اللغة العربية أقرب إلى المنطق والصواب من غيرها؛ الروح مؤنثة والجسد مذكر، والشمس مؤنثة والقمر مذكر. الحياة مؤنثة والموت مذكر، والأرض مؤنثة والبحر مذكر، وأخيراً العطلة والإجازة مؤنثتان والدوام والعمل مذكران.
غراتسيا ديليّدا هي ثاني امرأة تحصل على جائزة نوبل للآداب. عام 2018، وفي ذكرى مولدها، قامت أكبر شركة طيران إيطالية برفع صورتها على الجناح الخلفي لطائرة من طراز بوينغ 737، وكتبت مديرة الشركة: «نحن سعداء بالفعل بتخصيص إحدى طائراتنا لواحدة من أشهر الروائيات في العالم، ونحن فخورون بإعلاننا عن ذكرى مولدها». قصة للكاتبة عنوانها (اختفاء الخطيب)، حيث تستقبل الفتاة خطيبها في المنزل، ويذهبان لزيارة صالة الضيوف ومكتب أبيها، ويجولان في أنحاء البيت، ثم تقول له: «لنخرج إلى الشّرفة، عسى أن يتركونا وحدنا هذه المرّة». يحيطُ الفتى بفتاته ويتعانقان وتختلط أنفاسهما: «شعرتُ وأنا ضمن حلقة ذراعه التي تحيط بجسدي، كأني خيط مغروس في لؤلؤة، ومع ذلك فهو جانب من جوانب بهائها». الفتاة هي الخيط واللؤلؤة خطيبها، فأيّ تواضع تبتكره غراتيسيا ديليدا لبنات جنسها؟
من فرط سعادتها، لم تكن الفتاة تتبيّن شيئاً من حولها: «أو أني كنت أرى المشهد كما يراه شخص قصير النظر، أي مجرّد بقع ممزوج بعضها ببعض، لكنها رائعة المظهر. كنت سأتبع خطيبي حتى لو أنه أراد أن يرمي نفسه من الشرفة: كأني ذراعه، وكما تتبعه ذراعه بالذات، وسأكون سعيدة عندها لأنه يعتبرني شيئاً من أشيائه الخاصة، حتى وهو يتحطم ويندثر».
يقول الكونت البلجيكي موريس ماترلينك: «ليست الأفعال، بل الأقوال هي التي يوجد فيها جمال القصص الكبيرة والجميلة وعظمتها». لنقارن ما ورد على لسان الشابة مع ما تقوله امرأة محمد خضير لزوجها في قصة «منزل النساء»: «إني لك… حين تمرض وحين ترغب وحين تحضر وحين تغيب». ترسّختْ هذه العبارة فيّ منذ قرأتها قبل حوالي نصف قرن، وعندما شئت تدوينها الآن، عدتُ إلى النصّ في الكتاب، وكان مطابقاً تماماً. السرّ الذي تكشفه لنا قصتا ديليدا ومحمد خضير ليس هيّناً؛ تسير المرأة مع الرجل إلى الموت وهي راضية ومبتهجة، وذلك هو الوفاء في أصفى صوره، والواقع والأدب حافلان بشواهد تؤكد هذا. امرأة من أقاربي اتّهم زوجها بالانتماء إلى تنظيم داعش وحكموا عليه بالإعدام. فعلت المستحيل في سبيل أن يتمّ تلفيق تهمة مشابهة لها، ثم سيقت إلى الموت مع زوجها في اليوم نفسه، وكانت مسرورة لأنها صاحبت شريكَ حياتها إلى آخر الشوط. ألا يبدو هذا الفعل، رغم قدسيّته، باهتاً أمام روعة جملة القاص البصري، لأنه لخّص فيها، بطريقة موسيقى الكلمات، وفاء المرأة للرجل؟
هناك من يعتقد أن هوميروس كان امرأة، والدليل أن ملحمة الإلياذة تدور حول فكرة واحدة، هي أمانة الزوجة وبِرّها بزوجها. ثم تخلص الملحمة في الأخير إلى أننا نستطيع، عن طريق هذه الفضيلة، بناء مجتمع سعيد وعادل، دون الحاجة إلى أفكار أفلاطون العسيرة والمعقّدة عن مدينته الفاضلة.
خُلق الكائن البشريَّ واحداً في البداية، وعاقبه الرّبّ بسبب معصيته بشطره إلى نصفين، يحنّ أحدهما إلى الآخر ويبحث عنه ولا ييأس. لا توجد لحظات أسمى من تلك التي يتقرّب فيها اثنان، رجل وامرأة، ويعلن الحبّ بينهما عن سطوته وجلاله. عن مولانا جلال الدّين الرومي هذه الجملة المضيئة: «الرُّوح التي فيها شيءٌ من روحِك، تعرفُ كيفَ تخاطبكَ بلا كلمات». هنيئاً لمن يسوق له الحظّ نعمة امتلاك مثل هذه المرأة، بإمكانه القول عندها إنّه يسكن الجنّة التي عرضها السّماوات والأرض. هي مسألة اختيار حُرٍّ: لو كانت المرأة سُمّاً قاتلاً لشربتُ منه جرعة كبيرة بكلّ سرور، وأنهيتُ حياتي. أين قرأتُ هذه الجملة، أم أنها من بَنات أفكاري؟ والله لا أدري!
إنّنا محاطون بملائكة كُثْرٍ، وأقصد بهم العشّاق، نسمو ونرتفع إلى مستوى آخر من الوجود عندما نلتقيهم، كما أن «الحبّ يبقى، رغم انقضاء زمان المحبّين»- وهذه العبارة لماركيز، أكيدا. مرّة أخرى مع ماترلينك: «تشعر المرأة أنها، في أدنى أفعالها، مدعومة من أيدي كبار الآلهة الواثقة والقوية، وإنني أرثي حقاً، للذين يشكون من المرأة، فهم لا يعرفون في أية مرتفعات توجد القبل الحقيقية». يتسلّق العشّاق هذه المرتفعات بخفة ونشاط مثاليين، وتُبالغ العشيقة في تقديرها للفرح عند بلوغ القمة. بهذه الطريقة تُضفي المرأة قيمة على الحياة، كما أنها تقوّي الرجل عندما تجنّد عقلها وقلبها لكي يقفا إلى جانبه ويسندانه، وتصل به أبعد مما كان عليه. نتابع مع الكونت: «وظيفة المرأة الأهمّ أنها تقرّب شريكَ حياتها من أبواب كينونته». بمعنى آخر، أن الرجل يمضي في تجربة العيش من خلال امرأته، وبإمكانها أيضاً إضفاء صفات حميدة لا يمتلكها، من خلال سحر الحب، كما أن ليس هناك أكثر بؤساً من رجل عازب، يُصرّ على أن يقضي حياته بمفرده.
قولُ دانتي: «المرأة هي ربة الفضائل التي بفضلها وحده يسمو الجنس الإنساني» يبدو وصاية أخلاقية شاحبة إذا وضعناه جنب ما يقرّره سعدي يوسف: «تأتينني أنتِ / ووجهُك يُصبحُ لي القانون». ينصّب دانتي المرأة قديسة في السماء، وسعدي يسلّمها السلطة على الأرض. بينما يذهب فلوبير بعيداً في اعترافه لحبيبته، الشاعرة لويز كوليه، وكانت تكبره بأكثر من عشر سنين: «لقد منحتني الذهب، إلا أنني في المقابل أهديتك الفضلات».
كان أنكيدو وحشاً يعيش مع السباع، وتعيده صاحبة الحانة إنساناً عندما تقدم له المرأة. يكتشف في جسدها ترفاً وثراءً لم يكن يعرفهما سابقاً ــ ترفاً ينسجم مع أعماق نفسه، مما لا نجده سوى في كائنات ذات مستوى حيويّ عال، كالحوت والنمر والفيل والغزال، أو النخل والأثل والأشجار المعمّرة التي تنوف أعمارها على آلاف السنين. تقوم المرأة بهذه الطريقة بزرع الثقة في نفس الرجل، نازعة جزءاً مهمّاً وحيوياً من نفسها، تقدّمه للرجل وهي سعيدة. بعبارة أخرى، تقوم المرأة بإعادة كتابة (جملة) الرجل، لتكون أكثر بلاغة وسحراً ومعنى.
أختم المقال بما قاله أمير الشعراء (سابقاً) أحمد شوقي، بحقّ تاء التأنيث: «الحرف بمحدوديته ذكر واللغة بشمولها أنثى، والسجن بضيق مساحته ذكر والحرية بفضائها أنثى، والبرد بلسعته ذكر والحرارة بدفئها أنثى، والجهل بكل خيباته ذكر والمعرفة بعمقها أنثى، والتخلف برجعيته ذكر والحضارة برقيّها أنثى، والمرض بذلّه ذكر والصحة بعافيتها أنثى، والموت بحقيقته ذكر والحياة بألوانها أنثى، والفقر بكل معاناته ذكر والرفاهية بدلالها أنثى، والجحيم بناره ذكر والجنّة بنعيمها أنثى، والظلم بوحشيته ذكر والعدالة بميزانها أنثى».