحقول والطرقات، إلى استهداف مباشر للبنية الاجتماعية الرمزية، بهدف ترهيب المجتمع وإرباك حياته اليومية ودفعه نحو الانكفاء أو الرحيل». وحذر من أنه «في حال استمرار غياب المساءلة الفعلية، فإننا أمام مرحلة قد تتحول فيها المدارس والتجمعات المدنية إلى أهداف متكررة، وهو ما ينذر بإعادة تشكيل خطيرة لأنماط الصراع على الأرض، ويكرس مناخا طويل الأمد من الخوف وعدم الاستقرار».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *