فيكتور أوربان
جدعون ليفي
أوروبا تحب إسرائيل وإسرائيل تحب أوروبا. هذا الكلام قد يبدو سخيفاً، لكن الصورة أعقد من الادعاء السائد بأن إسرائيل “مجذومة”. فالدولة المصابة بالجذام لا تُستقبل في مسابقة اليوروفيجين بهذا الشكل. معظم الحكومات في أوروبا ترغب في إظهار حبها لإسرائيل، ومعظم الإسرائيليين يحبون أوروبا. الرأي العام أيضاً متناقض تجاه إسرائيل؛ فبعضه يريد الاستمرار في حبها، لكنه لا يستطيع تحمل أفعالها الفظيعة، والنتيجة أن الكراهية “المبررة” لإسرائيل تصل إلى مستوى غير مسبوق. والتوجهات السياسية السائدة الآن تلزم الحكومات بـ “اتخاذ خطوات” ضد إسرائيل – ما هي الخطوات التي تتخذها أوروبا الكلاسيكية؟ عقوبات على 2.5 مستوطن.
الأسبوع الماضي، قرر مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على عدد من المستوطنين ومنظماتهم. لتسمع السماء والأرض: حتى الرئيس التنفيذي السابق لمنظمة “هشومير” تم تطبيق عقوبات عليه. لن تتمكن دانييلا فايس من زيارة الشانزليزيه، ولن يتمكن مئير دويتش من المشاركة في الحفلات “كولد بلاي” الموسيقية، وأصول “نحلاه” سيتم تجميدها، والسماء ستسقط على مشروع الاستيطان.
لم يكن تحقيق هذه الإجراءات “القاسية” بالأمر السهل؛ فقد بقي الاتحاد الأوروبي لأكثر من سنة يتخبط بجدية معهودة، وفشل في التوحد حولها بسبب الفيتو المجري. وقد أزالت هزيمة فيكتور أوربان في الانتخابات الأخيرة لأوروبا، ومنحتها شعوراً مزيفاً بالرضى عن النفس في صورة عقوبات مصغرة من “عليّ إكسبرس”.
لا يمكن للمرء إلا أن يضحك. ولكن لا شيء مضحكاً هنا. فبعد سنتين ونصف على حرب إبادة جماعية في غزة لم تنته حتى الآن، وبعد المذابح اليومية ضد سكان الضفة الغربية العزل، حصلنا على عقوبات شكلية. هذا هو إسهام أوروبا في الإنسانية وقيمها، وهذا هو ردها على الرأي العام: عقوبات على “ريغافيم”. وكأننا نتحدث عن بضع منظمات استيطانية متمردة، وليس عن دولة بأكملها تدعمها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وكأننا لا نتحدث عن حكومة ينفذ المستوطنون سياستها، وجيش ينفذ أوامرها.
مع هذه “العقوبات”، كان من الأفضل لو لم تحرك ساكناً. تذكري يا أوروبا، كيف تصرفتم فور غزو روسيا لشبه جزيرة القرم. لم تعاقبوا ثلاثة ضباط، بل عاقبتم قوة عظمى بأكملها في غضون أسابيع. كيف كان تصرفكم مع روسيا منذ ذلك الحين، وكيف كان تصرفكم مع جنوب إفريقيا في حينه – كما هو متوقع، من جهة دافعت عن القانون الدولي وعن قيم الأخلاق التي تشكل الملهم لها. لكن إسرائيل، يا للعجب! حالة خاصة، “حالة خاصة” إلى درجة أن مشاعر الذنب التاريخية التي تستغلها إسرائيل بسخرية حتى آخر قطرة، تشل القارة الأوروبية.
كان على ألمانيا أن تقود هذا المعسكر كعمود من نار. فهي التي نفذت أفظع الجرائم في التاريخ وتعرف علامات الجرائم الأولية أكثر من أي دولة أخرى. وهذا لا يقتصر على الفلسطينيين فقط، بل يشمل أيضاً أحفاد الضحايا اليهود. لكن ألمانيا تخشى من اتهامها باللاسامية.
يؤيد يمين أوروبا في معظمه سياسة إسرائيل الوحشية ضد المسلمين الذين كما يقولون “يلوثون” بلادهم أيضاً. أما اليسار المعتدل، مثل اليسار المعتدل في أي مكان، فهو يتردد ويخشى. إن موجة الاحتجاجات ضد إسرائيل واسعة وحقيقية، لكن يد الحكومات ما زالت تخمدها. ومثلما تخشى أوروبا من اتهامها باللاسامية، وتخشى الولايات المتحدة أيضاً. وما دامت الولايات المتحدة لم تغير موقفها من إسرائيل – التغيير وشيك – فلن تتجرأ أوروبا على التغيير، ولن يتم فرض القيود الا بإشارة من واشنطن.
لن يكون هذا بالضرورة نبأ سيئاً لإسرائيل. صحيح أن الكراهية الشعبية في أوروبا وصلت إلى مستويات جنونية، بل ومبالغ فيها أحياناً، لكن إسرائيل فعلت كل ما في استطاعتها لإثارة هذا الوضع. أخيراً، سيُفرض ثمن باهظ على الإبادة الجماعية في غزة وعلى المذابح في الضفة الغربية، سيشعر فيه كل إسرائيلي بشكل مباشر. عندها، قد تندلع الثورة.
هآرتس 17/5/2026