القاهرة – “القدس العربي”: تتواصل في مصر تداعيات القبض على ستة صحافيين من فريق منصة “متصدقش”، وسط انتقادات حقوقية للاتهامات الموجهة إليهم، بالتزامن مع استعداد الحكومة لعقد “منتدى مصر 2026” لاستعراض ما تعتبره إنجازات حققتها خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية، منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم عام 2014.
عشر نقاط قانونية
وانتقدت “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” بيان النيابة العامة بشأن القضية، معتبرة أنه “يتجاهل انتهاكات تعرض لها الصحافيون عقب القبض عليهم، ويحوّل إجراءات مرتبطة بعملهم المهني إلى قرائن اتهام بالإرهاب وتلقي تمويل من الخارج”.
وقالت، في بيان، إنها أعدت تعقيباً يتضمن عشر نقاط قانونية وحقوقية، مشيرة إلى أن الصحافيين الستة لم يمثلوا أمام النيابة إلا بعد خمسة أيام من القبض عليهم، مُنعوا خلالها من التواصل مع أسرهم ومحاميهم، رغم تقديم 18 بلاغاً بشأن اختفائهم.
وانتقدت قرار التحفظ على الصحافيين استناداً إلى مادة استثنائية في قانون مكافحة الإرهاب، معتبرة أن النيابة لم توضح طبيعة الخطر الإرهابي الذي استدعى حرمانهم من المثول أمام جهة قضائية خلال 24 ساعة من القبض عليهم.
كما أشارت إلى أن بيان النيابة لم يتطرق إلى انتهاك حق الصحافيين في معرفة أسباب احتجازهم والتواصل مع ذويهم والاستعانة بمحامٍ، لافتة إلى أن الاتهامات المعلنة لم تتضمن تحديد خبر أو تقرير بعينه نشرته المنصة وثبت كذبه، رغم التحقيقات المطولة التي أجرتها نيابة أمن الدولة العليا معهم.
واعتبرت أن ما أورده بيان النيابة بشأن إبراز أوجه القصور في مؤسسات الدولة وانتقاد أداء المسؤولين وتسليط الضوء على المشكلات الداخلية، يعزز مخاوفها من ارتباط الاتهامات بممارسة الصحافيين عملهم المهني.
وانتقدت كذلك اعتبار العقود المهنية والمستحقات الشهرية التي يتلقاها الصحافيون، إلى جانب مشاركتهم في مجموعات إلكترونية لتنسيق العمل، أدلة على تلقي تمويل أجنبي أو التورط في الإرهاب.
وفيما يتعلق بادعاءات التعذيب وسوء المعاملة والتهديد والإكراه، قالت المبادرة إن النيابة اكتفت بالإشارة إلى عدم وجود إصابات ظاهرة، رغم أن ذلك لا ينفي، في حد ذاته، تعرض الصحافيين لما أبلغوا عنه. وانتقدت عدم التحقيق معهم باعتبارهم مجنيّاً عليهم في بلاغات التعذيب، أو استدعاء الضباط المشكو في حقهم لسماع أقوالهم.
كما أشارت إلى أقوال الصحافيين بشأن إجبارهم على تسجيل اعترافات وصفتها بأنها ملفقة، مطالبة بالإفراج الفوري عنهم، وحفظ القضية وإسقاط الاتهامات، والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
وتأسست المنصة عام 2018 بهدف التحقق من تصريحات المسؤولين وتفنيد المعلومات المتداولة، وعملت بصورة علنية لسنوات، واكتسبت حضوراً مهنياً من خلال تغطيتها قضايا الشأن العام في مصر.
وكان مراقبون قد ربطوا بين اعتقال صحافيي “متصدقش” واستعداد الحكومة لاستعراض إنجازاتها.
ودعا حزب التحالف الشعبي الاشتراكي إلى مراجعة حصيلة السياسات الحكومية منذ عام 2014، بالتزامن مع الاستعداد لإقامة “منتدى مصر 2026”.
وقال الحزب، في بيان، إن تقييم الإنجازات لا ينبغي أن يقتصر على عدد المشروعات المنفذة أو حجم الأموال التي أُنفقت، وإنما يجب أن يشمل أثرها الفعلي في حياة المواطنين، ومدى إسهامها في تحسين المعيشة وتوفير فرص العمل وتطوير الخدمات العامة وتعزيز الإنتاج الوطني واستقلال القرار الاقتصادي والسياسي.
وأضاف أن استمرار الضغوط المعيشية وتزايد أعباء الديون وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب أوجه القصور في الخدمات العامة، تطرح تساؤلات بشأن أولويات الإنفاق وتوزيع عوائد التنمية وأعبائها.
دعا حزب التحالف الشعبي الاشتراكي إلى مراجعة حصيلة السياسات الحكومية منذ عام 2014، بالتزامن مع الاستعداد لإقامة “منتدى مصر 2026”
وأكد الحزب أن تقييم السياسات الاقتصادية يرتبط أيضاً بآليات اتخاذ القرار، ومدى إتاحة المشاركة الشعبية والرقابة والمساءلة، وطبيعة العلاقات الاقتصادية الدولية وشروط التمويل والاستثمار والتبادل التجاري.
ولفت إلى أن السنوات الممتدة من 2014 إلى 2026 شهدت مشروعات واستثمارات وتغيرات في مجالات عدة، لكنه شدد على ضرورة تحديد معيار واضح للإنجاز: هل يقاس بعدد المشروعات وحجم الإنفاق ومعدلات النمو، أم بقدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير وتوفير فرص العمل، وبما يلمسه المواطن في دخله وتعليمه وصحته ومسكنه؟
ورأى أن تنفيذ المشروعات لا يعني بالضرورة تحقيق إنجاز اجتماعي إذا تجاوزت تكلفتها وأعباؤها العائد على المجتمع، كما أن النمو الاقتصادي لا يكفي إذا لم تنعكس ثماره على غالبية المواطنين.
وأعلن الحزب إطلاق سلسلة بعنوان “إنجازات ومنجزات أم إخفاقات وتفريط؟”، تستهدف قراءة حصيلة اثني عشر عاماً من السياسات الحكومية من خلال مقارنة الإعلانات الرسمية بالبيانات المتعلقة بالدين والإنتاج والتجارة والأجور والفقر والتعليم والصحة والنقل والاستثمار وتوزيع الثروة.
وشدد على أن الهدف هو فتح نقاش بشأن نتائج السياسات الحكومية، لا إنكار ما تحقق أو الاكتفاء بشعارات الرفض، مؤكداً أن معيار الإنجاز الحقيقي يتمثل في أثره على حياة المواطنين وقدرته على بناء اقتصاد أكثر إنتاجاً وعدالة.
واختار الحزب أن تبدأ السلسلة بملف السيادة الوطنية، متسائلاً عن مدى استقلال القرار الوطني في تحديد أولويات الدولة وسياساتها.
وقال إن السيادة لا تقتصر على امتلاك القرار السياسي وحماية الحدود، بل تشمل القدرة الاقتصادية على اتخاذ القرار، وعدم تحول الديون والاحتياجات التمويلية والضغوط الخارجية إلى عوامل تحدد هامش حركة الدولة.
ولفت إلى أن الاقتصاد المصري شهد، منذ عام 2014، تغييرات واسعة في السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية، بالتزامن مع برامج تمويل واتفاقات مع مؤسسات دولية، في مقدمتها صندوق النقد الدولي، وقدمت الحكومات هذه السياسات باعتبارها ضرورية للإصلاح والاستقرار وجذب الاستثمار.
وطرح الحزب تساؤلات بشأن ما إذا كانت هذه السياسات قد عززت قدرة الدولة على الاختيار، أم إن تزايد الاحتياجات التمويلية وخدمة الدين ضيّقا مساحة القرار الاقتصادي.
وشدد على أن القضية لا تتعلق برفض الاقتراض في حد ذاته، وإنما بكيفية استخدامه والعائد المتحقق منه، وما إذا كان يخلق قدرات إنتاجية جديدة تمكّن الدولة من سداد التزاماتها، أم يذهب جزء متزايد من الموارد إلى تغطية أعباء الدين.
واستند الحزب إلى أرقام موازنة العام المالي 2026/2027، التي تشير، وفق البيانات الواردة في السلسلة، إلى فوائد دين تبلغ نحو 2.420 تريليون جنيه، وسداد قروض بنحو 2.808 تريليون جنيه، بإجمالي يقارب 5.23 تريليونات جنيه.
وبالمقارنة مع إجمالي استخدامات الموازنة البالغ نحو 8.176 تريليونات جنيه، تمثل الفوائد وسداد القروض نحو 64% من الاستخدامات، وفق الحسابات الواردة في السلسلة.
واعتبر الحزب أن هذه الأرقام تبرز حجم الضغوط التي يفرضها الدين على قدرة الموازنة على توجيه الموارد إلى الخدمات والاستثمار والتنمية الاجتماعية، متسائلاً عن حجم الموارد المتبقية لتمويل احتياجات المواطنين وبناء المستقبل بعد الوفاء بالالتزامات السابقة.
وربط بين استقلال القرار الاقتصادي والقدرة على تدبير العملة الأجنبية، وتقليل الاعتماد على الاقتراض والتمويل الخارجي، معتبراً أن زيادة أعباء الدين تضيق المساحة المتاحة أمام الدولة لتحديد أولوياتها بعيداً عن الضغوط التمويلية.
وفي ملف الإنتاج والتجارة الخارجية، أشار الحزب إلى أن الصادرات السلعية المصرية بلغت نحو 40.2 مليار دولار في العام المالي 2024/2025، مقابل واردات بقيمة 91.2 مليار دولار، بعجز تجاري بلغ نحو 51 مليار دولار.
الأرقام لا تكفي
وبين أن هذه الأرقام لا تكفي وحدها للحكم على أداء السياسة الاقتصادية، لأن الاقتصادات النامية تحتاج إلى استيراد الآلات ومدخلات الإنتاج والسلع الضرورية، لكنها تطرح تساؤلات بشأن قدرة الاقتصاد على زيادة الإنتاج والصادرات وتقليص العجز التجاري على المدى الطويل.
اختتم الحزب رؤيته بالتأكيد على أن مراجعة السيادة الوطنية لا تتعلق فقط بمن يمتلك القرار رسمياً، بل بمدى قدرة الدولة على اتخاذه وتنفيذه وتحمل تكلفته
وأكد أن الاقتصاد المستقل ليس اقتصاداً منغلقاً، وإنما اقتصاد قادر على التعامل مع العالم من موقع إنتاجي أقوى، من خلال زيادة الصادرات، وتطوير الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، وتعزيز القيمة المضافة المحلية، وتوفير العملة الأجنبية من النشاط الاقتصادي الحقيقي.
واختتم الحزب رؤيته بالتأكيد على أن مراجعة السيادة الوطنية لا تتعلق فقط بمن يمتلك القرار رسمياً، بل بمدى قدرة الدولة على اتخاذه وتنفيذه وتحمل تكلفته، في ضوء قدرتها الإنتاجية ومواردها الفعلية وحجم التزاماتها المالية.