تبدو المواجهة الأمريكية – الإيرانية، في مرحلة أكثر تعقيداً، تحكمها مسارات ثلاثة، حيث يحاول كل طرف فرض معادلة ردع جديدة، ويتصارع على أمن مضيق هرمز والممرات البحرية، ويبحث عن مخرج تفاوضي لا أحد منهما مستعد لتقديم ثمنه السياسي.
في واشنطن، يكثر الحديث عن ضيق صدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يقترب يوماً بعد يوم من رؤية الجناح المؤمن لديه بأن إيران لا تستجيب إلا تحت ضغط القوة العسكرية. وهذه القناعة بفعل طول أمد الحرب وارتفاع كلفتها العسكرية والسياسية، ما دفع الإدارة الأمريكية إلى إعادة تقييم خياراتها.
غير أن ترامب يواصل إبقاء باب التفاوض مفتوحاً إنما تحت الضغط العسكري، مكرراً أن أمام إيران خيارين: إما التوصل إلى اتفاق أو مواجهة تصعيد عسكري قادر على تدمير قدراتها تدريجياً، لافتاً إلى أنه لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن توسيع العمليات كون الجناح المؤمن بقدرة الدبلوماسية على إنهاء الأزمة يجري حالياً محادثات مع إيران، مسمياً نائبه جي دي فانس ومبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. وقال: «أعتقد أن الإيرانيين يظهرون جدية أكبر يوماً بعد آخر، ولعل السبب واضح. لننتظر ونرى ما الذي ستُسفر عنه المحادثات». ما يريده ترامب هو أن يكون التفاوض نتيجة للضغط وليس بديلاً عنه. ويرى قصوراً إيرانياً ومراوغة وتوزيع أدوار وخلافات في منظومة الحكم.
الطرف الأقوى في تلك المنظومة هو الحرس الثوري، وسط ضبابية تطال مدى إمساك المرشد مجتبى خامنئي بدفة الأمور. تنحو هذه القوة العسكرية، المعنية بحماية النظام ونفوذه، نحو حرق مراكب الجميع إذا اقتضى الأمر. أعلن أنه لن يسمح لواشنطن باستغلال أي وقف لإطلاق النار لتُعيد بناء مخزونها من النفط والذخائر، واعتبر أن أي هدنة قد تكون فرصة أمريكية لإعادة التموضع وليس خطوة حقيقية نحو إنهاء الحرب. وذهب أكثر إلى التصعيد بتهديده بأن أي قاعدة أو منشأة تُستخدم لتنفيذ عمليات ضد إيران ستكون هدفاً مشروعاً، موسعاً دائرة التهديد لتشمل بريطانيا، التي انطلقت من قواعدها قاذفات الـ«بي – 1» الاستراتيجية بعيدة المدى، حيث استخدمتها القوات الأمريكية للمرة الأولى في موجة الضربات الراهنة، مستهدفة مواقع ومراكز عمليات تابعة للحرس الثوري الإيراني والبنية التحتية العسكرية.
السؤال الذي يبرز في ضوء التصعيد الذي يتواصل على دول الجوار، والذي تدفع كلفته الكويت والبحرين كما الأردن، يكمن في ما إذا كان الحرس الثوري يريد اتفاقًا مع ترامب؟ في رأي مقرَّبين من المحور أن الحرس الثوري قد يكون معنياً بإنهاء الحرب إذا أدى ذلك إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية وحماية النظام، لكنه يخشى اتفاقاً يُعيد تعريف دوره داخل الدولة الإيرانية ويضع قيوداً على أدوات القوة التي بنى عليها نفوذه. فأي اتفاق لا يقتصر على الملف النووي، بل يمتد إلى الصواريخ والنفوذ الإقليمي وشبكة الحلفاء ومضيق هرمز، قد يعني بالنسبة للحرس الثوري خسارة جزء من مكانته التي بناها خلال أربعة عقود. فهو لا يخوض فقط مواجهة مع أمريكا، بل يحاول تثبيت موقعه التفاوضي قبل أي تسوية محتملة. ويريد أن يدخل أي مفاوضات وهو محتفظ بأوراق القوة، لا باعتباره طرفاً مُحاصَراً يبحث عن مخرج
ومن منظور الحرس الثوري، فإن توسيع بنك الأهداف ليس مجرد رد عسكري، بل أداة سياسية تهدف إلى منع قيام تحالف دولي واسع ضد إيران. فكلما ارتفع عدد الأطراف التي تشعر بأنها معرضة للتداعيات، تعتقد طهران أن هامش المناورة الأمريكية سيتراجع.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل في الوقت نفسه مخاطرة كبيرة. فتهديد بريطانيا، بعد تهديد القواعد والمنشآت المرتبطة بالوجود الأمريكي، قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة، إذ يمنح الدول الغربية مبررًا لتعزيز تعاونها العسكري والأمني مع واشنطن، ويحوّل إيران من طرف يحاول كسر العزلة إلى طرف يساهم في توسيعها.
والحصار البحري الذي أعادته واشنطن على الموانئ الإيرانية يفعل فعله في هذه المواجهة. هو في نظر المتابعين أقل كلفة وأكثر نجاعة. الموانئ المرتبطة بتصدير النفط وحركة التجارة، ليست مجرد منشآت اقتصادية تترك تداعياتها على الداخل الإيراني، إنما شريان يربط إيران بالعالم ويمنحها القدرة على استخدام موقعها الجغرافي كورقة نفوذ. وإذا نجحت واشنطن في تقليص هذه القدرة، فإنها لا تضرب الاقتصاد الإيراني فقط، بل تضرب إحدى أهم أدوات الردع التي يعتمد عليها الحرس الثوري. لذا جاءت المعادلة التي عبَّر عنها رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف: «إما الجميع أو لا أحد»، وقوله إن المنطقة التي لا تستطيع إيران بيع نفطها منها لن يتمكن الآخرون من بيع النفط منها.
المواجهة عند مضيق هرمز
تعقيدات مضيق هرمز وما تلاها من نقل الحوثي المعركة إلى البحر الأحمر، حرَّكت الصين عبر البوابة الباكستانية. يعكس هذا التحرك إدراك بكين أن استمرار المواجهة عند مضيق هرمز لم يعد يهدد أمن الطاقة الخليجي فحسب، بل بات يهدد أحد أهم مرتكزات الاستراتيجية الاقتصادية الصينية. فالصين، التي تعتمد بصورة كبيرة على واردات النفط والغاز القادمة من الخليج، تنظر إلى أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة على أنه تهديد مباشر لمبادرة «الحزام والطريق» ولممراتها التجارية الممتدة من بحر العرب إلى المحيط الهندي.
لا يبدو التحرك الصيني مقتصراً على وساطة سياسية تقليدية، بل يهدف إلى منع تشكّل واقع أمني جديد يجعل خطوط التجارة والطاقة رهينة المواجهة العسكرية. يرى متابعون لوجهة النظر الصينية، أن الدور الباكستاني يكتسب أهمية خاصة في هذا السياق، ليس فقط بحكم علاقاته مع إيران، وإنما أيضاً لارتباطه بالممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني وميناء غوادر المطل على بحر العرب، الذي يشكل أحد أهم المنافذ البحرية للمصالح الصينية. وتسعى بكين عبر إسلام آباد إلى فتح قناة تواصل مع طهران تتيح إيجاد مخرج يحفظ لها جزءاً من مصالحها الاستراتيجية، ويحول دون انزلاق إيران إلى خيارات قد تؤدي إلى تعطيل الملاحة أو تهديد تدفق الطاقة نحو الأسواق الآسيوية، وهو ما تعتبره الصين خطًا أحمر يمس أمنها القومي الاقتصادي.
بالتوازي، تُكثّف سلطنة عُمان اتصالاتها مع إيران حول أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمس مصالح العالم برمته. يتحرك الخط العُماني انطلاقاً من معطيات مختلفة، تستند إلى الموقع الجغرافي الفريد للسلطنة وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف. فمسقط، التي تشترك مع إيران في الإشراف على مضيق هرمز، وتحافظ في الوقت نفسه على شراكات وثيقة مع الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، تذهب إلى البحث في ترتيبات أمنية وعملية لإدارة الملاحة في المضيق. ويتركز هذا الجهد على تثبيت ممرات بحرية آمنة، ولا سيما عبر المسارات الجنوبية المحاذية للسواحل العُمانية، ووضع آليات تحد من الاحتكاك المباشر بين القوات الأمريكية والإيرانية، بما يضمن استمرار تدفق التجارة والطاقة بعيداً عن احتمالات التصعيد.
وإذا كانت واشنطن تسعى إلى انتزاع الوظيفة الاستراتيجية التي يمنحها مضيق هرمز لإيران عبر الضغط العسكري، فإن التحرك العُماني- بحسب القراءة الإيرانية- يسعى إلى تحييد هذه الوظيفة من خلال ترتيبات أمنية تقلص فرص استخدام المضيق كورقة ضغط من قبلها. لا تستسيغ طهران دور سلطنة عمان في سحب هذه الورقة من يدها ومحاولة إعادة تثبيت مبدأ حرية الملاحة باعتباره مصلحة دولية مشتركة. تبدو مسقط معنية بمنع تحوّل هرمز إلى ساحة اشتباك دائمة. قد يكون الحفاظ على استقرار الخليج هدفاً، لكن الهدف الأهم هو حماية موقعها بوصفها الضامن الإقليمي الأكثر قبولاً لدى مختلف الأطراف في أي تسوية أمنية مقبلة.
رفع
منسوب الضغط
لا شك أن الحرس الثوري يعمد إلى رفع الكلفة على الاقتصاد العالمي بورقة مضيق هرمز التي باتت تعتبرها إيران أقوى من النووي. انما لم يقتصر الأمر على هذا، بل أرادت رفع منسوب الضغط. فاستهدف الحوثي سفينة تابعة لشركة سعودية خلال إبحارها في البحر الأحمر، مما نتج عنه حريق في مقدمتها. جاء الرد على الاستهداف الحوثي من «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تقوده المملكة العربية السعودية، فقصفت مواقع حوثية في ميناء الحديدة. يحمل هذا التصعيد في طياته مخاطر توسيع الجبهات وإضافة تعقيدات جديدة في المنطقة.
المعضلة الإيرانية تتمثل في أن الحرب التي تُستخدم لحماية النظام قد تتحوَّل، إذا طال أمدها، إلى عامل ضغط عليه. فالدول لا تنهار فقط بسبب الهزائم العسكرية، بل عندما تتآكل قدرتها على إدارة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في وقت واحد. واستمرار المواجهة يحمل كلفة متزايدة على الداخل الإيران، فالعقوبات، والضغط على صادرات النفط، والقيود على التجارة، وتراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل تزيد الفجوة بين الدولة والمجتمع.
ما يستخدمه الحرس الثوري من تهديد بتوسيع الحرب لحماية ما تبقى من النظام وحماية موقعه في المعادلة الداخلية، قد يؤول إلى الدفع باتجاه مواجهة أوسع تستنزف قدرة النظام برمته على الصمود. فالحرب المفتوحة هي أقرب إلى الفخ الذي سيقع به، تماماً كما هو النزول البري الأمريكي.
ومن منظور الحرس الثوري، فإن توسيع بنك الأهداف ليس مجرد رد عسكري، بل أداة سياسية تهدف إلى منع قيام تحالف دولي واسع ضد إيران. فكلما ارتفع عدد الأطراف التي تشعر بأنها معرضة للتداعيات، تعتقد طهران أن هامش المناورة الأمريكية سيتراجع..
لكن هذه الاستراتيجية تحمل في الوقت نفسه مخاطرة كبيرة. فتهديد بريطانيا، بعد تهديد القواعد والمنشآت المرتبطة بالوجود الأمريكي، ومواصلة استهداف دول الخليج والاردن قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة، إذ يمنح الدول الغربية مبرراً لتعزيز تعاونها العسكري والأمني مع واشنطن، ويحوّل إيران من طرف يحاول كسر العزلة إلى طرف يساهم في توسيعها.
تستند استراتيجية الحرس الثوري بوصفه القوة المسيطرة في الداخل إلى إعادة ترتيب إيران ما بعد الحرب وترتيب نفوذه على مساحة الداخل وفي المنطقة. وفي المقابل، تعيد واشنطن رسم حدود النفوذ الإيراني، ومعه تُعيد هندسة أدوار جميع اللاعبين الإقليميين ضمن النظام الشرق الأوسطي الجديد.
ولا يمكن فصل زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن عن هذا السياق الأوسع. فاللقاء المرتقب مع ترامب لا يبدو مخصصاً لإدارة الحرب مع إيران فحسب، بل لترتيب المرحلة التي تليها. فبينما يسعى نتنياهو إلى استعادة الدعم السياسي الأمريكي وترميم صورته الداخلية في ظل التحديات التي تواجه حكومته، تبدو واشنطن أكثر اهتماماً برسم ملامح نظام إقليمي جديد يتجاوز الحسابات الإسرائيلية التقليدية.
توسيع
دائرة الشركاء
تؤكد المعلومات الآتية من المراقبين في واشنطن أن الإدارة الأمريكية تتعامل مع إسرائيل بوصفها حليفاً رئيسياً، لكنها تشير إلى أن الاستراتيجية الأمريكية لم تعد تنظر إلى تل أبيب باعتبارها الطرف الوحيد الذي يرسم معادلات المنطقة. فالمقاربة الأمريكية تقوم على توسيع دائرة الشركاء لتشمل السعودية ودول الخليج ومصر وتركيا، بما يضمن إعادة توزيع الأدوار الإقليمية ضمن منظومة أمنية أوسع، يكون فيها القرار الاستراتيجي النهائي بيد واشنطن.
ومن هذا المنطلق، لا يُستبعد أن يفتح الرئيس الأمريكي أمام نتنياهو حزمة من الاستحقاقات السياسية المرتبطة بلبنان وسوريا، وفي مقدمها مستقبل الوجود الإسرائيلي في الجنوب السوري، وآليات التعامل مع النفوذ التركي، إضافة إلى حدود الدور الإسرائيلي في أي تصعيد جديد مع إيران. فالإدارة الأمريكية تبدو حريصة على منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة لا تنسجم مع مشروعها لإعادة ترتيب الإقليم، حتى وإن استمرت في استخدام القوة العسكرية لإعادة تشكيل موازين القوى.
سيُدخل توسُّع دائرة الحرب أطرافاً جديدة في الصراع. لا يزال يُنظر إلى هذا الصراع على أنه مضبوط السقوف، لكن أي حسابات خاطئة قد تجعله يتدحرج إلى حرب مفتوحة مرتفعة الكلفة على الجميع، والمطلوب الذهاب بالصراع إلى حسم واضح برابح وخاسر. عندها سيكون السؤال: هل ستكون إيران قادرة على تحقيق النصر أمام أمريكا، ولا سيما أن حلفاءها من الصين إلى روسيا لم يعلنوا الاصطفاف إلى جانبها والانخراط معها في المواجهة، وتبدو في واقع الأمر معزولة ووحيدة؟
قد تكون المرحلة الراهنة من المواجهة ما زالت تسمح بتسوية، لكن بالتأكيد لن تكون الحال هكذا في قابل الأشهر. فالرهان على تمرير الوقت إيرانياً بلعبة التفاوض غير المنتج لا يصبُّ في مصلحتها، مع إدارة أمريكية لا تملك خطوطاً حمر ورئيس لا يمكنه أن يقبل بالخسارة.