يكاد الجيش الإسرائيلي يعلن كل يوم عن هجوم جديد في قطاع غزة. أمس (الأحد) تم الإعلان عن اغتيال قائد فصيل في النخبة في الأسبوع الماضي، وقبل يومين أُعلن عن قتل عدد من أعضاء حماس و”الجهاد الإسلامي”، والخميس أُعلن عن قتل عدد من قادة حماس. مع ذلك، قبل ثلاث سنوات، في الأيام الأولى التي أعقبت 7 أكتوبر، كان الوضع مختلفاً كلياً. كان على عناصر الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي في حينه إعادة بناء صورة للعدو، الذي -حسب الشهادات- لم يتم جمع أي معلومات استخبارية ميدانية عنه تقريباً لبضعة أشهر. قبل الحرب بسنة تقريباً، حصلت الاستخبارات العسكرية على تعليمات بالتوقف عن العمل في المستويات العملياتية الأدنى من مستوى اللواء. اعتقدت القيادة العليا أنه بعد بناء العائق تحت الأرضي والجدار الجديد، أصبح شن غارة واسعة النطاق أمراً مستحيلاً. توقف جمع المعلومات عن أعضاء حماس الصغار – ماذا يفعلون، ما دورهم، مع من يتحدثون وما شابه.
يقول أ. وهو جندي في الاستخبارات وكان مسؤولاً عن أهداف حماس في قطاع غزة: “كانت التعليمات هي: اتركوا كل المستويات الميدانية وقادة الكتائب والمقاتلين ومقاتلي النخبة، وركزوا على قادة الألوية فما فوق، وعلى منصات الصواريخ فقط. لم نكن نعرف أي شيء عن حماس وعن جناحها العسكري على مستوى الميدان. في 7 أكتوبر، بدأنا العمل من الصفر تقريباً، من أجل تحديد أماكن الأعضاء والنشطاء”.
بعد الهجوم، تحول الفراغ الاستخباري إلى جانب شعور عميق بالفشل والإهانة وجلد الذات، إلى سعي محموم وراء كل معلومة حتى لو كانت ضئيلة. أ. هو واحد من أربعة جنود من وحدات الاستخبارات ووحدة المسيرات الذين تحدثوا مع “هآرتس” عما شاهدوه: تخفيف سريع لمعايير تعريف “الإرهابي”، تغيير جذري في مفهوم التناسب واستخدام السلاح الثقيل، تخفيف كبير للسياسة التي تسمح بقتل المدنيين الأبرياء على اعتبار أنهم “ضرر جانبي” للأهداف التي تتم مهاجمتها.
حتى 7 أكتوبر، كانت سياسة إطلاق النار للجيش الإسرائيلي وقوات الأمن خاضعة بدرجة كبيرة إلى مبادئ القانون الدولي للحرب، لا سيما مبدأ التناسب، إلى جانب السعي إلى تقليل الأضرار بالمدنيين الأبرياء. وقد ظهرت هذه السياسة في إجراءات صارمة وآليات مصادقة معقدة، خاصة فيما يتعلق بالتصفيات المركزة في المناطق المكتظة بالسكان.
تحول الفراغ الاستخباري إلى جانب شعور عميق بالفشل والإهانة وجلد الذات، إلى سعي محموم وراء كل معلومة حتى لو كانت ضئيلة
أوضح مثال على ذلك كان في أيلول 2003، في فترة ولاية آفي ديختر لــ” الشاباك”، عندما وصلت معلومات استخبارية مهمة جداً عن عقد اجتماع سري لقيادة حماس كلها، بمن فيهم الشيخ أحمد ياسين ومحمد ضيف وإسماعيل هنية، في الطابق العلوي في مبنى في غزة. تم التخلي عن الخطة الأصلية التي كانت تقضي بإنزال قنبلة ثقيلة الوزن عليهم في اللحظة الأخيرة خشية المس بالمدنيين الأبرياء في الطوابق السفلية، وبدلاً من ذلك، تقرر إنزال قنبلة صغيرة بوزن ربع طن. لم تتسبب القنبلة المخففة بانهيار المبنى، ونجا قادة حماس الكبار من الهجوم.
مع ذلك، تظهر شهادات الجنود الذين أجريت مقابلات معهم مفهوماً مختلفاً كلياً للحرب، حيث يعتبر حتى أصغر هدف مبرراً للمس بالمدنيين. تشير الشهادات إلى أن العدد الكبير لما يسمى في الجيش “الأضرار الجانبية” لم تكن إخفاقاً أو خطأ في تحديد الهوية، بل كانت نتيجة سياسة إطلاق نار تم توسيعها إلى الحد الأقصى. تم تقديم شهادات مشابهة لـ “هآرتس” خلال سنوات الحرب الثلاث. هذه الشهادات، إضافة إلى محاولة التعويض عن الفشل الاستخباري في 7 أكتوبر، أدت إلى غض النظر عن خسائر مدنية لم يعرفها النظام من قبل.
هاجمنا عناصر صغيرة
من بين ما وصفه الجنود في أعقاب 7 أكتوبر، هو فتح الباب أمام عناصر غير مؤهلة. قال أ: “وصل أشخاص إلى شعبة الاستخبارات العسكرية لم يكونوا من الوحدة. جنود احتياط لم يعملوا في الاستخبارات من قبل، لكنه تم جلبهم من كل جهة. جلسوا في قسم إدارة الأهداف، وبحثوا عن أهداف تافهة، وعن أشخاص صغار لقتلهم. أي شخص يستخدم الفيسبوك وشعارات لحماس أو يعرف نفسه بأنه من حماس، كان يُصنف كهدف. بعضهم كانوا أعضاء في حماس، وبعضهم من المقاتلين، لكنهم في الحقيقة كانوا أشخاصاً عاديين”.
وأكد د.، وهو جندي خدم في خلايا الهجوم – المقرات الخلفية التي تعتبر “عيوناً” للقوات في الميدان، على ما قيل أعلاه عندما وصف كيف تغيرت المؤشرات وأسلوب العمل. وقال: “تعلمنا دائما أن الأمور ستختلف في الحرب، ولكننا شاهدنا أن الأمر مختلف كلياً، فجأة بدأ الجيش الإسرائيلي يهاجم حتى أصغر المقاتلين في حماس دون تمييز، وكأنه نسي مفهوم ترشيد الذخيرة. وصل الأمر إلى درجة استهدافنا لسائقي حماس”.
تظهر الأدلة دائماً الفجوة بين أهمية الهدف وشدة الهجوم والخسائر المدنية المؤكدة في المنطقة المحيطة به. ففي 31 تشرين الأول 2023 مثلاً، ألقت طائرات سلاح الجو الإسرائيلي قنابل ثقيلة على مجمع كبير في مخيم جباليا للاجئين. وكان هدف الهجوم إبراهيم بياري، قائد كتيبة مركز جباليا في حماس. وأفاد بيان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي في ذلك المساء أنه كان أحد قادة هجوم 7 أكتوبر، وأنه قاد القتال في شمال القطاع، وأن “الكثيرين من أعضاء حماس قتلوا معه في الهجوم”. وأشار المتحدث أيضاً إلى أن الضربة التي استهدفته تسببت في انهيار البنية التحتية تحت الأرض والمباني القريبة. وأضاف أن الجيش الإسرائيلي طلب من السكان مجدداً الانتقال نحو الجنوب “من أجل الحفاظ على سلامتهم”.
لكن الجنود الذين كانوا في فريق الاستخبارات المسؤول عن الهجوم وصفوه من زاوية مختلفة كلياً، حيث لم يكتفوا بذكر الهدف، بل كشفوا أيضاً ما كانوا يعرفونه في خلايا الهجوم قبل إلقاء القنابل. وقال د. “كنا نعرف أن البياري موجود تحت الأرض، تحت عدة مبان كبيرة، ولكننا لم نكن نعرف كيفية تحديد موقعه بشكل دقيق، أي تحت أي مبنى. لذلك، تم اختيار عدة مبان مأهولة وتقرر هدمها جميعها فوق النفق الذي كان فيه. لم نقم بالإخلاء لأنه كان من المهم قتله دون أن يتمكن من الهرب”.
حسب أقوال أ. الذي شارك في المهمة، كان واضحاً لأعضاء خلية الهجوم أن عدد الأبرياء المعرضين للمس كبير جداً، وقدرت شعبة الاستخبارات الأضرار الجانبية المحتملة بحوالي 250 – 300 شخص، لذلك تم رفع القرار إلى رئيس الأركان للحصول على مصادقته المباشرة. من جهة أخرى، يقول الجيش إن الخسائر كانت أقل بكثير، لكن في نهاية المطاف قتل عدد كبير من الأشخاص. وقال أ. إنه تم اجراء تقييم للأضرار بعد الهجوم؛ لدراسة النتائج على أرض الواقع. “اعتمدنا، ضمن أمور أخرى، على البيانات الواردة من حماس، التي اعتبرناها معقولة نسبياً، حتى لو لم تكن دقيقة تماماً. ومع مرور الوقت، عرفنا أن عدد القتلى يقترب من 250 شخصاً. أتذكر أنني شعرت بالدهشة عندما شاهدت الكثير من المباني المأهولة تهدم، ومئات القتلى والجرحى، وكل ذلك من أجل القضاء على قائد كتيبة لم يكن قبل بضعة أسابيع يعتبر هدفاً لجمع المعلومات عنه”، قال.
وجاء من الجيش الإسرائيلي: ” أعيد التخطيط للهجوم عدة مرات من أجل تقليل المس بالمدنيين، التي لم تكن بالمئات. وبعد الهجوم، زعم أن الأضرار الناتجة تجاوزت التقييم الأولي. التحقيق في الهجوم كشف عن وجود أنفاق في المنطقة لم يكن الجيش الإسرائيلي يعرف عنها، ما تسبب بانهيار مبان أخرى”.
قال نداف فايمان، المدير العام لجمعية “نحطم الصمت”، الذي قدم أمامه عدد من الجنود الذين أجريت معهم مقابلات لهذا المقال، شهاداتهم: “مستحيل السماح بقتل 300 مدني من أجل قائد كتيبة (القصد اغتيال البياري)، أو قتل 20 مدنياً مقابل كل سائق شاحنة في حماس، وبعد ذلك نقول أمام الجمهور إننا بذلنا كل جهدنا لمنع المس بالأبرياء. لقد حان الوقت لمن صاغوا هذه الأوامر لتحمل مسؤوليتها، بدلاً من محاولة التضحية بالجنود الذين قرروا قول الحقيقة للناس حول كيفية قتالنا”. وتحدث د. عن الضغط الكبير الذي واجهه في الميدان. ووفقاً له، كان البياري في ذلك الحين يقود قوات تقاتل جنود الجيش الإسرائيلي، وكان استهدافه يعتبر حالة طوارئ أمنية. “لم نتمكن من الحصول على أي معلومات استخبارية إضافية تحدد مكانه بدقة. قالوا لنا: هو يقتل جنوداً الآن، علينا مهاجمته، بدافع الحرص على القوات على الأرض. وفي نهاية المطاف، تم الموافقة على الهدف”، أضاف. “لقد أرادوا وبحق قتل هذا الشخص”. وبحسبه، لم يطرح سؤال إذا كان هناك أي مبرر عملياتي للمس بقائد في حماس على حساب المس بالكثير من الأشخاص غير المتورطين في هذه الحادثة بالتحديد. تتمحور معضلته، ومعضلة معظم الشهود الذين تحدثوا مع “هآرتس”، حول قضية أوسع: يبدو أن المصادقات الاستثنائية وتكلفة الدماء الباهظة أصبحت إجراء روتينياً، وأسلوباً لم يعد يثير أي تساؤلات.
“يصعب عليّ القول إنني أحب الأفلام التي تتناول هذا الهجوم بالتحديد”، أعترف. “الأمر أصعب بكثير مع نظام الهجمات المتتالية والأضرار الجانبية التي تلحق بالعشرات، وأحياناً بالمئات، من الأشخاص. يصعب عليّ أن أكون جزءاً من هذا النظام أكثر من مشاركتي في هجوم محدد”. ومن الأمثلة الأخرى التي جاءت في الشهادات، اغتيال علي القاضي، وهو قائد سرية في قوة النخبة في حماس، الذي اعتبره الجيش الإسرائيلي أحد قادة الهجوم الدموي في معبر إيرز في 7 أكتوبر. بالنسبة للجنود في خلايا الهجوم، كان التعامل معه هو الدليل على التغيير الجذري الذي طرأ على النظام. قبل 7 أكتوبر، حذر جندي استخبارات في فرقة غزة بأن علي القاضي مثل غيره من أعضاء النخبة، يتصرف بشكل غير طبيعي. ولكن ضابط الاستخبارات في الفرقة تجاهل التحذير. مع ذلك، بعد بضعة أيام على بدء الحرب، أصبح القاضي هدفاً رئيسياً وتعرض لإطلاق نار كثيف.
قال أ: “كان في بيته مع عائلته وتقرر قتله. سارع الجيش الإسرائيلي إلى الإعلان عن تصفيته، وأظهر أهميته. ولكن في الحقيقة، كان القاضي هو الناجي الوحيد في الهجوم. لم يكن كل القتلى على صلة بالهدف. لم تتم تصفيته إلا بعد ذلك”. وقال مصدر آخر للصحيفة في ذلك الحين، إنه خلافاً للتصريح الرسمي للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، لم يقتل القاضي في ذلك الهجوم، بل قتل بعد ذلك.
مستويات الأضرار الجانبية
في الأسابيع الأخيرة، أصبح مصطلح “الأضرار الجانبية” سائداً في معظم البيوت في إسرائيل، بسبب الضجة التي ثارت حول الفيلم الذي يحمل نفس الاسم، لكنه لا يعتبر مصطلحاً نظرياً. في لغة النظام، يشير إلى تقدير عدد الأشخاص غير المتورطين الذين قد يتضررون بسبب الهجوم، وهذا عامل أساسي في عملية المصادقة على الهدف. وحسب شهادات مشغلي الطائرات المسيرة الذين تحدثوا مع “هآرتس” خلال فترة الحرب، فإنه في منظومة الطائرات المسيرة “زيك” تمت ترجمة سياسة إطلاق النار إلى ثلاثة مستويات: الأول “المستوى المحدود”، ويعني الهجوم فقط في حالة وجود تهديد مباشر وفوري على القوات. الثاني “المستوى المخفض”، ويهدف إلى استهداف المساعدين وأفراد المخابرات أو المراقبين. في حين يسمح المستوى الثالث “الموسع”، باستهداف أي شخص يعتبر حالياً أو في السابق متماهياً مع حماس.
في الوقت نفسه، تم تحديد مستوى الأضرار الجانبية المسموح بها من دون الحصول على موافقة استثنائية: أضرار جانبية قليلة تعني هدفاً دون إصابات حوله، المستوى 1 يعني ما يصل إلى خمسة أشخاص غير متورطين. المستوى 2 يعني ما يصل إلى عشرة أشخاص غير متورطين. المستوى 3 يعني ما يصل إلى عشرين شخصاً غير متورطين. المستوى 4 يعني ما يصل إلى أربعين شخصاً غير متورطين. وحسب ب.، الذي خدم في منظومة المسيرات طوال الحرب، فقد تقرر بالفعل عند اندلاع القتال أن تعمل المنظومة بمستوى موسع، المستوى 3 افتراضياً، الأمر الذي يعني أن الهجمات التي قد تلحق الضرر بعشرين شخصاً غير متورطين، لا تحتاج إلى موافقة مسؤول رفيع المستوى خارج خلية الهجوم. إضافة إلى ذلك، تم تحديد الهجمات الاستثنائية، التي ينقل التقرير حولها إلى رتبة الجنرالات ورئيس الأركان.
بعد البدء في العملية البرية في نهاية تشرين الأول 2023 تفاقمت المعضلة في خلايا الهجوم وتصاعدت. طلب من أفراد الاستخبارات إقامة “منطقة آمنة” لمناورة القوات عن طريق تحديد “الأهداف العسكرية”، وهي أهداف تظهر من التضاريس في الوقت الحقيقي أو كجزء من خطة متقدمة، التي يمكن أن تعرض القوات للخطر أو تضر بالقتال.
ينيف كوفوفيتش
هآرتس 12/10/2026