بعد أن تحول لـ”بطة عرجاء”… ترامب يستعد لحصار سياسي داخل البيت الأبيض


باريس- “القدس العربي”: قالت صحيفة “لوموند” إنه قبل الانتصار الكاسح للديمقراطيين، كان الرئيس الأمريكي قد أدار ظهره إلى حد كبير للسلطة التشريعية، متوعداً باستخدام حق النقض (الفيتو) وتوزيع قرارات العفو. لكن ترامب سيجد نفسه في مواجهة تراجع نفوذه السياسي، في وقت يتصاعد فيه النقاش حول مستقبل الحزب الجمهوري.

لقد وقعت الكارثة الانتخابية بالفعل. لكن لا جدوى من انتظار أي مراجعة نقدية للذات من دونالد ترامب. فقاعدته الذهبية في مسيرته السياسية معروفة: الانتصارات تُحسب له، أما الهزائم فهي مسؤولية الآخرين. فمساء الثلاثاء، الثالث من نوفمبر، حضر الرئيس ومستشاروه حفل استقبال أقيم في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض، وتابعوا تطورات الانتخابات عبر شاشات التلفزيون. ووجد الملياردير أيضاً وقتاً لمهاجمة شبكة “فوكس نيوز” عبر منصته “تروث سوشيال”، متهماً إياها بالتساهل أكثر من اللازم مع خصمه الديمقراطي.

خلال العامين الأولين من ولايته الثانية، أبدى ترامب استخفافاً كبيراً بالكونغرس، رغم تمتع الجمهوريين بالأغلبية في مجلسيه.

وجاء أول تعليق مكتوب له على انتخابات التجديد النصفي قبل الساعة الحادية عشرة ليلاً بقليل، قائلاً: “لم يكن اسمي مطروحاً على ورقة الاقتراع، ولو كان كذلك، لكنا فزنا بفارق كبير جداً!”. وربما استشعاراً منه بالنتيجة، استعد دونالد ترامب لمرحلة من التعايش السياسي مع أغلبية معارضة في الكونغرس، وهي مرحلة قد تريحه، على نحو مفارق، من تحمّل المسؤولية الكاملة عن إدارة شؤون البلاد.

فخلال العامين الأولين من ولايته الثانية، أبدى ترامب استخفافاً كبيراً بالكونغرس، رغم تمتع الجمهوريين بالأغلبية في مجلسيه. وكانت الاستثناءات محدودة، أبرزها الحزمة الضخمة للإنفاق وخفض الضرائب، التي حملت اسم “القانون الكبير والجميل” إضافة إلى التصويت على الموازنات، وإجراءات المصادقة على أعضاء إدارته والقضاة الفيدراليين.

أما في ما عدا ذلك، فقد فضّل ترامب اللجوء إلى الأوامر التنفيذية الرئاسية، إذ وقّع 292 أمراً منذ يناير 2025. وبذلك، ترسخت لديه عادة اتخاذ القرارات بصورة أحادية، ووضع المؤسسات الأخرى، سواء الكونغرس أو القضاء، أمام الأمر الواقع. ومن المرجح أن يواصل النهج نفسه.

“أعتقد أنني سأصبح السيد فيتو”

قال دونالد ترامب في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز”، الأحد، وهو يهز كتفيه: “أعتقد أنني سأصبح السيد فيتو”. وباتت هذه العبارة تتكرر في تصريحاته. ففي الثالث والعشرين من أكتوبر، سُئل الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض عن كيفية التعامل مع مرحلة التعايش السياسي في ظل كونغرس معادٍ له، فأجاب: “ما سيحدث هو أنني سأستخدم حق النقض ضد كل شيء، وعندها سيأتي الديمقراطيون ويرغبون في التوصل إلى اتفاق”. وقبل ذلك بأسابيع، وتحديداً في مقابلة مع مجلة “تايم” نُشرت في الأول من أكتوبر، استخدم عبارة أكثر اختصاراً وحدة: “سيستهدفونني على الأرجح، وسأستهدفهم بدوري”.

