ثمة حالة من الغموض تكتنف العلاقات المغربية الإسبانية على خلفية أحداث سبتة الأخيرة، حتى بدأ بعض المراقبين يتحدث عن أوراق الطرفين في إدارة الصراع، ويقارن وزنها، لاستخلاص سيناريو العلاقات الثنائية مستقبلا.
ثمة شيء معلن من قبل الطرفين، يثمن العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، ولا يعتبر أحداث سبتة سببا في تغير طبيعتها، فالحكومة الإسبانية لم تصدر أي اتهام للمغرب، والمغرب لا يزال يدير مواقفه تركيزا على جزئية الهجرة، وطرق تدبيرها، وأشكال بناء تعاون مشترك بين الطرفين لاحتوائها.
لكن واقع الأمر، يقول بأن سياسة الاحتواء تعتريها خلافات جوهرية تكاد تنقل الملف الجزئي إلى قضية محورية مؤثرة.
مدريد لم تتوقع أن تشهد العلاقات المغربية الإسبانية مثل هذه الزوبعة لاسيما وأنها تعتبر أنها قدمت للمغرب ثمنا لأحداث مماثلة في سبتة المحتلة سنة 2021، إذ تلقى ملك المغرب رسالة من بيدرو سانشيز في مارس 2022 يعتبر فيه الحكم الذاتي المغربي الحل الأكثر جدية ومصداقية لحل نزاع الصحراء، لكن جواب المغرب يبدو في الظاهر أكثر ارتباطا بمشكلة الهجرة وتداعياتها. فالرباط، استقبلت قرار المحكمة العليا الإسبانية، بعدم اعتبار الهجرة سباحة في البحر موجبة لإعادة المهاجرين غير النظاميين بوصفه تحديا أمنيا فرضته مدريد بشكل أحادي على المغرب، وأنه وضعها في موقع لا يتناسب ودورها كشريك، إذ جعلها في اشتباك مباشر مع كل المغرر بهم للهجرة.
الرباط تقول بأنه لا يمكن لها أن تسخر مواردها البشرية والتقنية والمالية لحماية حدود ليست بحدودها وذلك وفاء منها بمبدأ الشراكة مع أوروبا، ثم تأتي مدريد بشكل منفرد، ليس فقط لتشجع هجرة القاصرين بتأمين عدم إعادتهم لأسرهم، بل ولتمنع إعادة المهاجرين الراشدين الذين وصلوا إلى سبتة عبر البحر.
يبدو التحدي بالنسبة إلى المغرب أمنيا بدرجة أولى، فالمغرب يستقبل آلافا من المهاجرين القادمين من الساحل جنوب الصحراء، ويتحمل مسؤولية إدماجهم وتعليمهم وتطبيبهم، ويرى أنه يبذل ذلك في سياق من الشراكة مع أوروبا لمكافحة الهجرة غير النظامية، لكن مدريد بسياستها في الهجرة، تقوض هذه الجهود، وتخلق للمغرب مشكلة تعرض أمنه الداخلي للمس، وتجعله في احتكاك مع جيرانه الأوروبيين في الشمال.
مدريد توجد اليوم في منطقة الحرج وربما في عزلة أوروبية، فالمنطق الذي يبني المغرب عليه موقفه قوي، ومدريد نفسها لم ترد عليه، لأنها تعرف أن المشكلة في بنائها المؤسساتي، فالأمر في البدء يتعلق بالقوانين، ثم بالقضاء الإسباني، والمشكلة أن الحكومة لا تستطيع بحكم المنطق الديمقراطي أن تتدخل في القضاء، وتحاول أن تكيف بعض الوقائع خارج التوصيف الحقيقي، لتيسر هجرة الراشدين الذين التحقوا إلى سبتة سباحة.
التناقض في الموقف الإسباني يبدو واضحا، ويكشف أن المشكلة تتجاوز ما هو مؤسساتي ديمقراطي، وتقع في عمق السياسة، ففي سياق التعاون الذي يطلبه المغرب لإعادة القاصرين، وهو الأمر الذي تعتبره مدريد ضد قوانينها، تبدي إسبانيا مرونة في إعادة القاصرين من غير المغاربة، وترفض إعادة المغاربة، مع إصرار الرباط على استرجاع قصرها.
من الواضح جدا أن مشكلة الهجرة غير النظامية هي ليست فقط ورقة للتوظيف الثنائي، وإنما هي مشكلة جدية، والرباط بالمناسبة، ليست كما يصور البعض، تحاول اللعب بهذه الورقة، للضغط على إسبانيا، وإنما العكس هو الحاصل، فمدريد التي تشتكي بطء التعاون المغربي في فتح مركز جمركي في سبتة بعد خمس سنوات من التفاوض، تعتبر بأن سبتة تحولت إلى كابوس مخيف، وحمل ثقيل على حكومتها المركزية، وأن الجهود التي بذلت للتكيف مع سياسة المغرب الصارمة لمحاربة التهريب، لم تنفع، بما في ذلك تحويل سبتة إلى قبلة سياحية، وذلك لأسباب مرتبطة بضيق مساحتها، وضعف جاذبيتها السياحية مقارنة مع مدن شمال المغرب التي بذلت الرباط فيها استثمارات ضخمة لتحويلها إلى ريفييرا سياحية، ولذلك تحاول مدريد إدارة التوتر بين حكومتها المركزية وحكومة سبتة وامتصاص الغضب اليميني برمي الكرة في الملعب المغربي، وما يفسر ذلك هو نشر المحكمة العليا الإسبانية لحكمها في الثامن من يوليو من هذه السنة، أي قبيل أسبوعين فقط من احتفال المغاربة بعيد العرش الذي أقيم لسنوات بين مدينتي تطوان والمضيق، أي قريبا من سبتة ببضعة كيلومترات.
الوضع في حالة جمود، فالمغرب كسب معركة الدعم الأوروبي، ومدريد لم تحصل على أي تنازل مغربي
بلغة السياسة، مدريد توجد في منطقة حرج شديد، لأنها في وضع دولي وإقليمي وأوروبي غير مشجع، وترى أن شهية المغرب لم تتوقف على الرغم من موقف رئيس وزراء حكومتها بيدرو سانشيز في مارس 2022، الداعم للحكم الذاتي في الصحراء، وأنه لم يقدم أي شيء يساعد على استعادة سبتة لعافيتها، زاد في خنقها وتشجيع هجرة الإسبان عنها إلى الداخل الإسباني، ولذلك، وتوظيفا لبنائها المؤسساتي الديمقراطي، تدفع القضاء الإسباني ليكون جزءا من اللعبة، وفي الآن ذاته، موفرا للأمان للحكومة الإسبانية، محاولة توريط المغرب وإحراجه أمام شركائه، وهو الأمر، الذي أجابت عنه الرباط بأنها لم تكن ولن تكون أبدا دركي أوروبا، وأنها تفعل ما تفعل فقط في إطار الشراكة، وأن شريكها إن أخل بالتزاماته، وصار مشجعا للهجرة، فالمغرب ملزم فقط بحماية حدوده فقط، وليس حدود أي بلد آخر.
الرباط صرفت موقفها بشكل ذكي، فاختارت أن تخفض من سقف التوتر وذلك بإبعاد وزرائها المتصلين المباشرين بهذا الملف (وزيرا الداخلية والخارجية) عن الإدلاء بأي تصريح، ثم تصرف الموقف على لسان وزير العدل السيد عبد اللطيف وهبي، حتى تشعر بطبيعة الملف القانوني (السياسة الإسبانية للهجرة) والقضائي (المحكمة إسبانيا العليا)، قبل أن يصرح وزير الخارجية المغربية بتصريح مقتضب يشير فيه بأن المغرب يرفض أن يفرض عليه الآخرون إرادتهم، في إشارة إلى سياسة إسبانيا المشجعة للهجرة.
البعض بدأ يعدد وقارن وزن أوراق المغرب ومدريد حتى وصل الأمر بالتحليل إلى طرح إمكان استعمال مدريد لورقة الكابلين الكهربائيين المارين من جبل طارق، وكأن التوتر غادر سقفه المنخفض ووصل إلى الأعلى، مع أن الأمر لا يعدو في جوهره تبادل أجوبة بشأن وضع سبتة، فمدريد من خلال بنائها المؤسساتي تمارس الضغط لتبتز المغرب ليقبل بشروطها، ويتعاون في شأن فتح المعبر الجمركي في المعبر حتى تنتعش سبتة من جديد وينتهي التوتر بين حكومتها المركزية والحكومة المحلية بسبتة، وما يؤكد ذلك- حسب ما أفادت جريدة «الكونفيدوسيال» أن زيارة للملك الإسباني فيلبي السادس رفقة الملكة ليتيسيا كانت مبرمجة إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين قبل أحداث سبتة وقبل نشر قرار المحكمة العليا الإسبانية لحكمها، قبل أن تقرر حكومة سانشيز إلغاءها حتى لا تكون سببا في توتر العلاقات المغربية الإسبانية.
الوضع في حالة جمود، فالمغرب كسب معركة الدعم الأوروبي، ومدريد لم تحصل على أي تنازل مغربي، وفي المقابل، يبدو أن تعنتها في مواجهة المطالب المغربية بخصوص تعديل سياسة وقوانين الهجرة سيدفع إلى تفاقم التحديات المرتبطة بالهجرة، لاسيما وأن الأخطر فيها هو أن يندفع المقيمون في المغرب من مهاجري الساحل جنوب الصحراء إلى تنظيم موجة هجرة خطيرة زاحفة على سبتة ومليلية لا تستطيع القوات الأمنية المغربية احتواءها بدون كلفة.
٭ كاتب مغربي