باريس- “القدس العربي”: قالت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، إن إقالة مسؤولين رفيعي المستوى في جهاز الموساد، على خلفية رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخطة الإسرائيلية، فجّرت جدلًا واسعًا داخل الدولة العبرية.
ويتعرض مبدأ السرية الذي لطالما أحاط بجهاز الموساد لضربة قوية، في ظل سيل غير مسبوق من التسريبات والكشف عن تفاصيل حساسة. وقد اندلعت العاصفة الإعلامية إثر قرار رئيس الجهاز، رومان غوفمان، إقالة اثنين من كبار المسؤولين العاملين تحت إمرته، وتحميلهما مسؤولية إخفاق العملية التي كان هدفها التمهيد لإسقاط النظام الإيراني.
المسؤول الأول، الذي تحجب الرقابة الإسرائيلية اسمه، كان يشغل منصب رئيس جهاز الاستخبارات، فيما كان الثاني يرأس القسم المختص بالشأن الإيراني، وكان من بين مهامه إعداد قوائم بالأهداف المحتملة التي يمكن أن يستهدفها الموساد داخل إيران.
وكان الرجلان قد أعدّا خطة عمل تهدف إلى إشعال انتفاضة داخل إيران، بالاعتماد، خصوصًا، على الأقلية الكردية الإيرانية. وكان السيناريو المقترح يقوم على تنفيذ ضربات إسرائيلية ضد مواقع الحرس الثوري الإيراني على امتداد الحدود العراقية- الإيرانية، في منطقة كردستان الإيرانية.
وكان من المفترض إقامة ممر عسكري يسمح لنحو 15 ألف مقاتل كردي، درّبهم الموساد، بالتسلل إلى شمال غرب إيران، على أن يحظوا بدعم جوي إسرائيلي.
وكان الهدف يتمثل في السيطرة على عدد من المدن و“تحريرها”، ثم تعبئة جيش شعبي معارض قوامه 150 ألف عنصر، يتقدم ككتلة واحدة، باتجاه طهران.
وبحسب وسائل الإعلام الإسرائيلية، فإن الخطة التي كان بنيامين نتنياهو قد وافق عليها، عُرضت على الإدارة الأمريكية للحصول على الضوء الأخضر من دونالد ترامب. ومع بداية المواجهات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في نهاية شهر فبراير الماضي، كان نتنياهو قد لمح إلى إمكانية سقوط نظام آيات الله، الذي كان يفترض أن ينهار بفعل انتفاضة شعبية.
لكن الأمور لم تجر وفق السيناريو المرسوم. فالخطة لم تدخل أصلًا حيز التنفيذ، حيث ساهمت التسريبات المبكرة إلى الصحافة الدولية، وكذلك، بصورة خاصة، الفيتو الذي فرضه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في إفشالها. فلم يكن الزعيم التركي يرغب في أن يؤدي نجاح محتمل للأكراد الإيرانيين إلى تشجيع الأكراد الأتراك، الذين يواصل قمعهم بشدة لمنع أي نزعة استقلالية من الظهور. وكان أردوغان، في الوقت نفسه، يحظى بأذن الرئيس الأميركي، الذي لم يتوقف خلال الأشهر الأخيرة عن الإشادة به.
من جانبها، أبدت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) ووزارة الخارجية الأمركيية شكوكًا عميقة حيال الخطة، ووصفتها بأنها “غير واقعية”، بل إنها كانت، وفق تعبير أحد مسؤولي الوكالة أقرب إلى “مهزلة”.
وبعد الرفض النهائي من دونالد ترامب الانخراط في هذه المغامرة، لم تجد إسرائيل بدًا من الاكتفاء بشن ضربات محددة استهدفت مقار الحرس الثوري والباسيج، وهي الميليشيا المدنية التي تضطلع بالقمع الوحشي للمعارضين.
ويرى محللون إسرائيليون أن المشروع كان محكومًا عليه بالفشل منذ البداية، لأن الموساد مال إلى المبالغة في تقدير تأثير الضربات الجوية، وفي المقابل قلّل من تقدير قدرة جهاز الدولة الإيراني على الصمود ومقاومة الضغوط.
لكن بعد أن اتضح هذا التشخيص، انتقد عدد كبير من المعلقين العقوبات التي فُرضت على مسؤولي الموساد الاثنين، معتبرين أنهما تحولا إلى ”كبشي فداء”.
ويبدو أن الهدف الواضح من إقالتهما كان تجنب تحميل رئيس الوزراء المسؤولية، في حين أن جهاز الموساد يخضع مباشرة لسلطته. وقد حرصت وسائل الإعلام على التذكير بأن العملية وُضعت بأمر من بنيامين نتنياهو، وأنه وافق عليها، كما حاول إقناع دونالد ترامب بالمضي قدمًا في تنفيذها.
ويقول بن كسبيت، الصحافي في صحيفة معاريف: “من يتولى قمة الهرم عليه أن يتحمل مسؤولية الفشل بنسبة 100%، لا أن يلقي المسؤولية على مرؤوسيه. وإلا فلن يجرؤ أي منهم بعد الآن على طرح أي فكرة، لأنهم سيعرفون مسبقًا أنهم وحدهم من سيدفع الثمن إذا فشلت الخطة”.
أما رومان غوفمان، الذي تولى رئاسة جهاز الموساد في يونيو/حزيران، فيجد نفسه هو الآخر في موقف حرج، وقد بات مهددًا بالإطاحة به.
ويصفه مسؤولون في الموساد بحسب ما نقلت عنهم وسائل الإعلام الإسرائيلية على نطاق واسع، بأنه “رجل المهمات” لدى رئيس الوزراء. فهو ملحق عسكري سابق لدى بنيامين نتنياهو، ولم تكن لديه خبرة سابقة في مجال الاستخبارات، ولم يكن ليصل إلى منصبه الحالي، بحسب منتقديه، لولا قربه من نتنياهو.
وكان نتنياهو قد عيّن، بدوره، دافيد زيني، وهو أحد المقربين منه، على رأس جهاز الشاباك.
وقد أثار هذا التعيين أيضًا جدلًا حادًا، إذ اتُهم رئيس الوزراء، مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في نهاية أكتوبر/تشرين الأول، بالسعي إلى إحكام قبضته على أجهزة الدولة الأمنية وتشكيل دائرة من الموالين الموثوقين من حوله، استعدادًا لانتخابات يُتوقع أن تكون شديدة التقارب.