ستشهد إسبانيا يوم 29 نوفمبر المقبل انتخابات مبكرة، وهي انتخابات ذات أهمية كبرى، سواء للقارة الأوروبية، بسبب تقدم اليمين القومي المتطرف، أو للجوار الجنوبي، خاصة مستقبل العلاقات مع كل من المغرب والجزائر، التي تتميز عادة بالتوتر. علاوة على قضايا إنسانية – سياسية مثل القضية الفلسطينية، حيث كان رئيس الحكومة بيدرو سانشيز من أهم داعمي الفلسطينيين دوليا.
ومن الناحية السياسية، يعتبر قرار رئيس الحكومة بيدرو سانشيز الدعوة إلى انتخابات مبكرة قرارا صائبا، وهو ما يظهر في ترحيب اليمين واليسار بها. ذلك أن البلاد تعيش توترا سياسيا منذ أكثر من سنتين، وبدأ يهدد الاستقرار الاجتماعي ويخل ببعض أسس البلاد، نتيجة ممارسات صادرة عن اليمين القومي المتطرف «فوكس»، لا تحترم الشرعية السياسية. كما أن تورط مقربين من رئيس الحكومة في قضايا فساد فاقم من التوتر، فقد صدر حكم ضد شقيق رئيس الحكومة بسبب شغل منصب عمل، من دون أن يستحقه، وتنتظر زوجة الرئيس محاكمة بسبب استعمال النفوذ، علاوة على الحكم على وزير في حكومته بالسجن 24 سنة بسبب الفساد والاختلاس، وتوجد ملفات أخرى. وانضاف إلى كل هذا، التحقيق في تهم فساد ضد رئيس الحكومة الأسبق الاشتراكي خوسي لويس رودريغيث سبتيرو، الذي يعتبر المرجع السياسي والأخلاقي لسانشيز.
وبالتالي، من المناسب جدا في مثل هذه الظروف الشائكة الرهان على حلين، الأول وهو مقترح حجب الثقة عن الحكومة، تتقدم به المعارضة، والحل الثاني هو الكلاسيكي، من خلال الدعوة إلى انتخابات مبكرة والعودة إلى صناديق الاقتراع لحماية الديمقراطية وضمان ممارسة السياسة في ظروف أحسن، ولاكتساب شرعية جديدة، سواء وصلت المعارضة، أو فاز في الانتخابات الحزب الحاكم. وجاءت دعوات الانتخابات المبكرة من أطراف متعددة، منها أسماء وازنة وتاريخية في الحزب الاشتراكي الحاكم مثل رئيس الحكومة الأسبق فيليبي غونثالث، ومالت وسائل إعلام ذات ثقل إلى هذا الحل مثل جريدة «الباييس» المعروفة بتوجهها التقدمي. في حين جعل اليمين المتطرف، ولاحقا اليمين المحافظ من الدعوة إلى الانتخابات المبكرة ركيزة أساسية في نشاطهم السياسي طيلة الشهور الماضية، ووصل الأمر إلى مستوى «حرب العصابات السياسية» في الشارع، بكثرة التظاهرات الاحتجاجية في الساحات العمومية التي دعوا إليها، والاعتصامات أمام مقر الحزب الاشتراكي الحاكم.
يتابع المغرب والجزائر الانتخابات الإسبانية باهتمام كبير، ذلك أن قضايا علاقات مدريد مع البلدين، بسبب ملفات مثل الهجرة والصحراء والغاز وسبتة ومليلية، ستكون حاضرة فيها
وبهذا، راهن سانشيز على الانتخابات المبكرة، وكان صائبا في كلامه وهو يخاطب الشعب الإسباني صباح الاثنين: «لقد حان الوقت لكي تقرروا أنتم، أيها الإسبان، ما هو المستقبل الذي تريدونه». وطلب من الشعب منحه أغلبية في البرلمان، لكي يستمر في سياسته الاجتماعية ولمنع الطريق أمام اليمين. وهذا يعتبر صعبا في ظل قوة اليمين المتصاعدة، لا سيما فوكس المتطرف. وعليه، فإن الشعب الإسباني أمام خيارين: التصويت على الأحزاب اليسارية، أو التصويت على الأحزاب اليمينية. وبهذا، ليلة 29، سيتضح هل سيحافظ الإسبان على إسبانيا التقدمية التي تميل إلى اليسار، أم أن إسبانيا ستلتحق بركب الدول التي تحكمها أحزاب يمينية، وبعضها متطرف، مثل حالة إيطاليا، أو تقدم اليمين فيها. وهنا تأخذ هذه الانتخابات أهميتها القصوى وبعدها الاستراتيجي، ذلك أن خسارة اليسار في إسبانيا ستجعل البلاد تميل إلى اليمين، وسيصبح جنوب البحر الأبيض المتوسط كله يمينيا، في ظل تقدم اليمين في فرنسا ووجود اليمين في إيطاليا.
وفي بعد دولي آخر لهذه الانتخابات، وحول الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، تتابع دولها، خاصة المغرب والجزائر، هذه الانتخابات باهتمام كبير، إلى مستوى القول إنها تجري بنكهة مغاربية. ذلك أن قضايا علاقات مدريد مع البلدين، بسبب ملفات مثل الهجرة والصحراء والغاز وسبتة ومليلية، ستكون حاضرة بقوة في الحملة الانتخابية. في هذا الصدد، قد ترى الجزائر في رحيل سانشيز وعودة اليمين إلى الحكم فرصة لتعزيز العلاقات، ذلك أن قيادات اليمين دافعت عن العلاقات مع الجزائر إبان أزمة هذا البلد مع إسبانيا خلال السنوات الأخيرة. وعادة، ما تكون علاقات الجزائر مع قيادة يمينية في رئاسة الحكومة في مدريد ممتازة، وتسجل تراجعا في حالة وصول اليسار إلى رئاسة الحكومة. ووقع هذا مع حكومة سبتيرو بين سنتي 2004 و2011، وتكرر مع حكومة سانشيز بين سنتي 2018 و2026. في المقابل، انتعشت مع رئيس الحكومة اليمينية الأسبق خوسي ماريا أثنار ومع ماريانو راخوي بين 2011 و2018 .
ومن دون شك، ينظر المغرب إلى هذه الانتخابات بقلق، فمن جهة، يعتقد أنه من ضمن الأسباب التي دعت إلى انتخابات مبكرة، هو ما ترتب من مواجهة وسط الدولة الإسبانية بشأن مأساة سبتة يوم 30 يوليو، عندما اقتحم سبتة ما بين 70 ألفا و80 ألف شخص، أغلبهم مغاربة، وبحصيلة ضحايا كبيرة بلغت 141 غريقا ومفقودين. لقد اعتبرت الدولة العميقة في هذا البلد الأوروبي، أن إسبانيا تعرضت لـ»حرب هجينة» من طرف المغرب، ولم يكن سانشيز في مستوى مواجهة سلطات الرباط. وانضم ملك إسبانيا فيليبي السادس إلى جناح الصقور في الدولة العميقة، وتعمد نسبيا إظهار عدم موافقته على قرارات سانشيز بشأن سبتة المحتلة. نظريا، يمكن القول إنه في حالة خسارة سانشيز، سيكون المغرب من أكبر الخاسرين، لأنه أول رئيس حكومة إسبانية يقترب من الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، بتأكيده على الحكم الذاتي كمرجع أمثل وأوحد لحل نزاع الصحراء. وعمليا، يتفاقم قلق المغرب جراء موقف زعيم المعارضة، الأمين العام للحزب الشعبي نونييث فيخو، الذي أرسل رسالة إلى رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش، يؤكد له فيها أنه سيتراجع عن موقف سانشيز من الصحراء في حالة وصوله إلى رئاسة الحكومة. كما أن هذا القلق مرده دور الحزب الشعبي المعارض في البرلمان الأوروبي خلال الشهر الماضي، عندما دفع رفقة فوكس بهذه الهيئة التشريعية إلى إصدار بيان يوم 17 سبتمبر 2026 ينص على اعتبار اقتحام سبتة حربا هجينة، وأنه لا يحق للمغرب التشكيك في سيادة إسبانيا على سبتة ومليلية المحتلتين. لكن يبقى هذا القلق نسبيا في حالة استحضار غلبة البراغماتية عند وصول أي سياسي إلى الحكم، حيث يتخلى عن بعض الوعود، لا سيما تلك التي لا تمس ناخبيه مباشرة. ومن دون شك، يسود القلق وسط الأصوات الحرة، خاصة في العالم العربي، وبالأخص وسط الفلسطينيين، وهم يرون احتمال رحيل رئيس حكومة في دولة غربية حمل مشعل الدفاع عن الفلسطينيين، وذلك في وقت تنكر فيه زعماء عرب للقضية الفلسطينية.
استطلاعات الرأي تمنح الأغلبية إلى اليمين بشقيه الشعبي والمتطرف، ولكن الانتخابات دائما تحمل مفاجآت. من يدري، قد تتكرر مفاجأة انتخابات السويد يوم 13 سبتمبر الماضي، بينما كان الجميع ينتظر فوزا ساحقا لعائلة اليمين بشتى تلاوينها، أسفرت صناديق الاقتراع عن فوز عائلة اليسار بالأغلبية.
كاتب مغربي