لندن- “القدس العربي”: بعدما كانت الهدايا المالية التي قدمها الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز من بين العوامل التي عجلت بتنازل ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس الأول عن العرش، يتكرر المشهد اليوم مع رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق خوسي لويس رودريغيث سبتيرو، بسبب احتفاظه بمجوهرات يشتبه في أنها هدايا لم يصرح بها للسلطات، وفق ما يقتضيه القانون.
ومنذ الشهر الماضي، يخضع سبتيرو، الذي ترأس الحكومة بين عامي 2004 و2011، لتحقيق قضائي على خلفية الاشتباه في تورطه في وساطة مرتبطة بعملية إنقاذ شركة طيران كانت على حافة الإفلاس، مقابل عمولات مالية يعتقد أنها استفادت منها شركة تملكها ابنتاه، إلى جانب شركة أخرى تربطه بها علاقات مهنية.
غير أن القضية أخذت منحى جديدا بعدما عثرت الشرطة، خلال تفتيش مكتبه في مقر الحزب الاشتراكي بمدريد، على مجوهرات تقدر قيمتها بأكثر من مليون وثلاثمائة ألف يورو. وأثار ذلك تساؤلات واسعة حول مصدر هذه المجوهرات، خاصة أن سبتيرو لا ينتمي إلى عائلة ثرية ولا يمارس نشاطا تجاريا يبرر امتلاك مثل هذه المقتنيات.
وفي مقابلة مع إذاعة “كادينا سير”، يوم الخميس من الأسبوع الجاري، رفض سبتيرو الكشف عن مصدر المجوهرات، مؤكدا أن التوضيحات سيقدمها حصرا أمام القاضي المشرف على التحقيق. وترك الانطباع بأنها هدايا تلقاها من دولة أجنبية.
رفض سبتيرو الكشف عن مصدر المجوهرات، مؤكدا أن التوضيحات سيقدمها حصرا أمام القاضي المشرف على التحقيق. وترك الانطباع بأنها هدايا تلقاها من دولة أجنبية
وتنقل وسائل إعلام إسبانية أن مصدر هذه المجوهرات هو الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز، ويرجح أنها قدمت له خلال إحدى زيارات العاهل السعودي إلى إسبانيا أو أثناء زيارة سبتيرو إلى الرياض. وكانت تربط سبتيرو والملك السعودي الراحل علاقة وطيدة، ومن أبرز أوجهها إشرافهما على مشروع “تحالف الحضارات” لمواجهة موجة الإرهاب آنذاك.
واكتسب الملف بعدا جنائيا وسياسيا وأخلاقيا في إسبانيا، إذ يتساءل عدد من المعلقين عن كيفية احتفاظ رئيس حكومة سبق أن صادق على قواعد تلزم كبار المسؤولين، بمن فيهم الملك، بإحالة الهدايا التي يتلقونها بسبب مناصبهم إلى أملاك الدولة، بمجوهرات تتجاوز قيمتها مليوناً وثلاثمائة ألف يورو.
وكان الرأي العام ينتظر من سبتيرو استغلال الحوار لتقديم توضيحات حول المجوهرات والعمولات المالية، ليخفف الضغط عن حكومة بيدرو سانشيز التي تتعرض لضغوط المعارضة بسبب هذا الملف.
وكتبت جريدة “الباييس” في افتتاحيتها، الجمعة، أن سبتيرو لم يقدم التفسيرات الكاملة لهذا الملف.
وتعيد هذه القضية إلى الأذهان ملف الملك السابق خوان كارلوس الأول، الذي تلقى هدية مالية كبيرة من السعودية وأودعها في حساب مصرفي في سويسرا، قبل أن يحولها لاحقا إلى عشيقته، وهي القضية التي ساهمت في تعميق أزمته وانتهت بتنازله عن العرش.
وكان خوان كارلوس قد أقر في مذكراته الصادرة أخيرا بأنه أخطأ عندما قبل تلك الهبة، معترفا بأنه كان يتعين عليه رفضها.
ويرى مراقبون أن سبتيرو قد يجد نفسه مضطرا إلى اتباع نهج مشابه، سواء بتقديم اعتذار عن الاحتفاظ بهذه المجوهرات، حتى وإن اعتبرها هدية شخصية، أو بتبرير قانوني لعدم إحالتها إلى ممتلكات الدولة، كما تقتضي القواعد المنظمة لهدايا المسؤولين العموميين.
وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات القضائية، ولا سيما ما يتعلق بمصدر المجوهرات وطبيعتها القانونية، تبدو الهدايا السعودية مرة أخرى في قلب واحدة من أكثر القضايا السياسية حساسية في إسبانيا، بعدما ارتبطت سابقا بتنازل ملك عن العرش، وقد ترتبط اليوم بمحاكمة رئيس حكومة سابق.