برلمانيان يدعوان إلى تحديث طريقة التسجيل في اللوائح الانتخابية استعدادا للاستحقاقات المقبلة


الرباط ـ «القدس العربي»: في وقت يواصل فيه المغرب تسريع وتيرة التحول الرقمي وتحديث الإدارة العمومية، يطفو على السطح نقاش متجدد حول مدى مواكبة المنظومة الانتخابية لهذا المسار، خاصة فيما يتعلق بآليات تسجيل المواطنين في اللوائح الانتخابية، استعدادًا للانتخابات التشريعية التي ستجري يوم 23 أيلول/ سبتمبر المقبل.
في هذا السياق، أثار مصطفى إبراهيمي، عضو حزب «العدالة والتنمية» في مجلس النواب، الموضوع عبر سؤال كتابي موجه إلى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، متسائلا عن أسباب استمرار العمل بنظام التسجيل الإرادي الذي يقتضي فتح فترات استثنائية محدودة زمنيا، رغم التقدم الذي أحرزته المملكة المغربية في مجال الرقمنة، من خلال مشاريع مهيكلة مثل «السجل الوطني للسكان» و»الوكالة الوطنية للسجلات».
ويرى إبراهيمي أن هذه الوضعية تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى انسجام الإطار القانوني والتنظيمي الحالي مع مستوى التقدم الرقمي الذي حققه المغرب، خاصة في ظل تجارب دولية متقدمة تعتمد التسجيل التلقائي للناخبين بمجرد بلوغهم السن القانوني، عبر الربط البيني بين قواعد المعطيات الإدارية، كما هو الحال في السويد وكندا، وهو ما يساهم في توسيع قاعدة المشاركة وتبسيط المساطر الإدارية.

نقاش رقمي يتقاطع مع رهانات الثقة والمشاركة السياسية

كما تساءل البرلماني عن مدى تأثير غياب الربط الكامل بين قواعد البيانات الوطنية على إعاقة هذا التحول، وعن الإجراءات المتخذة لضمان تحيين دقيق ومستمر لمعطيات الناخبين، خاصة ما يتعلق بالعناوين ومحل الإقامة الفعلية.
ولم يخف إبراهيمي أهمية الانتقال نحو نموذج انتخابي أكثر حداثة ونجاعة، يجمع بين التسجيل التلقائي وإمكانية التصحيح، متسائلا في الآن ذاته عن الأفق الزمني الذي تضعه وزارة الداخلية لاعتماد نظام انتخابي رقمي متكامل يواكب طموحات المغرب في مجال الحكامة الجيدة.
و أعادت النائبة البرلمانية سعاد الزخنيني، طرح الإشكال نفسه من زاوية أكثر مباشرة، معتبرة أن التساؤل حول عدم إدراج المواطنين تلقائيا في اللوائح الانتخابية بمجرد بلوغهم السن القانونية أصبح سؤالا بسيطا في ظاهره، لكنه عميق الدلالة في سياق دولي يتجه نحو رقمنة شاملة للخدمات الإدارية وربط ذكي لقواعد البيانات.
وتشير الزخنيني إلى أن عددا من الديمقراطيات لم يعد يطرح فيها هذا السؤال أصلا، حيث يتم تسجيل المواطنين تلقائيا اعتمادا على أنظمة معلوماتية مندمجة تربط بين السجل المدني والمعطيات الانتخابية، دون حاجة إلى تنقل أو طلب إداري. غير أن المشهد في المغرب يظل مختلفا، إذ ما تزال وزارة الداخلية تعلن قبيل كل استحقاق انتخابي عن فترات استثنائية لتسجيل المواطنين، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى انسجام التحول الرقمي مع الممارسة الانتخابية.
هذا التباين، حسب متابعين، لا يرتبط بغياب الوسائل التقنية بقدر ما يعكس بطء تفعيلها على المستوى القانوني والمؤسساتي. فالمغرب أطلق بالفعل مشاريع استراتيجية قادرة نظريا على إحداث نقلة نوعية في تدبير المعطيات الشخصية، غير أن ترجمة هذه الإمكانيات إلى إصلاح شامل للمنظومة الانتخابية ما تزال محدودة. وتتداخل في هذا النقاش أبعاد متعددة، تتجاوز الجانب التقني إلى اختيارات قانونية وسياسية. فالقانون المغربي ما يزال يعتبر التسجيل في اللوائح الانتخابية عملا إراديا يعكس رغبة المواطن في المشاركة، وليس مجرد إجراء إداري تلقائي. هذا التصور، وإن كان منسجما مع فلسفة المشاركة الطوعية، يواجه تحديات في زمن أصبحت فيه الإدارة الرقمية قادرة على المبادرة بدل انتظار المواطن.
كما يبرز عامل الثقة كأحد المحددات الأساسية في هذا الملف، إذ يتطلب اعتماد التسجيل التلقائي قاعدة بيانات دقيقة ومحيّنة بشكل مستمر، خاصة فيما يتعلق بالعناوين ومحل الإقامة. وأي خلل في هذه المعطيات قد يفتح الباب أمام الطعن في نزاهة اللوائح الانتخابية، وهو ما يفسر حذر السلطات في الانتقال نحو هذا النموذج.
في المقابل، يرى عدد من المتتبعين أن استمرار العمل بنظام التسجيل الاستثنائي يعكس حالة من التردد بين نموذجين، نموذج إداري تقليدي قائم على المبادرة الفردية، وآخر رقمي حديث قائم على التكامل والتلقائية. هذا التردد، حسبهم، ينجم عنه كلفة واضحة تتمثل في تعقيد المساطر، وإمكانية عزوف بعض الفئات عن التسجيل، فضلا عن اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي الداعي إلى الرقمنة والممارسة الفعلية.
وأطلقت وزارة الداخلية المغربية عملية جديدة للتسجيل وطلبات تغيير مكاتب التصويت ضمن اللوائح الانتخابية العامة، وذلك خلال الفترة الممتدة من 15 أيار/مايو إلى 13 حزيران/ يونيو، في إطار الاستعدادات الجارية للاستحقاقات التشريعية المرتقبة الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس النواب يوم 23 أيلول/سبتمبر المقبل.
وفتحت هذه المرحلة الاستثنائية المجال أمام المواطنين المغاربة الذين سيبلغون سن 18 سنة يوم الاقتراع من أجل تسجيل أسمائهم لأول مرة، كما تتيح الفرصة للأشخاص الذين لم يسبق لهم التسجيل في اللوائح الانتخابية لتسوية وضعيتهم وضمان حقهم في المشاركة في العملية الانتخابية المقبلة، وفق وكالة الأنباء المغربية.
ولتسهيل المساطر الإدارية، وفرت وزارة الداخلية إمكانية إيداع الطلبات عبر البوابة الرسمية للانتخابات، إلى جانب تقديمها بشكل مباشر لدى المكاتب الإدارية المحلية، فيما خصصت السفارات والقنصليات المغربية بالخارج لاستقبال طلبات المغاربة المقيمين خارج البلاد.
وحسب المصدر المذكور، تشكل هذه العملية محطة أساسية لتحيين المعطيات الانتخابية وضبط القوائم بشكل نهائي قبل موعد الانتخابات، بما يضمن إعداد لوائح دقيقة تعكس المعطيات الحقيقية للهيئة الناخبة. وعقب انتهاء فترة استقبال الطلبات، ستباشر اللجان الإدارية المختصة دراسة الملفات المعروضة والبت فيها خلال الفترة الممتدة من 15 إلى 21 حزيران/يونيو، وفق المساطر القانونية المعمول بها.
وخلص المصدر المشار إليه إلى القول إن هذه المراجعة الاستثنائية تروم تعزيز شفافية المسلسل الانتخابي وضمان نزاهة الاستحقاقات التشريعية المقبلة، من خلال تحديث اللوائح الانتخابية وتوفير الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات في إطار من المصداقية واحترام القواعد الديمقراطية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *