إن كان من غائب أوّل عن السينما الوثائقية العربية، السينما لا التلفزيون، فهو النوع التحقيقي الاستقصائي. هنا، في فيلم «قضية عبد الله» لم يكتفِ الفرنسي بيار كارل بتقديم نموذج عالٍ من هذا النوع الوثائقي، بل قدّمه ب التاريخي والسياسي من ناحية، وبجرأة في الطرح من ناحية أخرى، وكان الحظ كريماً معه في حوارات تخللت الفيلم من دون تحضير مسبَق.
الوثائقي الممتاز، الدّرسُ في كيف تكون الأفلام الاستقصائية، طويلة النفس، السياسية بجرأة تحملها على استعادة تاريخ من التواطؤ القضائي قبل السياسي والإعلامي الفرنسي، استعادتِها وتفكيكِها بل التهكُّم منها، في ما بات يُعرف في فرنسا لأكثر من أربعين عاماً، بقضية جورج إبراهيم عبدالله، الأسير السياسي الأقدم في فرنسا إلى حين إطلاق سراحه في تموز/ يوليو 2025، عائداً إلى وطنه الذي كان، ولا يزال، يعيش حرباً إسرائيلية وحشية على جنوبه وضاحيته تحديداً، عاد عبدالله بزخمٍ نضالي وإرادة تفاؤلية، لن يتخيّل أحدنا أن الأعوام الثلاثة والأربعين في الزنزانة الفرنسية قد أصابت تفاؤلَه بالوهن.
الفيلم (L’Affaire Abdallah) الذي نزل إلى الصالات الفرنسية قبل أشهر، ولا تزال عروضه العامة والخاصة تتجوّل في البلاد، ويستحق كل عرض ممكن في البلدان العربية، استعاد من خلال قضية المناضل جورج إبراهيم عبدالله، وهو رمز ثوري لدى الكثير من اللبنانيين والفلسطينيين والعرب والأمميين، إذ لم تكن تختفي صورته «الجيفارية» عن رايات مرفوعة في مظاهرات لأجل فلسطين ولبنان في فرنسا، لتكون، على طول هذه الأعوام، الأخيرة منها تحديداً، صورة جورج واسمه ملازمة للنضالات السياسية الفرنسية على أنواعها، استعادها الفيلم واضعاً مسار القضية في سياق عدالتها. هذا ما شهدناه في الساحات الفرنسية وهذا ما يُشاهَد في الوثائقي الذي قدّم موضوعه بادئاً بصحافة فرنسية تدين عبدالله في الثمانينيات، منتهياً بصحافة لبنانية تحتفي بحريته العام الماضي.

لم يكن الفيلم منحازاً إلى عبدالله إلا بقدر انحيازه إلى الحقيقة والعدالة، يكفي أن صحافيةً في «ليبراسيون» عُرضت عليها أثناء لقائها في الفيلم، الصفحات الأولى والداخلية من تناول الجريدة اليسارية/الصهيونية لقضية عبدالله، وكانت تحرّض عليه بشكل موتور في حينها، اطلعت عليها بعد كل هذه الأعوام واعترفت بأنهم كانوا يكتبون حماقات. يُجري الفيلم مقابلات مع أصحاب تخصصات مختلفة كانوا على تماس مع القضية على طول عمرها، بعض المقابلات أظهر تفاهة أسماء كبرى كالرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الذي لمّح إلى أن تدخلاً أجنبياً حال دون إطلاق سراحه، قبل أن تواجهه إحدى العاملات في الفيلم برسالة من هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية، في حينها، «تتمنى على» الفرنسيين عدم إطلاق سراح عبدالله. مقابلة أخرى أجراها الفيلم مع وزير الخارجية الفرنسي آنذاك الذي أبدى، بادعاء وتمثيل فاشلين، لا تخطئهما العين، جهلَه باسم جورج عبدالله أو بقضيته.
يعود الفيلم إلى الأيام الأولى من القضية، بتسلسل استقصائي وتحليلي منطقي، ذي مهارة سردية، بانياً على القصص الصحافية التي تناولت الموضوع على طول الأعوام، وعلى تسريبات ويكيليكس، وعلى لقاءات حصرية للفيلم شملت كذلك رؤساء أقسام مخابرات في فرنسا وقضاة ومحامين لعبدالله وصحافيين وباحثين، ليكون الفيلم التحقيق النموذجي، لا لعدالة استحقها عبدالله الذي لم يُدَن بأدلة جنائية بتهمته في العملية التي اعتقل لأجلها، بل لتواطؤ أجهزة السلطة كافة، قضائية وشرطية وإعلامية وسياسية، لإبقائه أسيراً، ثم بإبقائه أسيراً بعد قضاء محكوميته بمظلومية، أسيراً بضغوطات سياسية أمريكية.
وقَعت عام 1982 في باريس عمليتا اغتيال استهدفتا ملحقاً عسكرياً أمريكياً ودبلوماسياً إسرائيلياً عميلاً للموساد. تبنّتها «الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية» (FARL) التي كان جورج عبدالله قد انضمّ إليها. وعام 1987 حكم القضاء الفرنسي على عبد الله بالسجن المؤبد بتهمة التواطؤ في الاغتيال. ورُفضت طلباته التسعة للإفراج المبكر، رغم كونه مؤهلاً للإفراج منذ عام 1999. القوة التحقيقية الاستقصائية في الفيلم الأقرب ليكون مرافعة سينمائية لهذا المناضل، تمركزت أولاً في تجميع وقائع القضية كما نقلها الإعلام الفرنسي في حينه، رغم انحيازها الفضائحي وكانت أقرب إلى بيانات سياسية يمكن أن تصدر عن إسرائيل، وفي دراستها بمقاربات كشفت تناقضاتها وتحريضاتها، ثم كاشفاً سياسة القضاء الفرنسي في تناول القضية، موازياً ذلك كله بلقاءات حصرية أظهرت، اليوم مع المسافة الزمانية، مدى فداحة تلك التحريضات والتناقضات، مفنّدها، مستعيداً القضية بأثر رجعي، بتسلسل وقائعي وتحليل شمولي. بذلك كان الفيلم شهادة، بل مرافعة مُحكمة، وإن متأخرة 43 عاماً، على براءة عبدالله الذي، على طول هذه الأعوام، تمسَّك بحقه في المقاومة، ذلك الإصرار وذلك الحق الذي تمسك بهما منذ نضاله قبل اعتقاله، إلى اليوم حراً في لبنان.

كاتب فلسطيني/ سوري