بعد سجال الإقصاءات والعزوف عن الترشح… الأحزاب الجزائرية تدخل حملة الانتخابات المحلية بشعارات التنمية ومطالب توسيع صلاحيات المنتخبين


الجزائر ـ “القدس العربي”: سجلت الأحزاب الجزائرية حضورها في الأيام الأولى لحملة الانتخابات البلدية والولائية، المقررة يوم 28 نوفمبر الجاري، من خلال الإعلان عن برامجها الانتخابية وعرض تصوراتها بشأن تسيير الجماعات المحلية، وسط تنافس على استقطاب الناخبين بشعارات تركز في مجملها على التنمية وتحسين الخدمات العمومية وتوسيع صلاحيات المنتخبين.

وتحاول التشكيلات السياسية، التي دخلت رسميا مرحلة المنافسة الانتخابية، تحويل اهتمام الناخبين إلى القضايا اليومية المرتبطة بتسيير البلديات والولايات، من خلال تقديم وعود تتعلق بتحسين الإطار المعيشي، وتطوير المرافق العمومية، وتوفير فرص العمل، وتشجيع الاستثمار المحلي، إلى جانب المطالبة بمراجعة القوانين المنظمة للجماعات المحلية ومنح المجالس المنتخبة صلاحيات وإمكانات أكبر لممارسة مهامها.

وتبرز التنمية المحلية باعتبارها القاسم المشترك بين أغلب البرامج المعروضة، وإن اختلفت المقاربات الحزبية بشأن آليات تحقيقها، بين من يركز على إصلاح منظومة التسيير وتحرير المبادرة المحلية، ومن يراهن على كفاءة المنتخبين ونزاهتهم، ومن يدعو إلى إشراك المواطنين والفاعلين الاقتصاديين في تحديد الأولويات التنموية.

وفي هذا السياق، اختارت حركة مجتمع السلم (معارضة) شعار “إنجاز” لحملتها الانتخابية، مقدمة تصورا يقوم على إعادة بناء دور الجماعات المحلية وتحويل البلدية من مجرد هيكل لتسيير الخدمات الإدارية إلى فاعل أساسي في صناعة التنمية والاستجابة لانشغالات المواطنين.

ويقوم برنامج الحركة على عشرة محاور، تتقدمها الحوكمة الفعالة والبلدية الرقمية والشفافة، وحماية البيئة والنظافة والتنمية العمرانية المتوازنة، إلى جانب تطوير البلدية المنتجة وتعزيز التسيير المالي، وخلق فرص للشباب وتوسيع التضامن الاجتماعي وتحسين الخدمات العمومية، لاسيما في مجالي النقل وجودة المرافق.

وتدعو الحركة، بقيادة عبد العالي حساني شريف، إلى مراجعة قانوني البلدية والولاية وتجاوز المركزية في تسيير الشأن المحلي، من خلال توسيع صلاحيات المجالس المنتخبة وتمكينها من الإمكانات المالية والإدارية الضرورية لتطوير الاستثمار وخلق الثروة، مع تكييف البرامج التنموية مع خصوصيات المناطق واحتياجات سكانها، وتقليص الفوارق بين البلديات، خصوصا في المناطق الجنوبية والحدودية.

من جهته، يركز التجمع الوطني الديمقراطي (موالاة) على مسؤولية المنتخب المحلي في تحقيق التنمية، معتبرا أن نجاح التسيير لا يرتبط بالبرامج والوثائق وحدها، وإنما يتطلب أيضا توفر روح المسؤولية ونزاهة القائمين على إدارة المجالس المنتخبة.

وأكد الأمين العام للحزب، منذر بودن، أن الرهان يتمثل في تقديم كفاءات قادرة على ضمان تسيير المجالس البلدية والولائية بوعي ومسؤولية، بالنظر إلى الدور الذي يمكن أن يؤديه المنتخبون في خلق الثروة وتشجيع الاستثمار وتذليل الصعوبات أمام المستثمرين على المستوى المحلي.

كما ركزت جبهة المستقبل (موالاة)، برئاسة فاتح بوطبيق، في توجيهاتها إلى مسؤولي هياكل الحزب ومتصدرِي قوائمه بولاية الجزائر، على ضرورة توحيد الجهود وضمان التنسيق بين مختلف القوائم والهياكل المحلية، مع الالتزام بخطاب مسؤول واحترام قواعد المنافسة الانتخابية، وتكثيف التواصل المباشر مع المواطنين لعرض البرامج والتعرف على انشغالاتهم.

أما جبهة القوى الاشتراكية (معارضة)، فقد اختارت شعار “ديما واقفين”، مستحضرة مسارها السياسي والنضالي الممتد لأكثر من ستة عقود، مع تأكيد تمسكها بالدفاع عن الديمقراطية والحريات والتعددية السياسية والسيادة الوطنية. ويقدم الحزب الشعار باعتباره تعبيرا عن مواصلة النضال السياسي السلمي والتمسك بمبادئه، وليس مجرد عبارة مرتبطة بموسم انتخابي.

بدوره، أعلن عبد الكريم مبارك الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني أقوى أحزاب الموالاة، أن حزبه حقق نسبة تغطية بلغت 95 بالمائة من مجموع البلديات، و99 بالمائة بالنسبة للمجالس الشعبية الولائية، باستثناء مجلس ولاية تيميمون. وأوضح أن إعداد القوائم تم وفق معايير مضبوطة، مع منح الهياكل المحلية صلاحيات واسعة لاختيار مترشحين يحظون بثقة المواطنين ويتمتعون بالكفاءة والنزاهة.

وفي سياق مرافقة الحملة، ذكّرت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، في بيان لها المترشحين وممثلي الأحزاب والقوائم الحرة بالضوابط القانونية والتنظيمية التي تحكم النشاط الانتخابي، مؤكدة أن الحملة تمتد من الخميس 5 نوفمبر إلى الثلاثاء 24 نوفمبر، وأن أي شكل من أشكال الدعاية خارج هذه الفترة يعد مخالفة للأحكام القانونية، مهما كانت الوسيلة المستعملة.

وشددت الهيئة على ضرورة التقيد بأخلاقيات الممارسة الانتخابية والامتناع عن كل خطاب كراهية أو شكل من أشكال التمييز، كما منعت استعمال اللغات الأجنبية خلال الحملة، أو توظيف الممتلكات والوسائل التابعة للأشخاص المعنويين والمؤسسات والهيئات العمومية والخاصة لأغراض الدعاية الانتخابية، خارج ما يسمح به القانون.

كما حذرت من استغلال أماكن العبادة والمؤسسات والإدارات العمومية ومؤسسات التربية والتعليم والتكوين في النشاط الدعائي، ومن الاستعمال السيئ لرموز الدولة، أو اللجوء إلى سلوكيات عنيفة أو غير مشروعة أو منافية للأخلاق، فضلا عن منع استعمال طرق الإشهار التجاري لأغراض انتخابية طيلة فترة الحملة.

وفي الشق المتعلق بالتغطية الإعلامية، أكدت السلطة المستقلة ضرورة ضمان التوزيع المنصف للحيز الزمني المخصص للمترشحين في وسائل الإعلام السمعية البصرية المرخص لها، بالتنسيق مع سلطة ضبط السمعي البصري، بما يضمن مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين المتنافسين.

كما دعت إلى احترام الأحكام المتعلقة بتنظيم التجمعات والاجتماعات العمومية، والتقيد بالآجال القانونية لمنع نشر وبث استطلاعات الرأي وسبر نوايا الناخبين خلال 72 ساعة السابقة للاقتراع، فضلا عن الالتزام بالمساحات العمومية المخصصة لإلصاق قوائم الترشيحات، ومنع استعمال فضاءات أخرى لهذا الغرض.

ويأتي انطلاق الحملة بعد مرحلة تحضيرية طبعها سجال بين عدد من الأحزاب والسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، على خلفية رفض ملفات مترشحين للانتخابات المحلية، وما أثاره ذلك من مخاوف بشأن تكرار سيناريو الانتخابات التشريعية السابقة، التي شهدت بدورها إقصاءات أثرت في قوائم عدد من التشكيلات السياسية.

وكانت أحزاب معارضة قد انتقدت طريقة تطبيق المادة 184 من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، معتبرة أن بعض قرارات الرفض استندت إلى تقديرات غير واضحة، لاسيما ما تعلق بشرط عدم ارتباط المترشح بأوساط المال والأعمال المشبوهة أو التأثير في حرية اختيار الناخبين.

في المقابل، دافعت السلطة المستقلة عن قراراتها، مستندة إلى الأحكام القانونية المنظمة لشروط الترشح. كما أوضحت أن رفض ملفات المترشحين الأفراد استند إلى حالات متعددة، من بينها عدم استكمال الوثائق القانونية أو عدم استيفاء شروط السن والوضعية تجاه الخدمة الوطنية والإدارة الضريبية، فضلا عن حالات أخرى ينص عليها القانون.

وكانت الهيئة قد نشرت، في سياق الرد على الانتقادات المتعلقة بالعزوف عن الترشح، أرقاما مقارنة مع انتخابات 2021، أظهرت ارتفاع عدد المترشحين للمجالس البلدية من 115 ألفا و230 إلى 141 ألفا و388 مترشحا، بزيادة تجاوزت 22 بالمائة، كما ارتفع عدد المترشحين للمجالس الولائية من 18 ألفا و910 إلى 21 ألفا و476، أي بنسبة 13.56 بالمائة.

غير أن هذه الأرقام لم تنه النقاش بشأن جاذبية المشاركة السياسية، بعدما أثارت أحزاب وممثلون عنها مسألة تراجع حماسة المناضلين وصعوبة استقطاب شخصيات محلية للترشح، وربطوا ذلك بتداعيات الإقصاءات السابقة ومحدودية الصلاحيات المتاحة للمنتخبين المحليين، فضلا عن غياب مراجعة شاملة لقانوني البلدية والولاية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *