المناكفة بين الأحزاب العربية لعبة خطيرة قد تقودها إلى الهزيمة


جاكي خوري

لم يعد الإعلان الرسمي عن انضمام يوآف سيغلوفيتش إلى قائمة “راعم” قبيل الانتخابات فقط خطوة سياسية عابرة، بل هو حدث غير مألوف، وربما مفصلي، في الساحة السياسية بشكل عام، وفي السياسة العربية بشكل خاص. ثمة محاولة هنا لتحطيم الجدران التي بنيت على مر السنين بين اليهود والعرب، وبين الصهيونية والسياسة العربية، وبين التصورات المختلفة للشراكة السياسية في البلاد.

دائماً كان هناك وسيبقى مرشحون يهود وعرب في حزب واحد، وممثلون عرب في الأحزاب الصهيونية، ولكن سيغلوفيتش ينتمي إلى خلفية مختلفة؛ فهو ضابط متقاعد، ومسؤول أمني سابق، انخرط بعمق في مكافحة الجريمة بشكل عام، وفي مكافحة الجريمة في الوسط العربي بشكل خاص. وهو يعرف نفسه بوضوح بأنه صهيوني، وبسبب ذلك بالتحديد، فإن اتحاده مع حزب “راعم” يحمل دلالات سياسية وأيديولوجية هامة جداً.

فهم سيغلوفيتش هذا الأمر جيداً. ففي إعلانه لم يحاول إخفاء هويته، بل على العكس، قرأ من وثيقة الاستقلال، وشدد على المبادئ التي يمثلها، واوضح بأن اتحاده مع “راعم” [الوحدة] ليس شكلياً. وهذا هو الاختبار الحقيقي: ليس الإعلان الرسمي في يوم الانضمام، بل ماذا سيحدث عندما يواجه حزب “راعم” وسيغلوفيتش خلافاً جوهرياً، عندما تتعارض المصالح وعند اضطرارهما إلى تحديد من يتنازل عن ماذا.

جعفر فرح حقق نجاحاً كبيراً في الانتخابات التمهيدية لحزب “حداش” في دير حنا في أيار. في الأسبوع الماضي، تحدثت القائمة مع “راعم” حول اتفاق فائض الأصوات. ولكن يبدو أن الأمور ما زالت بعيدة المنال.

من ناحية “راعم”، تعدّ هذه خطوة مع إمكانية كامنة كبيرة. يسعى حزب منصور عباس إلى توسيع قاعدته الانتخابية في المجتمع العربي، وأيضاً مخاطبة الرأي العام اليهودي الذي لم يعتد رؤية قائمة عربية كعنوان سياسي. سيغلوفيتش قد يكون الجسر. والسؤال: هل سيكون هكذا حقاً؟ وكم من الأشخاص سيعبرون هذا الجسر؟ يتمتع سيغلوفيتش بمعرفة عميقة بالمجتمع العربي. فقد عمل بجدية وتعرف على رؤساء السلطات والشخصيات العامة والنشطاء، والأهم أنه بنى صورة شخص يعرف إحدى المشكلات الرئيسية في الوسط العربي: الجريمة والعنف. ولكن السياسة لا تقتصر على العلاقات والتقدير الشخصي، ففي النهاية، لا مناص من حشد الناس للتصويت. وهذا أحد أهم الأسئلة المطروحة: كم من الأصوات التي يعتقد سيغلوفيتش بأنه قادر على جلبها ستذهب بالفعل إلى “راعم”؟ الفجوة بين التعاطف الشخصي والتصويت السياسي كبيرة جداً، وقد تصبح نقطة ضعف هذه الخطوة إذا لم يزد تمثيل “راعم” بشكل كبير عن 5 مقاعد.

حتى في داخل المجتمع اليهودي، لن يكون الاختبار سهلاً. سيتعين على سيغلوفيتش تبرير سبب انتمائه لحزب “راعم”، وسيتعين على الحزب تبرير انضمام شخص يعرف نفسه بأنه صهيوني وهو جزء من مشروعه. ولكن هنا بالتحديد تكمن الأنباء الأهم. فللمرة الأولى منذ عدة حملات انتخابية أصبحت الخريطة السياسية العربية واضحة قبل تقديم القوائم. أدى الانقسام في اللحظة الأخيرة، مثلما حدث في الانتخابات السابقة، لا سيما ترشح حزب “بلد” بشكل مستقل، إلى خسارة أكثر من 140 ألف صوت. هذه المرة الوضع مختلف؛ فقد تشكل الائتلاف الثلاثي، وينطلق حزب “راعم” وهو يضم سيغلوفيتش، ويرى الجمهور العربية الخريطة بشكل مبكر دون أي عائق في اللحظة الأخيرة. ولكن ما زال من السابق لأوانه التهنئة على ما سيأتي.

ما زالت أجواء الكآبة تحلق فوق القائمة المشتركة، في ظل قضية جعفر فرح والتقارير عن سلوك غير مناسب تجاه النساء. يرفض فرح هذه الاتهامات ويقول إنه تعرض للاضطهاد، وما زالت القضية تلقي بظلالها، ومن غير الواضح إذا كان سيحدث أي تطور قبل إغلاق قوائم المرشحين. تعترف القائمة المشتركة بالشعور بالشلل، لكن بدلاً من معالجة الأزمة، فتحت جبهة جديدة ضد قائمة “راعم” بسبب علاقتها مع سيغلوفيتش. في الأسبوع الماضي، ناقشت القائمتان اتفاقاً حول الأصوات الفائضة وتخفيف شدة التوتر.

حزب آخر سيضطر إلى اتخاذ قرار حول الترشح أو الانسحاب، وهو حزب “مكان للجميع”. فرغم من حملته الانتخابية فإنه فشل في إقناع حزب “راعم” والقائمة المشتركة بالاتحاد. وهنا تبرز المسؤولية السياسية؛ فعتبة الانتخابات لا تهم لتبرير المسار، بل لعدد الأصوات. هنا يكمن التحدي الذي يواجه “راعم” والقائمة المشتركة. يمكنهم الاستمرار في المناكفة والتنافس على من يمثل الجمهور العربي بالشكل الأفضل. ولكن إذا لم يدركوا أن الانتخابات القادمة ليست جولة أخرى للصراعات الداخلية، فقد يكتشفون أن النقاشات بينهم كانت انتصاراً تكتيكياً تحول إلى هزيمة استراتيجية. على الجميع معرفة خطورة الموقف والتحديات التي ما زالت تنتظرهم في مواجهة آلة التضليل الإعلامي وقمع الأصوات والتهديد بالإقصاء.

إذا انشغل كل حزب بالبقاء فقط، فقد يخسر الجميع، أما إذا نجحوا في التنسيق فقد يشكلون تحدياً أمام كل النظام السياسي. وفي هذه الانتخابات لا هدية لمن يدير الصراع الداخلي بنجاح، بل لمن ينجح في حشد الناخبين وتحديد مستقبل البلاد.

هآرتس 2/9/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *