لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا أعدته مليكة كنعانة تابر وهبة صالح، حول معركة إثبات من يملك أنقاض غزة.
وأشارتا بداية إلى محمد الأغا الذي يراقب من نافذة غرفته المستأجرة، كومة الخرسانة والأثاث المحطم الذي كان مرة منزله، وتحتها يرقد صك ملكيته للأرض. فعندما سقط صاروخ إسرائيلي على المنزل المطلي باللون الأبيض والمكون من أربعة طوابق الذي بناه مع إخوته، خشي الأغا ألا يتمكن من إثبات ملكيته للأرض. لكنه بعد عامين، حصل على وثيقة جديدة مختومة يدويا من بلدية خان يونس.
وتستند الوثيقة إلى سجلات ملكية رقمية قدمت مع طلب تخطيط قبل سنوات، وتفصل رقم أرشيفه ورقم القطعة والتقسيم والحي، بالإضافة إلى المساحة الدقيقة لكل طابق منهار. يقول الأغا: “تثبت هذه الوثيقة حقنا في هذا المكان”.
ومع تحويل العدوان الإسرائيلي أحياء بأكملها إلى أنقاض، اختفت غالبا السجلات التي تثبت مطالب الفلسطينيين بمنازلهم وأراضيهم، وضاعت الكواشين والعقود والفواتير والتصاريح في خضم توسع أنقاض غزة.
وتضيف الصحيفة أن العديد من النازحين، البالغ عددهم 1.9 مليون نسمة من أصل أكثر من مليوني نسمة، تركوا أوراقهم الثبوتية أثناء نزوجهم. بل إن بعضهم لم يمتلك وثائق رسمية أصلا. وقد سوّت القوات الإسرائيلية أحياء بأكملها بالأرض، حتى باتت غير قابلة للتمييز حتى بالنسبة لسكانها.
وعليه أصبحت استعادة الأدلة المفقودة أمرا مهما جدا، حيث تحتل القوات الإسرائيلية أكثر من نصف أراضي غزة، وهي منطقة سيطرة تتوسع باستمرار، بينما تناقش في الوقت نفسه خططا لإقامة مناطق عسكرية مسيجة وقواعد أمنية متعددة الجنسيات، وحتى عقارات فاخرة.
وخوفا من التشريد، بدأ فلسطينيون مثل الأغا بجمع ما استطاعوا من وثائق من مختلف المؤسسات الحكومية المنهارة في غزة، ومن فواتير المياه إلى إيصالات ضريبة الأملاك وأي شيء قد يثبت ملكية الأرض.
وقال محمد السقا، وهو محام يقدم المساعدة القانونية في منظمة غير حكومية في غزة تدعى “مركز تنمية المجتمع والإعلام”، إن الحصول على الأدلة أمر ملح: “قد تختفي الخدمات البيروقراطية الجزئية والبسيطة الموجودة اليوم. المحامي الذي لديه عقد البيع الخاص بك موجود هنا اليوم، وقد يقتل غدا”.
وأضاف السقا، مشيرا إلى مفاتيح منازل اللاجئين الفلسطينيين الذين طردوا منها عام 1948، والتي كانت رمزا لحقهم في العودة: “لقد رأينا أجدادنا متمسكين بمفاتيح العودة”، و”نحن بحاجة لإثبات حقنا في هذه الأرض، لأن الأمور قد تتغير جذريا وهناك خوف من الترحيل القسري وطرد الناس من منازلهم، والاستيلاء الدائم على المناطق الشرقية”.
وقد وضع مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون خططا لإنشاء مواقع سكنية خاضعة للسيطرة، وقواعد عسكرية في المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي. لكن من غير الواضح كيف سيتعاملون مع حقوق الملكية للفلسطينيين.
ووصف ثلاثة أشخاص اجتماعات عقدت في مركز التنسيق المدني العسكري في إسرائيل، وهو مقر قيادة عسكرية أمريكية أُنشئ بعد اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، حيث أبدى المخططون في البداية استياء ودهشةً واضحة عندما أُبلغوا بضرورة تحديد ملكية الأرض في غزة قبل البدء بأي أعمال بناء.
وأظهرت خريطة هندسية عسكرية أمريكية، استخدمت في مركز التنسيق المدني العسكري أواخر عام 2025، واطلعت عليها صحيفة “فايننشال تايمز”، مشروع “مجمع إسكان إماراتي مؤقت” مخطط له على منطقة مصنفة كأرض عامة. وشملت “منطقة سكنية أمريكية مخطط لها” أراضي عامة وخاصة وأراضي غير مصنفة. وتم تحديد المنطقتين باسم “محور تنظيف رفح”. وتدفع هذه الادعاءات محامي المساعدة القانونية الفلسطينية إلى السعي لإثبات ملكية الأرض. ويعمل هؤلاء المحامون مع منظمات محلية وجماعات إغاثة، وبصفتهم محامين مستقلين، مستخدمين معايير الأدلة التي اتفق عليها فريق عمل دولي.
وتعلق الصحيفة أنه مع تدمير معظم المحفوظات المادية في غزة، تركزت جهود الاستعادة على العديد من المؤسسات البيروقراطية في القطاع التي قامت برقمنة السجلات قبل الحرب.
ويعد نظام الأراضي في غزة نسيجا معقدا من الحقوق، وهو إرث من الحكم العثماني والمصري والبريطاني المتعاقب. ويعيش بعض السكان على أراض لا تزال مسجلة باسم الحاكم الإداري المصري، بينما حصل آخرون على أراضيهم بموجب اتفاقيات مع السلطات السابقة، ولا يزالون يسددون أقساط عقود تعود إلى خمسينيات القرن الماضي.
أما الأراضي المملوكة ملكية خاصة فهي أبسط، إلا أن التقديرات تشير إلى أن ما يصل إلى ثلث الممتلكات الخاصة غير مسجلة لدى هيئة الأراضي، المعروفة باسمها العثماني “طابو”.
وقالت سماح محيسن، من الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية في غزة، إن برنامجها القانوني يساعد الناس على جمع الأدلة، بما في ذلك الأدلة المتعلقة بالأراضي ذات الوضع القانوني المعقد. والهدف هو إنشاء سجل قانوني في نهاية المطاف، حتى للأشخاص الذين لم يسبق لهم امتلاك وثائق رسمية.
إلا أن فقدان المحفوظات المادية وتعقيد نظام الأراضي في غزة يعني أن إثبات الملكية غالبا ما يتطلب مجموعة كبيرة من الأدلة، حيث تشبه كل حالة لغزا.
وفي الحالة الشائعة للأراضي المملوكة ملكية خاصة والتي لا يوجد لها سند ملكية، يمكن للمالكين طلب شهادة مالية من مديرية ضريبة الأملاك. وإذا لم تكن هذه الشهادة متوفرة، يمكن لسكان غزة الجمع بين أشكال بديلة من الأدلة، مثل فواتير الكهرباء وصور ومقاطع فيديو للعقار وشهادات من الجيران السابقين، أو بيان موقع من زعيم مجتمعهم.
وقال نضال جرادة، المستشار القانوني في برنامج الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، إنه بعد قصف هيئة الأراضي، شاهد نازحين يحتمون في مكان قريب يحرقون سجلات تعود إلى العصر العثماني للتدفئة والطهي. وأكد الباز أن الناس أحرقوا الأوراق المتبقية.
لكن هيئة الأراضي تؤكد امتلاكها نسخة رقمية كاملة من السجلات. وقال الباز إن الهيئة انتهت من مسح الوثائق رقميا قبل سبعة أشهر فقط من بدء الحرب. وفي كانون الثاني/ينايرعاد عدد قليل من موظفي هيئة الأراضي إلى العمل، وأفاد عدد من المحامين بأن موكليهم تمكنوا من الحصول على نسخ من سندات الملكية منذ ذلك الحين، ومع ذلك، فُقدت الكثير من الوثائق إلى الأبد بسبب الحرب.
وقد أدى القصف الإسرائيلي، إلى تدمير مكاتب محامين في جميع أنحاء غزة، بالإضافة إلى نقابة المحامين، مما يعني أن أوراقا من عقود الملكية الورقية، وهي دليل أساسي على الملكية، أصبحت غير قابلة للاسترجاع.
وتقول الصحيفة إن مهمة البحث عن السجلات ضرورية، فمع تلاشي الحدود بين العقارات إلى حد كبير، يأمل الناس أن يساهم جمع الأدلة في تجنب النزاعات بين الجيران في حال عودة أعداد أكبر منهم إلى منازلهم.
وقالت جرادة، من البرنامج القانوني في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، إن هذه أيضا وسيلة لحماية الفلسطينيين. “تسعى إسرائيل إلى إحداث تفكك اجتماعي في غزة، لذا فإن التماسك الاجتماعي أحد أهدافنا”.