ويبدو أن المواجهة حتمية، بالنظر إلى ما شهدته الأشهر التسعة عشر التي أعقبت عودة ترامب إلى البيت الأبيض من ممارسات أثارت انتقادات تتعلق بالنزعة السلطوية والمعايير الأخلاقية، في وقت يشهد فيه البيت الأبيض نفسه عمليات هدم وإعادة بناء واسعة.

البقاء في قلب اللعبة السياسية

من المتوقع أن تشمل هذه المواجهة ملفات الإنفاق الفيدرالي، والسياسة الخارجية، بما في ذلك شحنات الأسلحة إلى إسرائيل، والمساعدات المقدمة لأوكرانيا، والضربات الدامية التي تستهدف قوارب في منطقة البحر الكاريبي يُشتبه في ارتباطها بمهربي المخدرات، فضلاً عن ملف التغطية الصحية.

“ما سيحدث هو أنني سأستخدم حق النقض ضد كل شيء، وعندها سيأتي الديمقراطيون ويرغبون في التوصل إلى اتفاق”

ولا يمكن للكونغرس تجاوز الفيتو الرئاسي إلا بأغلبية الثلثين في كلا المجلسين. لكن الساحة الأكثر قابلية للانفجار ستكون اللجوء إلى لجان التحقيق في مجلس النواب، التي يُتوقع أن تستهدف المحيطين بترامب وكبار المسؤولين في إدارته، بمن فيهم وزير الدفاع بيت هيغسيث.

وستجمع هذه التحقيقات بين استعادة الرقابة البرلمانية، وتحويل المواجهة إلى مشهد سياسي وإعلامي، وسباق مع الزمن. فمن الواضح أن ترامب يعتزم، مع اقتراب نهاية ولايته، استخدام إحدى الصلاحيات المتاحة له على نحو غير مسبوق، وهي سلطة العفو الرئاسي.

في الرابع والعشرين من أكتوبر، عاد الصحافيون إلى سؤاله بشأن هذا الموضوع. وكانت مارغو مارتن، المساعدة الخاصة للرئيس، تقف إلى جواره. فتوجه إليها ترامب بالحديث، كما لو كان يخاطب جميع العاملين معه، قائلاً: “إذا أصبحت مستهدفة، فكما تعلمين، هي شخص نزيه جداً. لكنهم سيجرّونها للمثول أمام هيئة محلفين شعبية. إنها تقف هنا أمامكم. مارغو، لن يكون لديك ما يدعو إلى القلق على الإطلاق، حسناً؟”.

وفي صباح اليوم نفسه، أفاد موقع “واشنطن صن” الإخباري بأن الرئاسة تدرس إصدار قرارات عفو جماعية تشمل جميع المستشارين من الدرجات الإدارية الثانية. ورد ترامب بأنه لم يفكر في الأمر، قبل أن يتطرق إلى ما وصفه بالاضطهاد القضائي الذي تعرض له خلال الفترة بين عامي 2021 و2024.

لكن السابقة التي أرسى قواعدها جو بايدن هي التي توفر لترامب، في المقام الأول، أرضية مريحة للتحرك. ففي الساعات الأخيرة من ولايته، وقّع الرئيس الديمقراطي قرارات عفو استباقية شملت أفراداً من عائلته، وهم شقيقاه جيمس وفرانسيس، وشقيقته فاليري، وذلك بعد أن كان قد أصدر عفواً عن نجله هانتر قبل أسابيع قليلة.

كما شملت قرارات العفو الدكتور أنتوني فاوتشي، المسؤول عن الاستجابة لجائحة كوفيد-19، والرئيس السابق لهيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة، الجنرال مارك ميلي، إضافة إلى أعضاء اللجنة البرلمانية التي حققت في اقتحام مبنى الكابيتول في السادس من يناير 2021.

ومع مرور الوقت، تبدو سياسة المعاملة بالمثل هذه محرجة للغاية لجو بايدن. فقد تجنب الأخير تجاوز الخطوة الأخيرة المتمثلة في إصدار عفو عن نفسه. أما دونالد ترامب فلا يبدو أنه يتحلى بمثل هذه التحفظات. ففي مقابلة حديثة مع قناة “نيوزماكس” المحافظة، قال: “لدي الحق في إصدار عفو عن نفسي… العفو سلطة قوية جداً، وأنا أعرف ذلك. ويقال إنها أقوى صلاحية يمتلكها الرئيس، إنها سلطة العفو”.

استراتيجية الدفاع السياسي والشخصي هذه تبدو متوقعة، بل تكاد تكون مرسومة سلفاً. فقد درس القانونيون من الجانبين التحركات المحتملة، واستعدوا للرد عليها. لكن ثمة جانباً آخر من مستقبل الرئيس يبدو أكثر صعوبة في التعامل معه: فدونالد ترامب، البالغ من العمر 80 عاماً، سيجد نفسه في مواجهة تراجعه الشخصي، وهو تراجع لا مفر منه، وفقاً لكاتب التقرير.

وهذا ربما يمثل أقسى أشكال المعاناة الداخلية بالنسبة لرجل لا يرى نفسه إلا في قلب المسرح، تحت الأضواء المسلطة على وجهه، الذي يغطيه بطبقات كثيفة من مستحضرات التسمير حتى لا يبدو شاحباً.

تراجع سياسي ومستقبل الحزب الجمهوري

يأخذ هذا التراجع، أولاً، طابعاً سياسياً. فظاهرة “البطة العرجاء” تصيب كل رئيس أمريكي بعد انتخابات التجديد النصفي، عندما يصبح عاجزاً عن الترشح لولاية جديدة بعد عامين. وبالتالي، فإن النقاش المرتقب والمكثف حول مستقبل الحزب الجمهوري لن يعني ترامب بالقدر نفسه، باستثناء دوره المحتمل بوصفه صانع الملوك داخل حركة “ماغا” (لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً).

ظاهرة “البطة العرجاء” تصيب كل رئيس أمريكي بعد انتخابات التجديد النصفي، عندما يصبح عاجزاً عن الترشح لولاية جديدة بعد عامين

لكن كيف يمكنه تجاوز قناعته المتعجرفة بأنه لا يوجد أحد يستحق خلافته؟

إن رفضه إعلان تفضيل واضح بين نائبه جيه دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو، لا يعكس فقط حسابات سياسية تقليدية تقتضي التركيز أولاً على انتخابات التجديد النصفي، بل يكشف أيضاً عن رغبته في البقاء في قلب المشهد السياسي. إنها استراتيجية “فرّق تسد”، ولو لفترة أطول قليلاً.

مسألة التراجع الجسدي والمعرفي

يفكر دونالد ترامب أيضاً في إرثه السياسي وما سيتركه للتاريخ. فهو مقتنع بروايته الخاصة عن تحقيق ازدهار اقتصادي غير مسبوق في تاريخ الولايات المتحدة، وكثيراً ما عبّر خلال الأسابيع الأخيرة بمرارة عن مخاوفه من أن تُنسى إنجازاته. فخلال تجمع انتخابي في مدينة كاليسبيل بولاية مونتانا، في الرابع عشر من أكتوبر، تحدث عن جهوده لخفض أسعار الأدوية، قائلاً: “آمل أن تتذكروا أنني أنا من فعل ذلك. لا تسمحوا لأي شخص آخر بأن ينسب الفضل لنفسه. لم يكن بإمكان أي شخص آخر القيام بذلك. ولم يحاول أي رئيس آخر حتى فعل ذلك”.

إن مرور الوقت، وتراجع الامتنان، وتحول الأنظار نحو شخصيات جديدة وأكثر شباباً، كلها أمور يدركها ترامب بالضرورة. وربما ينبغي فهم هوسه بمشروعات البناء والتشييد في ضوء ذلك، إلى جانب ارتباطه القديم بقطاع العقارات. فالرئيس يؤمن بالأثر المادي الذي يمكن رؤيته بالعين المجردة: الأحجار البيضاء الناصعة، والأعمدة الشامخة، والديكورات الفخمة التي تستحضر قصور الملوك، والذهب الذي يطغى على المكان.

ومن هنا تأتي رغبته في إعادة تشكيل معالم البيت الأبيض، مرتدياً خوذة البناء وحاملاً المخططات الهندسية، إلى جانب إعادة تصميم مركز كينيدي، أحد أبرز الصروح الثقافية في واشنطن، والبرك والتماثيل في العاصمة الأمريكية.

يتعلق الأمر في جميع هذه المشروعات، بفرض فكرة مفادها أن هناك زمناً سابقاً لترامب وزمناً آخر بعده، وأن بصمته ستظل حاضرة إلى الأبد.

ثم تأتي مسألة التراجع الجسدي والمعرفي. فقد انفجرت فقاعة الأكاذيب التي أحاطت بجو بايدن بشأن قدراته الصحية والذهنية، خلال المناظرة التلفزيونية التي جمعته بترامب على شبكة “سي إن إن” في أواخر يونيو 2024، ما اضطر الرئيس الديمقراطي إلى التخلي عن الترشح لولاية جديدة.

أما دونالد ترامب، الذي سخر كثيراً من سلفه في هذا الشأن، فلا يزال يؤكد أنه يتمتع بكامل قدراته. لكن الكدمات التي تظهر على يديه، وتردده غير المفسر على عدد من الأطباء المتخصصين، وإغماض عينيه كثيراً أثناء الاجتماعات، وصعوبة سيره في خط مستقيم باتجاه المروحية الرئاسية، فضلاً عن تصريحاته المرتبكة والمتشعبة على المنصات الانتخابية، تثير تساؤلات.

فماراثونه الانتخابي الاستثنائي، الذي عقد خلاله ثلاثين تجمعاً في شهر واحد، أمر؛ وضعف قدرته على التركيز، وانشغالاته المتكررة، وعدوانيته المتزايدة، أمر آخر. ومع ذلك، ليس من السهل التمييز بين السمات الشخصية المعتادة لديه وبين ما قد يكون مؤشراً على تراجع في القدرات. وخلال تجمع انتخابي في التاسع عشر من أكتوبر، تفاخر ترامب بأنه حقق “نتيجة مثالية” في اختبار للقدرات المعرفية لم يكشف عن طبيعته بدقة، وتحدث عن صور تضمنت “أسداً ودباً وثعباناً وزرافة”، وكان المطلوب منه التعرف على صورة الزرافة.

وفي نسخة أخرى من الاختبار، كان عليه تكرار كلمات بترتيب عكسي، وهي: “قبعة، شعر، شعار، يمين، أسود”. أما في أحدث نسخة، خلال تجمع انتخابي في ولاية أيوا، فتحدث عن مسألة حسابية قائلاً: “اختر رقماً. قلت 49. ضاعفه ثلاث مرات. اقسمه على أربعة. أضف 2019. اطرح 87. اقسم الناتج على ثلاثة. اضربه في تسعة. ما الرقم الذي ستحصل عليه؟ قلة قليلة من الناس تستطيع القيام بذلك. لقد فعلتها أنا. فعلتها ثلاث مرات، ومع ذلك لا يمنحني أحد أي تقدير على ذلك”.لكن يبدو أن دونالد ترامب لم يعد يحظى بأي رصيد يُذكر من التقدير لدى غالبية الأمريكيين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *