انقلاب حفتر على عقيلة صالح… من أسقط حليف السنوات الطويلة ولماذا الآن؟


لندن- “القدس العربي”: لم يكن خروج عقيلة صالح من رئاسة مجلس النواب الليبي، مجرد تبديل لرئيس برلمان بقي في منصبه اثني عشر عاما، بقدر ما بدا مؤشرا على تبدل أعمق في موازين القوة داخل معسكر شرق ليبيا نفسه، وعلى إعادة رسم حدود النفوذ بين السياسي والعسكري في منطقة ظلت طوال سنوات تقوم على معادلة دقيقة، قوامها أن خليفة حفتر يملك القوة المسلحة، بينما يوفر عقيلة صالح الغطاء السياسي والمؤسسي.

هذه المعادلة، التي صمدت أمام الحروب والانقسامات والتسويات المتعثرة، بدأت تتصدع خلال الأشهر الأخيرة، قبل أن تصل إلى ذروتها مطلع أكتوبر، حين دخل حفتر شخصيا على خط الأزمة داخل مجلس النواب واجتمع في بنغازي بعشرات النواب المعارضين لعقيلة صالح، ثم لم تمض سوى أيام حتى تغيرت رئاسة المجلس بالكامل.

لكن التوقيت يجعل القصة أكبر من مجرد خلاف بين عقيلة ونواب ناقمين على إدارته. فإزاحته جاءت في لحظة تتحرك فيها أكثر من مبادرة لإعادة تشكيل السلطة الليبية، من اتفاق لجنة “4+4” الذي رعته بعثة الأمم المتحدة، إلى تحركات أمريكية موازية يقودها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، وتتركز جميعها، وإن اختلفت آلياتها، حول سؤال السلطة التنفيذية الموحدة وإنهاء الانقسام.

لم يقل حفتر صراحة إنه يريد إزاحة عقيلة، ولم يصدر عنه موقف معلن يعلن نهاية تحالف الرجلين، لكنه استقبل الكتلة البرلمانية التي كانت تقود تحركا لتغيير رئاسة المجلس

لم يقل حفتر صراحة إنه يريد إزاحة عقيلة، ولم يصدر عنه موقف معلن يعلن نهاية تحالف الرجلين، لكنه استقبل الكتلة البرلمانية التي كانت تقود تحركا لتغيير رئاسة المجلس، ثم ترك لها مساحة التحرك داخل بنغازي من دون أن يستخدم نفوذه الواسع لمنع الخطوات التي انتهت بإقصاء أحد أقدم حلفائه السياسيين، وهو ما يجعل من الصعب النظر إلى ما جرى باعتباره شأنا برلمانيا داخليا فقط.

ففي الأول من أكتوبر، استقبل حفتر في بنغازي مجموعة كبيرة من أعضاء مجلس النواب كانوا يقودون منذ أسابيع تحركا لتغيير آلية إدارة المجلس وتحديد مدة رئاسته، وتحدثت تقارير عن حضور عشرات النواب المعارضين لعقيلة، فيما جرى خلال اللقاء بحث الأزمة داخل المجلس ومسألة إصلاح آليات عمله.

وكان هؤلاء النواب قد حاولوا قبل ذلك عقد جلسات لمناقشة تعديلات داخلية، كما وقّع عدد منهم بيانات تنتقد طريقة إدارة عقيلة للجلسات والقرارات، لكن تحركهم بقي محدود التأثير إلى أن دخل حفتر على الخط، وبعد أيام قليلة فقط انتقل الصراع من البيانات والاعتراضات إلى التصويت.

ففي جلسة عقدت في بنغازي، وافق النواب على نظام جديد يحدد مدة رئاسة المجلس ونائبيه، قبل أن يمضوا إلى انتخاب الصالحين عبد النبي العبيدي رئيسا جديدا، إلى جانب طارق الأشتر ومصباح دومة نائبين له، في خطوة أعلنت عمليا نهاية مرحلة عقيلة صالح على رأس البرلمان بالنسبة إلى الكتلة التي دفعت باتجاه تغييره.

عقيلة رفض المسار منذ بدايته، واعتبر الإجراءات غير قانونية ولا يترتب عليها أثر، لتتحول القضية من خلاف داخلي إلى صراع على شرعية رئاسة المجلس نفسه.

لكن لماذا الآن؟

قبل أسابيع فقط من سقوط عقيلة، كان الرجل نفسه يترأس جلسة أقر فيها مجلس النواب الاتفاق النهائي للجنة الحوار المصغر “4+4″، الذي وقّع في طرابلس برعاية بعثة الأمم المتحدة، ويهدف إلى معالجة بعض العقبات القانونية والمؤسسية أمام الانتخابات، مع الدفع نحو سلطة تنفيذية موحدة واستكمال الاستحقاقات الانتخابية.

غير أن المسار لم يحظ بالإجماع نفسه في غرب البلاد، إذ صوت المجلس الأعلى للدولة على رفض مخرجات “4+4”، معتبرا أن الاتفاق لا يحظى بالتوافق الوطني الكافي ولا يستند، وفق موقفه، إلى أساس دستوري وقانوني مناسب.

وهنا يصبح التوقيت لافتا. فعقيلة الذي قاد مجلس النواب إلى اعتماد “4+4” خرج من موقعه بعد أسابيع قليلة، بينما كانت الخلافات حول المسار نفسه تتسع، وكانت واشنطن تتحرك بالتوازي في اتجاه صيغة أخرى لتوحيد المؤسسات والسلطة.

الولايات المتحدة تقول إن تحركها، الذي يقوده مسعد بولس، لا ينافس المسار الأممي بل يكمله. لكن تقارير تحدثت عن اتصالات أمريكية مكثفة مع صدام حفتر وشخصيات من دائرة عبد الحميد الدبيبة، وعن تصورات لتفاهم أوسع بشأن تقاسم السلطة وتوحيد المؤسسات، من دون الإعلان حتى الآن عن اتفاق نهائي أو صيغة رسمية مكتملة.

تقارير تحدثت عن اتصالات أمريكية مكثفة مع صدام حفتر وشخصيات من دائرة عبد الحميد الدبيبة، وعن تصورات لتفاهم أوسع بشأن تقاسم السلطة وتوحيد المؤسسات

وفي قلب هذه التحركات يقف ملف الدبيبة نفسه. فمجلس النواب سبق أن أعلن سحب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية، ولا يزال يعتبر أن ولاية حكومة الدبيبة انتهت، بينما تتمسك الحكومة في طرابلس بأنها مستمرة إلى حين تسليم السلطة لحكومة منتخبة. ومع عودة الحديث عن سلطة تنفيذية موحدة، يصبح السؤال عن مصير الدبيبة جزءا أساسيا من أي تسوية قادمة، سواء عبر المسار الأممي أو التفاهمات الدولية الموازية.

فهل يجري ترتيب المؤسسة التشريعية في الشرق قبل الدخول في صفقة أكبر بشأن الحكومة المقبلة؟

لا توجد حتى الآن معطيات معلنة تسمح بالقول إن إبعاد عقيلة أو التحركات الرامية لإنهاء حكومة الدبيبة جزء من اتفاق أمريكي مكتوب، لكن تزامن المسارات يفتح الباب أمام هذا الاحتمال كقراءة سياسية لا كحقيقة محسومة.

فالولايات المتحدة تدفع منذ أشهر باتجاه توحيد مؤسسات الدولة، وتصف مبادرتها بأنها مكملة لخارطة الطريق الأممية. وفي الوقت نفسه، تركز التفاهمات المتداولة على خلق صيغة قادرة على الجمع بين مراكز القوة الرئيسية في الشرق والغرب داخل ترتيب واحد. وهنا قد تصبح إعادة تشكيل مجلس النواب خطوة مهمة، لأن أي حكومة موحدة مقبلة ستحتاج إلى غطاء تشريعي وقرارات تتعلق بمنح الثقة أو سحبها أو اعتماد الترتيبات السياسية الجديدة.

وفي هذه المعادلة، قد يكون عقيلة أقل ملاءمة لحفتر من رئيس برلمان جديد أكثر قربا من موازين القوة التي تشكلت داخل الشرق.

فعقيلة لم يكن مجرد رئيس لمؤسسة تشريعية، بل مثل طوال سنوات الانقسام واحدا من أهم الأعمدة السياسية للمعسكر الذي يقوده حفتر. وفر مجلس النواب غطاء سياسيا للكثير من تحركات قوات حفتر، فيما مثل عقيلة واجهة تفاوضية مقبولة إقليميا ودوليا، خصوصا بالنسبة إلى مصر.

وكانت القاهرة واحدة من أهم ساحات حركة عقيلة الخارجية، وحافظ الرجل طوال سنوات على علاقات وثيقة مع مؤسسات الدولة المصرية، كما لعب دورا أساسيا في إبقاء شرق ليبيا داخل دائرة النفوذ السياسي المصري، وهو ما منحه ثقلا مستقلا، إذ لم يكن مجرد رجل داخل معسكر حفتر، بل صاحب شبكة علاقات إقليمية خاصة به.

لكن خريطة علاقات شرق ليبيا الخارجية لم تعد كما كانت، إذ تسارعت خلال الفترة الأخيرة بصورة واضحة وتيرة التقارب بين معسكر حفتر وتركيا، وبات صدام حفتر أحد أبرز وجوه هذا التحول.

انتقل صدام من موقع عسكري محلي إلى واجهة تتحرك في ملفات سياسية وأمنية ودبلوماسية، وشارك في سلسلة من اللقاءات مع مسؤولين أتراك، سواء داخل بنغازي أو خلال زيارات إلى أنقرة، فيما توسعت اتصالات معسكر والده مع تركيا بصورة كان يصعب تصورها خلال حرب طرابلس.

هذا التحول لا يعني انتقال حفتر من المحور المصري إلى المحور التركي، ولا يعني وجود قطيعة مع القاهرة، لكنه يكشف أن شرق ليبيا لم يعد يعتمد على بوابة سياسية واحدة في علاقاته الخارجية

هذا التحول لا يعني انتقال حفتر من المحور المصري إلى المحور التركي، ولا يعني وجود قطيعة مع القاهرة، لكنه يكشف أن شرق ليبيا لم يعد يعتمد على بوابة سياسية واحدة في علاقاته الخارجية، وهنا تتراجع قيمة عقيلة داخل المعادلة مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات.

ففي السابق، كان عقيلة أحد أهم مفاتيح الشرعية الخارجية بالنسبة إلى حفتر، باعتباره رئيس برلمان يتحرك بين العواصم ويتحدث باسم المؤسسة التشريعية ويوفر غطاء سياسيا لتحركاته. أما اليوم، فقد بات أبناء حفتر أنفسهم يمتلكون قنوات مباشرة مع عواصم إقليمية ودولية، وتحول صدام تحديدا إلى واحد من أبرز المتحركين باسم معسكر والده خارج ليبيا.

ومع توسع هذه القنوات، تقل الحاجة إلى وسيط سياسي قوي ومستقل بحجم عقيلة، خصوصا أن الرجل احتفظ بهامش خاص في ملفات الحكومات والانتخابات والتسويات الدستورية، وحافظ على علاقة قوية ومستقلة مع القاهرة.

كما أن الرئيس الجديد الصالحين العبيدي سبق أن ترأس لجنة الصداقة الليبية التركية في مجلس النواب، وهي إشارة لا تكفي وحدها للحديث عن دور تركي في إبعاد عقيلة، لكنها تصبح ذات معنى سياسي في اللحظة التي تتوسع فيها علاقة معسكر حفتر بأنقرة.

فهل يخسر عقيلة موقعه لأن حفتر لم يعد يحتاج إلى بوابته المصرية، أم لأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى برلمان أكثر انسجاما مع ترتيبات دولية جديدة؟

قد يكون الجواب مزيجا من الاثنين. فإبعاد عقيلة يمنح حفتر فرصة للتخلص من أحد آخر مراكز القوة السياسية المستقلة في الشرق، ويزيد قدرته على التأثير في المؤسسة التشريعية في لحظة يجري فيها التفاوض على السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات، كما يفتح المجال بصورة أوسع أمام صعود أبنائه، وعلى رأسهم صدام، إلى المجال السياسي.

وفي الوقت ذاته، فإن وجود برلمان أكثر انسجاما مع حفتر قد يصبح ورقة شديدة الأهمية إذا انتقلت المبادرات الدولية من مرحلة المشاورات إلى مرحلة إعادة تشكيل السلطة، ولا سيما إذا أصبح إنهاء حكومة الدبيبة أو استبدالها بحكومة موحدة جزءا من تسوية شاملة.

“انقلاب حفتر” على عقيلة، إذا قرئ من زاوية المصالح لا التصريحات، قد يكون أكثر من تصفية حساب مع حليف قديم. فقد يكون جزءا من استعداد مبكر لمرحلة تريد فيها عائلة حفتر الإمساك بمفاتيح القرار العسكري والسياسي معا

ومع ذلك، سيكون من المبكر القول إن ما يحدث هو تنفيذ مباشر لخطة أميركية، فالولايات المتحدة لم تعلن اتفاقا نهائيا بشأن شكل الحكومة المقبلة، كما أن اتفاق “4+4” نفسه يواجه الآن رفض المجلس الأعلى للدولة، ما يعني أن الطريق إلى أي سلطة موحدة ما زال محفوفا بالصراع بين المؤسسات الليبية نفسها.

لكن ما يمكن قوله إن سقوط عقيلة جاء في لحظة لم تعد فيها قواعد اللعبة القديمة صالحة كما كانت. فالنواب المعارضون له موجودون منذ سنوات، ومحاولات تغيير رئاسته ليست جديدة، لكن الجديد أن حفتر استقبلهم، وأن التحرك جرى داخل مناطق نفوذه، وأنه انتهى هذه المرة إلى تغيير فعلي في رئاسة المجلس، بالتزامن مع سباق دولي لإعادة رسم شكل السلطة الليبية.

ولهذا فإن “انقلاب حفتر” على عقيلة، إذا قرئ من زاوية المصالح لا التصريحات، قد يكون أكثر من تصفية حساب مع حليف قديم. فقد يكون جزءا من استعداد مبكر لمرحلة تريد فيها عائلة حفتر الإمساك بمفاتيح القرار العسكري والسياسي معا، والدخول إلى أي تسوية أمريكية أو أممية مقبلة من موقع يضمن لها أن يكون البرلمان جزءا من أوراقها، لا مركز قوة مستقلا عنها.

وهل يكون إسقاط عقيلة الخطوة الأولى قبل معركة أكبر عنوانها: من يحكم ليبيا بعد الدبيبة؟

هذا هو السؤال الذي يجعل قصة رئاسة البرلمان تتجاوز حدود بنغازي، وتمتد إلى القاهرة وأنقرة وواشنطن وطرابلس، حيث يعاد اليوم رسم شبكة التحالفات التي قد تحدد شكل السلطة الليبية المقبلة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *