بروتوكولات تاريخية إسرائيلية تكشف تفاصيل لقاء سري بين بيريز والملك حسين في عمان


الناصرة- “القدس العربي”: بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيل رئيس إسرائيل السابق شمعون بيريز (أيلول 2026) تكشف أرشيفات تاريخية عبرية عن لقاء سري مع العاهل الأردني الملك حسين داخل قصره في عمان عام 1993، وفيه تمت صياغة المسودة الأولى لاتفاق سلام بين الأردن وإسرائيل.

وبحسب المستندات الأرشيفية، تحدث الملك حسين عن الشعور بضغط الزمن والحاجة الملحة للتقدم، بعدما أدرك خطورة حالته الصحية حيث قال لبيريز: “لم يتبق لي سوى سنة أو سنتين”، فيما تحدث بيريز عن الشباب الذين “فاض بهم وملّوا الحروب” وهكذا شقت الطريق إلى اتفاق السلام الأردني الإسرائيلي “وادي عربة” في العالم التالي: أكتوبر 1994.

بحسب المستندات الأرشيفية، تحدث الملك حسين عن الشعور بضغط الزمن والحاجة الملحة للتقدم، بعدما أدرك خطورة حالته الصحية

في هذه الذكرى التي تحل اليوم الثلاثاء، يكشف “مركز بيريز” بعض المستندات الأرشيفية الخاصة بالرئيس التاسع لإسرائيل، ورئيس حكومتها الثامن شمعون بيريز، وإلى جانبها اقتباسات خاصة من اللقاء السرّي في عمان بين الحسين وبيريز (وزير خارجية الاحتلال وقتذاك) في نوفمبر 1993.

ووفق هذه الأرشيفات، فقد تم لقاء سري داخل القصر الملكي في عمان، واضطر بيريز لتغيير ملامح وجهه، وكانت الخلفية لهذا اللقاء تعود لما حصل قبل ذلك بأسبوع 26 أكتوبر 1993، حيث بلغت رسالة من البلاط الهاشمي لحكومة الاحتلال مفادها أن الملك يطلب اللقاء مع وزير الخارجية شمعون بيريز بصفته سياسيا يمتلك قدرات على التفكير الخلّاق، مبديا استعداده للقاء معه سرا كجزء من اتصالات أولية قادت في نهاية المطاف لاتفاق سلام عام 1994.

وتقول الأرشيفات إنه خلال المحادثة، طرح بيريز رؤيته للتعاون الاقتصادي الإقليمي بما يشمل بنى تحتية حديثة، وموانئ بحرية وشوارع تستخدم أساسا لاتفاق تتم بلورته لاحقا. وعن ذلك، يقول بيريز طبقا للمستندات الأرشيفية: “لدينا أحلام كثيرة وآمال للمستقبل”، فعقّب عليه الحسين بالقول: “أنا شريك للالتزام بالتغيير وبإعطاء الأجيال الشابة فرصا للحياة مع شعور بالأمان يتجسد بالسلام”.

وبحسب هذه البروتوكولات، يقول الحسين لبيريز إنه يشعر بأن الأيام تمر بسرعة، وبالحاجة لتطبيق ما يحلم به: “في 1951 شهدنا حدثا مأساويا، تمثل بقتل جدي وأنا أريد توريث أخي الأمير حسن، ولكل النظام الحاكم أفضل الخيارات. ربما تبقت لي سنة واحدة أو سنتان لأعيش. سأضع كل شيء على كفة الميزان”.

في المقابل، وصف بيريز الدعم الجماهيري المتصاعد للسلام: “هناك دعم عظيم في الرأي العام اليوم لاتفاق السلام. ملّ الشباب من الحروب والفقر وفقدان الحريات”.

يُستنتج من هذه البروتوكولات أنه في تلك الليلة في عمان، تم توقيع وثيقة تفاهمات بين بيريز والحسين برؤوس أقلام، وهي تفاهمات شكلت أساسا ومصدرا لاتفاق وادي عربة بعد عام.

من العشيقة السرية إلى العلانية

يشار إلى أن مثل هذه اللقاءات السرّية قد وردت في كتاب عبري قبل سنوات عن العلاقات وراء الكواليس بين إسرائيل وجهات عربية وإسلامية بعنوان “من العشيقة السرية إلى العلانية” وفيه قصص عن لقاءات بين مسؤولين إسرائيليين وعرب تشمل العاهلين الأردنيين الراحلين الملك عبد الله وحفيده الملك حسين.

في هذا الكتاب، استعرض الباحث الإسرائيلي في تاريخ الإسلام والشرق الأوسط في الجامعة العبرية البروفيسور إيليه بوديه، فصولا بعضها كشف عنه للمرة الأولى من العلاقات السرية بين إسرائيل وبين دول وأقليات في الشرق الأوسط، مقدما تفاصيل أحيانا، وفي أحيان أخرى يكتفي بإشارات عامة.

تقول الأرشيفات إنه خلال المحادثة، طرح بيريز رؤيته للتعاون الاقتصادي الإقليمي بما يشمل بنى تحتية حديثة، وموانئ بحرية وشوارع تستخدم أساسا لاتفاق تتم بلورته لاحقا

وأوضح  بوديه أن اسم الكتاب الذي يعالج الفترة التي سبقت مرحلة التطبيع مع الاحتلال، يعكس رؤيته بأن إسرائيل “عشيقة سرية” تدير علاقات محظورة في حقول غريبة أحيانا بعيدة وقصيرة، وأحيانا مكثفة ومن تحت الطاولة. ويقول إنها لم تحب ذلك، لكنها اضطرت للتعايش معه حيث تبدو كامرأة، راغبون بقربها لكنهم غير مستعدين للظهور معها أو إلى جانبها علانية، وأي تسريب عن وجودها يعني خيانة وانتهاكا لقواعد اللعبة والعقاب عندئذ.. إنكار ونفي وربما قطع للعلاقات، وفيما هي تحاول كالعشيقة تماما الظهور فإن دولا عربية تحرص على السرية معها”.

وقال الكاتب الإسرائيلي في كتابه إن الأردن ظاهرة استثنائية في منظومة العلاقات السرية مع إسرائيل. ففي 1994، وقّع اتفاق وادي عربة معها لكن العلاقات السرية سبقته بسنوات كثيرة، وتبدو كأنها مأخوذة من فيلم سينمائي. ومن ضمن هذه المنظومة السرية، ترأست غولدا مائير وفدا من الوكالة اليهودية التقى الملك عبد الله في منتصف نوفمبر/ تشرين ثاني 1947، عشية اتخاذ قرار التقسيم الأممي.

وفي اللقاء قال لهم الملك إن البريطانيين راحلون وإننا سنبقى هنا وجها لوجه، والصدام بيننا مضر للطرفين، واقترح تقسيم فلسطين بين جمهورية عبرية مستقلة داخل دولة يترأسها هو. ويضيف بوديه: “لكن رفض العرب لفكرة التقسيم لم يساعد في دفع الخطة”. منوها أنه في 11 مايو/ أيار 1948 قبيل إعلان قيام إسرائيل بأيام، رافق عزرا دانين رئيس القسم العربي في مخابرات الهاغاناه (شاي) غولدا مائير، وقد تظاهرا بأنهما زوجان، فارتدى قبعة شركسية، بينما ارتدت هي زيا عربيا وسارا في طرق ملتوية حتى وصلا قصر الملك في عمان. وفي اللقاء، اقترح عليهما تسوية الدولة الواحدة التي تشمل حكما ذاتيا لليهود على أن يتم ضم الدولة هذه للأردن بعد عام، فأجابته غولدا مائير: “نلتقي بعد الحرب”.

33 لقاء سريا مع الملك حسين

وأشار الكتاب إلى 33 لقاء سريا بين الملك حسين ومسؤولين إسرائيليين من بينهم يغئال يادين وآبا إيبان في الفترة بين حربي 1967 و1973، من بينها لقاء تم في منطقة “مسادا” (وادي عربة) في 1973 جمع بين الملك حسين وبين غولدا مائير وموشيه ديان وقائد الجيش دافيد العازار ورئيس الاستخبارات العسكرية إيلي زعيرا. وقد وصل الملك لوحده في مروحية.

وبحسب الكتاب، فاجأ ديان المجتمعين عندما عرض على الملك ممرا بريا بين عمان والقدس، ووصاية على الأماكن المقدسة. لكن الملك حسين فكر قليلا ورفض قائلا: “إذا لم تعيدوا لي كل الأرض التي احتلت عام 1967، خلال 48 ساعة، فسيقتلونني”.

كما يشير للقاء غولدا مائير والملك حسين داخل مكاتب الموساد قريبا من تل أبيب قبيل حرب 1973 بعشرة أيام. وفي الاجتماع، أوضح الملك أنه غير معني بالانضمام للحرب، لكنه يرغب بالظهور متضامنا مع سوريا ومصر كي لا يتهم بالخيانة. فأرسل وحدة عسكرية أردنية إلى جبهة الجولان السوري.

وعن ذلك يقول بوديه إن وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر كتب في مذكراته بسخرية: “فقط في الشرق الأوسط يمكن أن يطلب طرف في الصراع إذنا من العدو كي يقوم بخطوة عسكرية ضده”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *