تونس- “القدس العربي”: أثار بودكاست تونسي تناول جوانب من السيرة النبوية، ولا سيما ما يتعلق بوالدة النبي محمد وزوجاته، جدلا دينيا واسعا في البلاد.
واستضافت الباحثة ألفة يوسف الباحثة هالة الوردي في حلقة من بودكاست “جدليات”، الذي تنتجه مؤسسة تكوين الفكر العربي، لمناقشة هذه القضايا، في حوار أثار ردود فعل متباينة.
وكتب الشيخ بدري المداني “طُرحت في الحوار فرضية احتمال زواج السيدة آمنة بنت وهب بعد وفاة زوجها سيدنا عبد الله بن عبد المطلب (…) لكن الرجوع إلى كتب السيرة يبين أن المشهور في هذه المصادر أن السيدة آمنة هي أم سيدنا محمد، وأنها توفيت بالأبواء وهو في نحو السادسة من عمره، ولا يثبت في المشهور من مصادر السيرة المعتمدة أنها تزوجت بعد وفاة سيدنا عبد الله أو أنجبت ولدًا آخر”.
واعتبر أن “دراسة السيرة النبوية تحتاج إلى تكامل علوم الحديث والتاريخ واللغة والأنساب، مع الاستفادة من مناهج البحث الحديثة. ولا يكفي أن تكون الفرضية مثيرة أو مخالفة للمألوف حتى تصبح اكتشافًا تاريخيًا (…) والحوار حول نساء سيدنا محمد موضوع مهم، يتيح دراسة مكانة المرأة في المجتمع العربي، وأحوال أمهات المؤمنين والصحابيات، وتطور الروايات التاريخية المتعلقة بهن. غير أن أهمية الموضوع تقتضي مزيدًا من الدقة، لا التساهل في نسبة الوقائع أو تفسيرها”.
واعتبر الباحث جمال الدين الهاني أن الباحثة هالة الوردي تقوم بـ”تحويل الوسواس القهري إلى أسئلة شبه علمية. فالشك القهري في حدوث الأشياء مجرد عرض نفسي، وليس أداة علمية للإثبات أو الاستدلال”.
وأضاف: “المطلوب أن تقدم لنا هالة الوردي ما يثبت وجود أو عدم وجود ما تدّعيه حول موت النبي. لا مجرد الشك في الأحداث، والاعتماد على نفس آلية الوسواس القهري: البحث عن الفرضية الأكثر سلبية بسبب إمكانية ضئيلة جدا لحدوثها”.
وكتب أحد النشطاء “حين تعرض حياة الرسول وكأنها مسلسل درامي سيئ الإخراج، تتلاحق فيه مشاهد الخلاف والصراع والخيبة، ويختزل فيها تاريخ الرسالة في روايات متنازع حولها وتأويلات نفسية وسياسية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل نحن أمام قراءة تاريخية تسعى إلى فهم السيرة في سياقها، أم أمام صورة مجتزأة قد تحجب عن المشاهد حقيقة الرسالة وطبيعة التحول الذي أحدثه الإسلام؟”.
وأضاف: “الرسول لم يكن مجرد شخصية تاريخية ندرس حالتها النفسية أو نروي خلافاتها مع من حولها، بل كان رسول الله الذي بلغ الرسالة وقاد عملية تغيير شاملة ونقل الناس من نظام إلى نظام وأقام في المدينة دولة الإسلام وجمع العرب على عقيدة ورسالة وأسس أمة حملت الإسلام إلى العالم”.
وخاطبت الباحثة فاطمة بلغيث كلا من ألفة يوسف وهالة الوردي بالقول: “ما يستوقفني أكثر ليس مجرد اختيار موضوع الزواج في السيرة النبوية، بل الطريقة التي يمكن أن يتحوّل بها هذا الموضوع إلى معركة تستنفر مشاعر قطاع واسع من التونسيين المسلمين. فالعلاقة الوجدانية التي تربط كثيرًا من المسلمين بالنبي محمد ليست علاقة عابرة كما عند البعض إنّها علاقة إيمان ومحبّة وتعلّق روحي عميق إلى درجة أنّ بعضهم يتمنّى رؤيته في المنام”.
وأضافت: “ليست المسألة الدينية المجال الوحيد القادر على استنفارنا. معركة نبيّنا محمد مع زيجاته ومرحلة رضاعته وهو يتيم وحليمة السعدية وحادثة الأفك وسقيفة بني ساعدة ليست معاركنا الحقيقية اليوم”.
وتحت عنوان “الجهل المقدّس”، كتب الباحث سامي براهم “عندما تنتقل من حصص أستاذ التّاريخ الألمعي، المصري ابراهيم العسّال إلى حصص أستاذة الأدب الفرنسي التّونسيّة هالة الوردي، تدرك أنّك تنزل من علم التّاريخ إلى حكايات القصّاص ومرويّات المراسيل”.
وأضاف: “مع العسّال لا تكتشف وقائع التّاريخ فحسب بل تتعلّم منهج المؤرّخ في النّظر والتّحقيق والنّخل والتّمحيص (…) مع الوردي تجد نفسك أمام حكايا نسجتها الكاتبة ممّا التقطته من مرويّات متناثرة مختلفة المصادر ومتفاوتة من حيث قوّتها لبناء سرديّة متناسقة حكائيّا، لكنّها مختلقة وفاقدة للموثوقيّة التّاريخيّة”.
وعادة ما تثير الباحثة هالة الوردي الجدل عبر آرائها وكتبها، حيث اتهمها البعض في وقت سابق بالإساءة للنبي محمد بسبب كتاب “الأيام الأخيرة لمحمد”.
كما تعرضت أيضا لانتقادات واسعة بسبب كتاب “الخلفاء الملعونون” الذي يقدم نظرة مغايرة للخلفاء الراشدين عبر اتهامهم بالعنف والصراع على السلطة بعد وفاة النبي محمد.