تونس ـ «القدس العربي»: في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتغير معه أشكال التعبير الفني وأساليب التلقي، يواصل المسرح التونسي البحث عن صيغ جديدة تؤكد قدرته على التجدد والتفاعل مع أسئلة العصر. ومن هذا المنطلق، تحتضن ولاية بن عروس فعاليات الدورة الرابعة والثلاثين من مهرجان علي بن عياد للمسرح، التي تنظمها المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية ببن عروس بالشراكة مع مركز الفنون الدرامية للمدينة، تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، وذلك تحت شعار لافت يحمل الكثير من الدلالات «المسرح والتكنولوجيا».
ولا تبدو هذه الدورة مجرد تظاهرة ثقافية عادية ضمن رزنامة المهرجانات المسرحية التونسية، بل تأتي كمحاولة واعية لإعادة التفكير في العلاقة بين الركح والتكنولوجيا، وبين الممثل والوسائط الرقمية، وبين العرض المسرحي التقليدي والتحولات التي فرضها العصر الرقمي على الفنون المعاصرة. فالرهان اليوم لم يعد مقتصراً على تقديم عروض مسرحية للجمهور، بل أصبح متعلقا أيضا بكيفية تطوير لغة مسرحية جديدة تستفيد من الإمكانيات التقنية الحديثة من دون أن تفقد روح المسرح وجوهره الإنساني.
ويحمل اختيار اسم علي بن عياد لهذه التظاهرة رمزية خاصة في الذاكرة المسرحية التونسية، باعتباره أحد أبرز رواد الفن المسرحي في تونس ومن الذين ساهموا في تأسيس تقاليد ركحية حديثة بعد الاستقلال. لذلك يبدو المهرجان، وهو يدخل دورته الرابعة والثلاثين، وكأنه يواصل ذلك المشروع الثقافي القائم على التجديد والانفتاح، ولكن هذه المرة من بوابة التكنولوجيا وأسئلة المستقبل.
المسرح والعصر الرقمي
لم يعد تأثير التكنولوجيا مقتصرا على السينما أو الفنون البصرية، بل امتد بعمق إلى المسرح، سواء من خلال تقنيات الإضاءة الرقمية، أو المؤثرات السمعية والبصرية، أو تقنيات الإسقاط الضوئي، أو حتى عبر إدماج الذكاء الاصطناعي والوسائط التفاعلية داخل العرض الركحي. ولهذا يبدو موضوع الدورة متصلا بشكل مباشر بالتحولات الكبرى التي يعيشها المسرح العالمي اليوم.
فالعديد من المسرحيين باتوا يعتبرون أن التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة تقنية مساعدة، بل أصبحت جزءا من اللغة الجمالية للعرض المسرحي. كما أن الجمهور الجديد، الذي يعيش يوميا داخل الفضاء الرقمي، أصبح أكثر ميلا إلى العروض التي تجمع بين البعد البصري والإيقاع السريع والتفاعل التقني، وهو ما يفرض على المسرح البحث عن أساليب تعبير جديدة تحافظ على قدرته على التأثير والإقناع.
وفي هذا السياق، تسعى الدورة الحالية من المهرجان إلى فتح نقاش فكري وفني حول حدود العلاقة بين الإنسان والآلة داخل الفن المسرحي، وحول كيفية الاستفادة من التكنولوجيا دون الوقوع في فخ الاستعراض التقني الأجوف أو فقدان حرارة الأداء الإنساني التي تميز المسرح عن بقية الفنون.
برنامج متنوع
اختار منظمو المهرجان أن تكون الدورة الحالية متعددة الأبعاد، بحيث لا تقتصر على تقديم العروض المسرحية، بل تشمل أيضاً لقاءات فكرية وورشات تدريبية متخصصة. والغاية من ذلك هي محاولة لخلق حوار حقيقي بين الفنانين والباحثين والجمهور.
وافتتحت العروض المسرحية يوم 9 ايار/مايو بمسرحية «جرانتي العزيزة» للمخرج الراحل الفاضل الجزيري، أحد أبرز الأسماء المسرحية التونسية المعروفة بمقارباتها الفنية الجريئة واهتمامها بالمزج بين التراث والتجريب. ويُنتظر أن يشكل هذا العرض انطلاقة قوية للمهرجان بالنظر إلى القيمة الفنية لصاحبه والمكانة التي يحتلها داخل المشهد الثقافي التونسي قبل وبعد رحيله.
كما تتواصل العروض بمسرحية «هوما» أو «تستوستيرون» للمخرجة سيرين قنون. وتعتبر هذه المبدعة التونسية من الأسماء الشابة التي استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن تفرض حضورها من خلال أعمال ذات طابع بصري وفكري متميز.
ومن بين الأعمال التي تثير اهتمام المتابعين أيضا، مسرحية «وزن الريشة» للفنان غازي الزغباني، المعروف بقدرته على تقديم عروض مونودرامية تعتمد على الأداء المكثف والاشتغال العميق على الشخصية الإنسانية. كما يشارك المخرج عبد العزيز المحرزي بمسرحية «إقامة شهيرة»، إلى جانب أعمال أخرى مثل «بنادم» (إبن آدم باللهجة التونسية) لمهدي العياشي و«أرمجدون 9» لمعز القديري و«جرس» لعاصم التوهامي و«وراك» لأوس إبراهيم و«تمثال حجر» لكريم عاشور.
ويتميز البرنامج أيضاً بحضور عربي من خلال المسرحية الأردنية «الخادمات». ويضفي هذا الحضور بعدا عربيا على التظاهرة ويؤكد انفتاحها على التجارب المسرحية خارج تونس.
فضاءات مختلفة
لا يقتصر المهرجان على فضاء واحد، بل تتوزع عروضه وأنشطته بين عدة مواقع ثقافية داخل ولاية بن عروس. ومن بين هذه المواقع دار الثقافة النموذجية ببن عروس ودار بلحاج وقاعة الملاكمة بمدينة حمام الأنف والمركب الثقافي علي بن عياد.
ويعكس هذا التوزيع رغبة المنظمين في جعل المهرجان أقرب إلى الجمهور وفي خلق حركية ثقافية داخل الجهة، خاصة أن المسرح لا يمكن أن يعيش معزولا عن محيطه الاجتماعي. كما أن تنويع الفضاءات يمنح العروض أبعادا مختلفة، إذ تتغير طبيعة التلقي تبعا لطبيعة المكان وخصوصيته.
ومن اللافت أيضا إدراج عرض فولكلوري بعنوان «استبطالي» ضمن البرنامج. والغاية على ما يبدو هي المزج بين الأشكال الفنية المختلفة وربط المسرح بالذاكرة الشعبية والتراث المحلي.
منتدى فكري
إلى جانب العروض، يحتضن المهرجان منتدى فكريا يديره لطفي بن السنوسي. ويشارك في هذا المنتدى عدد من الأسماء الأكاديمية والفنية من تونس وخارجها، من بينهم الدكتور العراقي محمد ساف ومحمد المديوني وفوزية المزي.
ويُنتظر أن يطرح المنتدى جملة من القضايا المرتبطة بمستقبل المسرح في ظل الثورة الرقمية. ومن هذه القضايا، حدود استخدام التكنولوجيا داخل العرض المسرحي، وتأثير الوسائط الحديثة على علاقة الممثل بالجمهور، وإمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي داخل الكتابة الركحية والسينوغرافيا.
كما يفتح المنتدى الباب أمام نقاش أوسع يتعلق بمصير الفنون الحية في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو الافتراضي والرقمي. وهي أسئلة لا تخص المسرح وحده، بل تطال الثقافة المعاصرة بشكل عام.
التكوين لتطوير المسرح
وتبرز الورش التدريبية أو الـ«ماستر كلاس» كواحدة من أهم فقرات هذه الدورة. وتركز هذه الورش على الجانب التكويني وتمنح الشباب والفنانين فرصة للاحتكاك بتجارب وخبرات متنوعة.
وتتناول الورشة الأولى موضوع «الممثل بين الذاكرة الانفعالية والتكنولوجيا» بإشراف الدكتور محمد ساف. وتم التطرق في هذه الورشة إلى كيفية حفاظ الممثل على صدقه الفني وحضوره الإنساني داخل عروض تعتمد بشكل متزايد على الوسائط التقنية.
أما الورشة الثانية، التي يشرف عليها محمد الهادي بالخير، فتهتم بالتناسق بين المكونات البصرية والسمعية للعرض المسرحي. ويعكس هذا الموضوع أهمية التقنيات الحديثة في بناء الفرجة المسرحية المعاصرة. ويؤكد هذا التوجه أن المهرجان لا يكتفي بعرض الأعمال المسرحية، بل يسعى أيضاً إلى المساهمة في تكوين جيل جديد من المسرحيين القادرين على التعامل مع أدوات العصر وتطوير لغة ركحية جديدة.
مركز للحراك الثقافي
تكشف هذه الدورة من المهرجان أيضا عن رغبة واضحة في ترسيخ موقع ولاية بن عروس كفضاء ثقافي فاعل داخل المشهد الوطني. فخلال السنوات الأخيرة، شهدت الولاية حراكا ثقافيا متزايدا، سواء من خلال المهرجانات أو من خلال الأنشطة التي تحتضنها المؤسسات الثقافية المختلفة.
ويبدو أن الرهان اليوم يتجاوز مجرد تنظيم التظاهرات، ليصل إلى محاولة خلق هوية ثقافية للولاية. وتقوم هذه الهوية على الانفتاح والتجديد وربط الثقافة بقضايا المجتمع والتحولات العالمية.
كما أن اختيار موضوع «المسرح والتكنولوجيا» يعكس وعيا أساسه أن الثقافة لم تعد قادرة على الاستمرار بالأدوات القديمة وحدها. كما أن الفنون مطالبة اليوم بإعادة التفكير في وسائلها وأساليبها حتى تحافظ على قدرتها على التأثير في الأجيال الجديدة.
القدرة على التجدد
رغم الحديث المتكرر عن تراجع المسرح أمام هيمنة المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، تؤكد مثل هذه التظاهرات أن المسرح ما يزال قادرا على الحياة والتجدد. فالمسرح، بخلاف الفنون الأخرى، يقوم على الحضور الإنساني المباشر وعلى تلك العلاقة الحية بين الممثل والجمهور، وهي علاقة لا تستطيع التكنولوجيا إلغاءها مهما تطورت.
لكن بالمقابل، يبدو أن مستقبل المسرح لن يكون منفصلا عن التكنولوجيا، بل سيقوم على التفاعل معها وإعادة توظيفها داخل رؤية جمالية جديدة. وربما هذا ما تحاول الدورة الرابعة والثلاثون من مهرجان علي بن عياد للمسرح تأكيده، أي أن المسرح لا يقاوم العصر، بل يحاوره ويعيد تشكيله فنيا.
وبين العروض الفكرية والورش التكوينية واللقاءات الفنية، تبدو ولاية بن عروس خلال شهر أيار/مايو الجاري على موعد مع تظاهرة ثقافية مسرحية تسعى إلى إعادة طرح السؤال القديم بصيغة جديدة، كيف يمكن للمسرح أن يبقى فنا للمستقبل؟ وتقدم التظاهرة الجواب الذي مفاده بأن الفن الرابع مطالب بمواكبة التطورات التكنولوجية بدون أن يتخلى على أهم خصوصياته وهي اللقاء المباشر مع الجمهور والتفاعل معه من دون وسائط تكنولوجية أو غيرها.