اليهود والنصارى في القرآن: مؤمنون ام كفار؟


يسود بين المسلمين فهم مغلوط لموقف الإسلام من اليهود والنصارى/ المسيحيين منطلقه اعتبارهم كفاراً. وهذا الفهم يستدعي، وفق القراءة السلفية للنص المؤسس، القرآن الكريم، مقاطعتهم وعدم التعامل معهم، بل ومحاربتهم، من دون النظر في حقيقة القضية وسياقها وتبعاتها.
فهل هم كفار بالمطلق أم أنهم تبنوا مواقف غير متسقة مع توجيه أنبيائهم في قضية حساسة: كنه الله وطبيعته؛ وأن ثمة فارق بينهم وبين الكفار، الذين ينكرون الوجود الإلهي والرسالات السماوية والميعاد؟
ينطوي هذا الحكم العام على سوء فهم وسوء تقدير في آن، حيث إن الإسلام قد اعترف بكل الأديان السماوية الأخرى. قال تعالى: «آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» (البقرة: 285). واعتبر أتباعها مؤمنين بقوله: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» (البقرة:62). وقوله: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» (المائدة: 69)، بل وأقر بوجود ديانات غير سماوية؛ وبالشرك كذلك؛ قال عزّ من قائل: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» (الحج:17). لكنه، وفي الوقت نفسه، لم يتغــــاض عمـا حصل بين أتباع الديانتين اليهودية والمسيحية من تحوّل في موقفهــــم فــــي قضية بالغة الأهمية والخطورة بالنسبة للإيمان: الإلوهية، وتصورهم لطبيعة الإله وانعـكـاسه على فحوى التوحيد. فقد انتقد القرآن الكريم اعتبار اليهــــود عُزيــــراً ابن الله، والنصارى المسيح ابن الله قال: «وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ»(التوبة:30).
وانتقد اعتقاد بعض النصارى بعقيدة التثليث: «لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» (المائدة:73)، أو اعتبار بعضهم أن الله هو المسيح: «لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ» (المائدة: 17 و72).
واقع الحال أن اليهود والنصارى/المسيحيين لا يختلفون عن المسلمين في أسس الإيمان: الإلوهية، الرسالة، الميعاد؛ بل يتطابقون معهم فيها، فهم يؤمنون بوجود إله واحد، وبالرسالات السماوية، والميعاد/القيامة، وهي الأسس الثلاثة التي تجعل الإنسان مؤمناً بالمطلق، سمى القرآن الكريم من يلتزم بهذه الأسس مسلمين، ثم يأتي الانتماء إلى رسالة سماوية محددة رسالة موسى أو عيسى في حالتي اليهود والنصارى.

غير أن الممارسة الحياتية لم تقف عند هذه الأسس، حيث حصل ما أشرنا إليه أعلاه بخصوص طبيعة الإلوهية، إن لجهة تجسيدها في شخص عُزير بالنسبة لليهود والمسيح بالنسبة للنصارى، أو لجهة اختلاط واضطراب في فهم طبيعة التوحيد، نجم عن التعاطي مع مسألة غامضة ودقيقة ومعقدة: تصوّر الإله غير المرئي أو الملموس، نجم عن ضعف في القدرات العقلية. موقف واجهه المسلمون ولم ينجوا من غموضه وصعوبة التعاطي معه، رغم أن القرآن الكريم قد عرض قضية الإلوهية بطريقة سلسة وسهلة، عبر ذكر أسماء الله الحسني، 99 اسما، وهي صفاته في الوقت نفسه، كي يسهّل على البشر تصوّر الذات الإلهية، لكن الأمر لم ينجح في دفع كل المسلمين لتجاوز هذه المعضلة، فقاس بعض المسلمين الله جل شأنه على الإنسان وقالوا إن له عين لكنها ليست كعين الإنسان، وله يد لكنها ليست كيد الإنسان، عُرفوا بالمجسّمة، واعتبر آخرون العرش مقعدا يجلس عليه الله جل وعلا، ورد في الآثار وصف العرش إنه مكون من لؤلؤة زرقاء بطول السماوات والأرض وجنبيه لؤلؤتين حمراوين (كتاب «العظمة» لأبي الشيخ الأصفهاني و»الدر المنثور» لجلال الدين السيوطي) في حين قال ابن كثير في البداية والنهاية: «إنه (العرش) مخلوق من ياقوتة حمراء».

وذهب معظم الفقهاء إلى إعطاء الرسول (ص) موقعا يضاهي موقع الله جل شأنه بمنحه حق التشريع، مع أن مهمته هي التبليغ والتوضيح وليس التشريع. قال تعالى في آية موجهة إلى الرسول الكريم: «إنا أرسلناك شَاهِدا وَمُبَشِّرا وَنَذِيرا وَدَاعِيا إلى الله بإذنه وَسِرَاجا مُنِيرا»(الأحزاب:45 و46)، وقال: «فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ»(النحل:35)، وقال: «مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ» (المائدة:99)، وقال: «وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ» (النمل:92)، وقال: «تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ» (الجاثية:6)، واعتبارهم، الفقهاء، الأحاديث النبوية وحيا ومقدّمة على القرآن الكريم وتجبه وهو ما يتعارض مع التوجيه الإلهي.

قال تعالى: «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ» (البقرة:79). فمنح الرسول (عليه الصلاة والسلام) حق التشريع واعتبار الأحاديث النبوية مقدّمة على القرآن الكريم يثير شبهة الوقوع في الشِرك. حالة مطابقة لحالة النصارى مع أحبارهم ورهبانهم التي تحدث عنها القرآن الكريم بقوله: «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ»(التوبة:31). وقد ذهبوا بعيدا في الرفع من شأن الرسول بوضع 99 اسما له، بعدد أسماء الله الحسنى، البعض منهم بالغ فوضع 200 اسم و300 اسم. كما حطوا من منزلة الخالق عزو وجل بقولهم بوجود نسخة في القرآن الكريم، حيث أظهروا الله العليم يغير رأيه وينزل آيات ثم ينسخها بآيات أخرى. هذا ما قاله وفعله أهل السنة والجماعة وهو قليل قياسا لما قالته وفعلته المذاهب الإسلامية الأخرى، الشيعة والعلويون والإسماعيليون والموحدون الدروز، من تأليه بعض غلاة الشيعة والعلويين لعلي بن أبي طالب وآل بيته فاطمة والحسن والحسين؛ قيام محمد بن نُصير النمري والحسين بن حمدان الخصيبي بأداء طقس النداء، الذي يعلن فيه إلوهية علي بن أبي طالب، ورفع الفاطميون للخليفة الفاطمي الأول في مصر المعز لدين الله إلى مقام الألوهية، كما قال ابن هاني الأندلسي فيه: «ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ … فاحكُمْ فأنتَ الواحد القهّارُ».

واقع الحال أن اليهود والنصارى/المسيحيين لا يختلفون عن المسلمين في أسس الإيمان: الإلوهية، الرسالة، الميعاد؛ بل يتطابقون معهم فيها، فهم يؤمنون بوجود إله واحد، وبالرسالات السماوية، والميعاد/القيامة، وهي الأسس الثلاثة التي تجعل الإنسان مؤمناً بالمطلق، سمى القرآن الكريم من يلتزم بهذه الأسس مسلمين، ثم يأتي الانتماء إلى رسالة سماوية محددة رسالة موسى أو عيسى في حالتي اليهود والنصارى.

وتأليه حفيده الخليفة الفاطمي السادس الحاكم بأمر الله. لهذا الموقف علاقة مباشرة بالعجز عن التعاطي مع كيان غير مرئي وغير ملموس والميل نحو المرئي والملموس: الرسول، الأئمة.. حالة واجهها المسيحيون في عيسى بن مريم (عليه السلام) كانت فوق قدرة كثير من البشر على تصوّرها وتقبلها: ولادة إنسان من أم لم يمسسها بشر وتمتعه بقدرات خارقة: التكلم في المهد، شفاء المرضى، بعث الموتى، معرفة الغيب، مع تواضع قدرة المجتمعات آنذاك على إدراك القضايا المجردة وغير المحسوسة، فعُقدت مجامع مسكونية عدة: نيقية 325 ميلادي، القسطنطينية 381 ميلادي، أفسس431 ميلادي، خلقيدونية451 ميلادي، الخ، لمناقشة القضية، لعب فيها القياصرة دور المرجح، صدرت عنها قوانين للإيمان المسيحي انقسمت في ضوئها الكنائس بين شرقية وغربية، بين قائلة بطبيعة واحدة: إنسان، مخلوق، آريوس، وقائلة بطبيعتين: إله وإنسان من دون امتزاج أو اختلاط، الأقباط، وقائلة بطبيعة واحدة: إله بعد حلول اللاهوت/الله في الناسوت/عيسى، الكنائس الغربية. وقد مالت الكفة في النهاية لأصحاب القول بالتجسيد، أو الحلول رغم الجهود الكبيرة التي بذلها القس آريوس وتلامذته في مجمع نيقية الأول لإقناع القساوسة الحاضرين، حوالي 300 قسيس، بأن المسيح ليس إلها.

أحدث هذا التحول في نظرة أتباع اليهودية والمسيحية إلى الإله وطبيعته تشوشاً وخللاً في عقيـــدة التوحيد، ما استدعى نزول رسالة سماوية جديدة لـيس لدعوة جماعة بشرية معينة إلى الإيمان بوجود خالق ويوم حساب ورسل فقط، بل لإعادة الأمور في قضية التوحيد إلى نصابها وتكريس وتعميق فكرة الإله الواحد القادر المنزّه:» قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)»(الإخلاص)، لما لذلك من أثر على الحــــياة الاجتماعية والعلاقات بين البشر. فالتسليم بإله واحــــد أساس للمساواة بين البشر لأنه ينفي وجـــــود آلهة أو أنصاف آلهة من البشر ويؤسس لندية اجتماعية، وسياسية بطبيعة الحال، ويحرر البشر من الخضوع لبـــشر مثلهم بدعوى التميّز والعلاقة الخاصة بالإله عبر الحلــــــول أو التجسّد أو التقمص وينفــــي القــــداسة عــــن مطلق إنسان. واختير لحملها شعب من الأمييــــن، لم يسبق أن نزلت فيهم رسالة، كي لا تخــــتلط الدعوة الجديدة بالثقافات الدينية المشوهة.
فرضت عملية إعادة الأوضاع في قضية التوحيد إلى نصابها الرد على التحوّل الذي حدث فيها على أيدي اليهود وبعض النصارى فنزلت آيات قرآنية في الموضوع، آيات موجزة ومكثفة ودقيقة. نلاحظ دقة القرآن الكريم حين ناقش القضية حيث انطوى حديثه عن موقف النصارى على إشارة إلى وجود مواقف من القضية حيث قال: «لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ» و»لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ»، ولم يقل كفر النصارى بالعموم. فرضت عملية إعادة الأوضاع في قضية التوحيد إلى نصابها دعوة أصحاب هذه المواقف إلى العودة إلى ما جاء في رسالتي موسى وعيسى (عليهما السلام) والتي لا تختلف، كما أسلفنا، عما جاء في رسالة محمد (عليه السلام) بخصوص أسس العقيدة، والتخلي عن التصورات المغلوطة حول طبيعة الذات الإلهية. قال تعالى: « قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ» (المائدة:68). وقال:» قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» (آل عمران: 64).

وهذا استدعى من الرسالة الجديدة عرض هذه المواقف وأخذ موقف واضح منها لكنها لم تتجاهل المشترك الإيماني معهم: الإلوهية والرسالة والميعاد، فاعتبرت المواقف المستجدة طارئة وغير جوهرية ووصفت تبنيها بالكفر، بمعنى تغطية الحقيقة أو الخروج عليها بما يتعارض معها، لكنها لم تعتبر أتباعها كفاراً مثل الذين ينكرون الوجود الإلهي والرسالة والميعاد، قالت الآية «كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا»، أي اقترفوا ذنب الكفر، ولم تقل إنهم كفار، ودعتهم إلى العودة عن هذا الموقف والانحياز إلى التوحيد الخالص، التوحيد المنزه. كما جعلت محاسبتهم، على الضد من موقف السلفيين، أخروية، يوم الحساب، قالت الآية: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ»(الحج:17). وقالت آية أخرى: «لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»(المائدة:73).

ولم تدعُ إلى مقاطعتهم أو مفاصلتهم، قالت الآية: «لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ»(الممتحنة:8). وفي آية أخرى: «وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»(الأنعام:68). إذن الله يفصل بين أصحاب المواقف المتناقضة في الإيمان أو في بعض جزئياته ويعاقب المنكر وفاسد الإيمان، وليس من حق أحد محاسبتهم في الدنيا ما لم يقعوا في جرم الحرابة، كما شرّع لاستمرار العلاقة مع أتباع هذه الأديان والتعاون معهم واعتزال مجالسهم فقط إذا كانوا يتحدثون عن آيات الله عز وجل بسوء حتى يغيروا الحديث، أما في الحالة الاعتيادية فعلاقات إنسانية طبيعية في خدمة الإنسان كإنسان، بصرف النظر عن عقيدته الدينية والمذهبية، الإنسان الذي نزلت الرسالات السماوية لمساعدته على تجاوز العقبات والصعاب التي واجهها في تاريخه المديد عبر تطوير قدراته العقلية والعملية وتحقيق ذاته بإعمار الكون في كنف الحرية والمساواة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *