بافليكوفسكي يرثي ألمانيا في «أرض الأجداد»



نسرين سيد أحمد

كان ـ «القدس العربي» من : ثمة مخرجون مقتصدون في أفلامهم، لا يستفيضون ولا يستطردون، ولكن في اقتصادهم هذا بلاغة تغني عن أي شرح أو تطويل. المخرج البولندي بافيل بافليكوفسكي واحد من هؤلاء. سينماه لا تشرح ولا تفيض، ولا تتشعب، بل تتحرك كما لو أنها تخشى أن تقول جملة زائدة تخل بالمعنى.
هذا الاقتصاد الثري الزاخر بالعمق والمغزى هو ما يقدمه بافليكوفسكي في فيلمه الجديد «أرض الأجداد»، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان في دورته التاسعة والسبعين (12 إلى 23 مايو/أيار الجاري).
في «أرض الأجداد»، يعود بافليكوفسكي إلى الأبيض والأسود، وإلى الشخصيات المنفية داخلياً وخارجياً، ليصنع فيلماً يبدو ظاهرياً كسيرة مقتضبة لعودة توماس مان الأديب الألماني الحائز جائزة نوبل في الأدب، إلى ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لكنه في العمق مرثية لأوروبا كلها، وللوطن حين يتحول إلى ذكرى حزينة مشوهة. الفيلم، الممتد لاثنين وثمانين دقيقة فقط، يحمل كثافة عاطفية وفكرية تجعل الزمن داخله يبدو أثقل بكثير. تدور الأحداث عام 1949، بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب العالمية الثانية، حين يعود مان، إلى ألمانيا للمرة الأولى منذ هروبه من النازية واستقراره في الولايات المتحدة. يعود لا كابن ضال، بل كشبح تقريباً. رجل يحمل جواز سفر أمريكياً، لكنه ما زال يُعامل بوصفه ضمير ألمانيا الثقافي، أو ما تبقى منه.

يؤدي هانس زيشلر شخصية توماس مان بتحفظ أنيق وقور يخفي ما يعتمل في الداخل. هو رجل يتحدث ببلاغة خطيب مفوه، ويعامل الكلمات التي سيلقيها في الاحتفالات التي أعدت على شرفه في ألمانيا، كما لو كانت نصاً أدبياً يعكف على مراجعته وصقله. لكنه يخفي وراء أناقته الرسمية خراباً داخلياً يصعب لمسه مباشرة. يجعل بافليكوفسكي مان شخصية عصية على الاقتراب، كما لو أن سنوات المنفى الطويلة حوّلته إلى كائن يعيش خلف طبقات من اللباقة والذكاء والانضباط. لكن الفيلم لا يكتفي بأن يرينا الجانب المتحفظ لشخصية مان، فنحن نرى لمحات من مشاعره الحقيقية إزاء ابنته إريكا مان، التي تؤديها ساندرا هولر، في أحد أكثر الأداءات ثراءً وتعقيداً في مسيرتها. هولر لا تحتاج هنا إلى الانفعالات الكبيرة. نظرة جانبية واحدة منها تكفي لتكشف التعب والحنق والحب والخذلان معاً. إريكا في الفيلم ليست مجرد ابنة ترافق والدها في رحلته من الولايات المتحدة عبر ألمانيا بشقيها الغربي والشرقي، بل امرأة منهكة من دورها الأبدي كمترجمة، ومساعدة لوالدها، وكوسيطة بين والدها وأخيها. إنها تدير حياة أبيها كما لو أنها دوماً يده اليمنى وقلبه النابض: تختار ربطة عنقه، ترتب لقاءاته، تحميه من الصحافيين، وتخفي عنه أحياناً قسوة العالم. لكن تحت هذا الانضباط يوجد حزن كثيف مصدره الأخ الغائب كلاوس مان.

منذ المشهد الأول، يضعنا بافليكوفسكي أمام عزلة كلاوس وانهياره. نراه في غرفة فندق رخيصة في جنوب فرنسا، جسد متعب، إبرة على الطاولة، ومكالمة هاتفية مع أخته تبدو كأنها استغاثة غير معلنة. هذا المشهد القصير يطارد الفيلم كله. كلاوس، الكاتب الموهوب والمدمن والمنهك، يحضر رغم غيابه، بل إن الفيلم يوحي تدريجياً بأن «الأزمة» الحقيقية ليست عودة توماس مان إلى ألمانيا، بل فشل الأب في رؤية ابنه، أو ربما عجزه عن إنقاذه، بل يوحي أيضاً أن أزمة ألمانيا الحقيقية هي أن لا مكان فيها لتمرد كلاوس وموهبته التي لا تقبل المهادنة. هنا يصبح «أرض الأجداد» أكثر من فيلم عن المنفى السياسي، إنه أيضاً فيلم عن الآباء الذين يلتهمهم مجدهم الشخصي إلى درجة تجعل أبناءهم يعيشون في ظلالهم حتى الاختناق. توماس مان، الذي يتحدث باسم الثقافة والإنسانية، يبدو عاجزاً عن مواجهة الألم الشخصي حين يقتحم حياته. وحين تصل الأخبار الكارثية المتعلقة بانتحار كلاوس، يختار الاستمرار في جولته الرسمية وخطاباته العامة، كأن التوقف للاعتراف بالحزن قد يؤدي إلى انهيار الصورة التي بناها حول نفسه. لكن بافليكوفسكي لا يحاكم شخصياته أخلاقياً بطريقة مباشرة. قوته تكمن في خلق المساحات الرمادية. توماس مان ليس خائناً، لكنه ليس بطلاً أيضاً. غادر ألمانيا لينجو، بينما بقي آخرون داخل الجحيم النازي. الفيلم يلتقط بذكاء ذلك التوتر الأخلاقي الذي ساد ألمانيا بعد الحرب: من يملك الحق في الحديث باسم البلاد؟ المنفي الذي نجا؟ أم من بقي وتحمل الكارثة؟ في أحد المشاهد يسأل صحافي ألماني مان لماذا لم يختر «الهجرة الداخلية»، أي البقاء بصمت داخل ألمانيا بدلاً من الرحيل. السؤال يحمل اتهاماً ضمنياً بالهروب، لكن الفيلم لا يمنحنا إجابة مريحة. فقط ذلك الرد البارد من مان: لو بقيت، لما كنت أتحدث إليكم الآن.

هذا التوتر السياسي يتضاعف مع انقسام ألمانيا نفسها. مان ينتقل بين الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي، بينما يحاول الطرفان استغلاله رمزياً. الغرب يريده شاهداً على انتصار الليبرالية، والشرق يريده أيقونة ثقافية لألمانيا الجديدة. لكنه يرفض الانتماء الكامل لأي جهة، ويتحدث عن الأدب كما لو أنه أعلى من الحدود والأيديولوجيات. غير أن الفيلم يطرح السؤال المؤلم: هل يمكن للفن حقاً أن يبقى محايداً بعد المآسي؟ بعد الحرب؟ بعد كل هذا الخراب؟
يبدو لنا في الفيلم أن النازية كأنها لم تختف فعلاً بسقوط هتلر، بل بدّلت جلدها فقط. ممثلون ومثقفون تعاونوا مع النظام يعودون إلى الحياة العامة بسهولة مقلقة، يتحدثون عن الماضي بخفة، أو يبررونه كضرورة مهنية. في أحد أقوى المشاهد تصفع إريكا زوجها السابق، الممثل المتعاون مع النازيين، بعد أن يحاول التودد إليها في إحدى الحفلات. الصفعة هنا ليست انفعالاً شخصياً فقط، بل إدانة تامة لمثل تلك الشخصيات المتلونة التي تغير جلدها وانتماءها مع تغير النظام.
بصرياً، يواصل بافليكوفسكي بناء عالمه الخاص الذي أصبح يمكن تمييزه فوراً. الأبيض والأسود هنا ليس خياراً جمالياً فقط، بل جزء من المعنى نفسه. يبدو الأبيض والأسود جزءا لا يتجزأ من حال ألمانيا بعد الحرب: مبانٍ مهدمة، طرقات ما زال الركام والحطام يتجمع على جانبيها، مدن مدمرة جزئياً، محطات قطار، قاعات استقبال باردة، مدن مدمرة جزئياً، وبلد منقسم لا يعرف وجهته.

للصمت دور كبير في الفيلم، فرغم خطابات مان الرصينة في حفلات تكريمه، إلا أن أكثر لحظاته تأثيراً تأتي من الصمت لا من الحوار. بافليكوفسكي يعرف أن الألم الحقيقي غالباً لا يُقال. يكفي أن نرى إريكا جالسة وحدها في سيارة، أو واقفة في ممر فندق كي نفهم حجم الإنهاك النفسي الذي تحمله. وحين تصل الموسيقى أخيراً، خصوصاً موسيقى باخ في المشاهد الأخيرة، لا تأتي بوصفها خلاصاً، بل كنوع من العزاء المؤقت، أو كلحظات يميط فيها مان قناع الرصانة والصلابة عن وجهه ليكشف ولو للحظات هشاشته وحزنه.
ما يجعل «أرض الأجداد» فيلماً مؤثراً إلى هذا الحد هو أنه لا يتحدث فقط عن ألمانيا 1949، بل عن معنى الوطن نفسه، حين يختفي ذلك الوطن بصورته التي كنا نعرفها أو حين يصبح كائناً مشوهاً لا يشبهنا. الوطن هنا ليس بقعة أرض أو تقسيم على خريطة، بل لغة، وذاكرة، وأشخاص رحلوا، وثقافة تلوثت بالعنف. يعود مان إلى ألمانيا، لكنه يدرك تدريجياً أن البلد الذي يكتب مؤلفاته بلغته قد اختفى. وربما يدرك أيضاً أنه هو نفسه أصبح غريباً عنه إلى الأبد.
«أرض الأجداد» فيلم مكثف للغاية، موجز في مدته، لكنه يحمل داخله تاريخاً كاملاً من الفقد والخيبة والأسئلة الأخلاقية. فيلم مشغول بموهبة مخرج مبدع، ومؤدى بحزن رصين، ويؤكد مرة أخرى أن بافليكوفسكي من أكثر المخرجين قدرة على تحويل الصمت والإيجاز إلى لغة كاملة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *