المعارضة الموريتانية تؤكد في موقف موحد رفضها للولاية الثالثة ولتقييد الحريات وتعلن عن تأهبها للدفاع عن الدستور



عبد الله مولود

نواكشوط –«القدس العربي»: قبل أن تتضح ملامح الحوار السياسي الذي طال انتظاره في موريتانيا، رفعت قوى المعارضة سقف مواقفها، معلنةً في بيان موحد عن رفضها لأي توجه نحو ولاية رئاسية ثالثة، وعن تمسكها بالحريات العامة واستعدادها للذود عن النصوص الدستورية الناظمة للتداول على السلطة.
ويأتي هذا الموقف في وقت تتزايد فيه الترقبات بشأن طبيعة الحوار المرتقب ومخرجاته، وسط نقاش سياسي متصاعد حول مستقبل النظام السياسي وحدود الإصلاحات الدستورية الممكنة.
وتقول المعارضة إن الدفاع عن الدستور والحريات يمثلان خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها، بينما يثير طرح الإصلاحات السياسية والدستورية تساؤلات حول طبيعة التعديلات التي قد تكون مطروحة على طاولة الحوار، وما إذا كان النقاش سيبقى محصوراً في تحسين الممارسة السياسية والمؤسسات، أم سيتسع ليطال القواعد المنظمة لتداول السلطة.
وفي هذا السياق، يكتسب توحيد موقف المعارضة أهمية خاصة، باعتباره أول اختبار عملي لقدرتها على بلورة موقف مشترك إزاء الاستحقاقات السياسية المقبلة.
ويأتي التصعيد المعارض في أعقاب تصريحات للرئيس محمد ولد الغزواني فتح فيها الباب أمام نقاش حول إصلاحات سياسية ودستورية، وهي تصريحات أعادت إلى الواجهة سؤالاً ظل حاضراً في المشهد الموريتاني منذ بداية الولاية الثانية للرئيس الغزواني.
ويظل السؤال المطروح هو: هل يتجه الحوار المنتظر إلى معالجة الاختلالات السياسية والمؤسسية، أم يمكن أن يلامس قواعد التداول على السلطة نفسها؟ وبينما لم يعلن الرئيس صراحةً عن توجه نحو تعديل يتيح له الترشح لولاية ثالثة، فإن مجرد طرح الإصلاحات الدستورية أعاد هذا الاحتمال إلى دائرة النقاش السياسي، ودفع المعارضة إلى تحديد موقف مبكر وحاسم منه.

في خطوة تضع عراقيل جديدة أمام الحوار الذي طال انتظاره

وقبل أن يجلس المتحاورون إلى الطاولة، وضعت قوى المعارضة الموريتانية سؤالًا على باب القاعة: هل يمكن لحوار وطني أن يبني الثقة، فيما تتسع الدعوات إلى إبقاء الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في الحكم بعد انتهاء مأموريته الثانية عام 2029؟ بهذا السؤال، يتجاوز بيان مشترك صدر في 26 أيلول/سبتمبر خلافًا حول موعد انتخابي بعيد، ليضع حدود السلطة والحريات وشروط العمل السياسي في قلب التحضيرات للحوار.
ووقّعت البيان مؤسسة المعارضة الديمقراطية، وقطب التناوب الديمقراطي 2029، وتحالف قوى الإنقاذ، وقطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية، وحزب العدل. وتكتسب هذه القائمة دلالتها من اجتماع أطراف تختلف في تقديراتها واستراتيجياتها تحت ثلاثة شعارات هي: رفض الولاية الثالثة، ورفض تقييد الحريات، والدفاع عن الدستور. وهي وحدة تقول القوى الموقعة إنها ستترجمها إلى تنسيق وعمل مشترك، وإلى خطاب وتحرك «بصوت واحد».
وتتهم المعارضة حزب «الإنصاف» الحاكم بالإشراف على حملة تدعو إلى ولاية ثالثة، وترى أن استمرارها يهدد التناوب السلمي ويزرع الشك في المسار السياسي.
وهذه مسؤولية ينسبها بيان المعارضة إلى الحزب، وليست إعلانًا رسميًا عن مشروع حكومي لتعديل الدستور، لكن قلق المعارضة يتغذى من انتقال الدعوات إلى أوساط منتخبة ومن نقاشها داخل حزب «الإنصاف»، الذي دعا مكتبه السياسي في أيلول/سبتمبر إلى بحث «إصلاحات» تستجيب لمطالب منتخبين عبّروا عن تمسكهم بشخص الرئيس.
تبني القوى الموقعة اعتراضها على قراءة متصلة لأربع مواد دستورية، فهي تستند إلى تحديد الولاية الرئاسية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، وإلى المادة 99 التي تمنع الشروع في مراجعة تمس مبدأ التناوب الديمقراطي أو هذه القاعدة، وإلى اليمين المنصوص عليها في المادة 29، التي تُلزم الرئيس بعدم اتخاذ مبادرة أو دعمها، مباشرة أو بصورة غير مباشرة، إذا أدت إلى مراجعة أحكام مدة الولاية وتجديدها.
وتعيد المعارضة أصل هذا الخيار إلى أيام التشاور الوطني سنة 2005، قبل إقراره في تعديلات 2006 الدستورية، ويؤيد نص الدستور المنشور لدى المجلس الدستوري جوهر استنادها إلى تحصين التناوب وحدود الولاية.
ومن هنا يأتي تشديد البيان على أن الأغلبية البرلمانية أو الاستشارة الشعبية لا تكفيان، في نظر الموقعين، لتجاوز حظر الشروع في مراجعة تلك الأحكام، كما يحذّر من الالتفاف عليها بأي إجراء يفضي إلى النتيجة نفسها.
والمعنى السياسي لهذا التفصيل هو أن المعارضة تريد إغلاق النقاش حول الولاية الثالثة قبل أن يتحول من دعوات مؤيدين إلى بند تفاوضي أو مسار مؤسسي.
أما موقف الرئيس المعلن، فيعود إلى مؤتمره الصحافي في تموز/يوليو الماضي، فقد وصف الحديث عن المأموريات بأنه مشوب بالتشويش، وقال، وفق ما نقلته التلفزة الموريتانية، إنه لا يؤيد ما يخالف الدستور ولا يرغب فيه الشعب.
ولم يربط الرئيس الغزواني، بحسب التغطية المنشورة لتصريحاته، الحوار الوطني بتغيير عدد المأموريات؛ غير أن المعارضة تطلب الآن تصريحًا جديدًا، مباشرًا وعلنيًا، يؤكد التمسك بأحكام الولاية واليمين الدستورية، فهي ترى أن الجدل اللاحق جعل الموقف السابق غير كافٍ لإزالة الالتباس.
ولم يتبين من المصادر الرسمية التي جرت مراجعتها صدور رد حكومي مباشر على البيان المشترك نفسه.
ولا يقف الخلاف عند الدستور، فبيان المعارضة يضع توقيف معارضين ومنتخبين وفاعلين سياسيين، والمتابعات المرتبطة بنشاطهم السلمي بحسب وصفه، إلى جانب القيود على التعبير والتنظيم والاجتماع والتظاهر؛ ويطالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عن النشطاء السياسيين، ووقف المتابعات المتصلة بممارسة حقوقهم، مع ضمان المحاكمة العادلة للجميع.
ولم يورد البيان أسماء الموقوفين أو ملفاتهم القضائية، ولذلك تبقى هذه الاتهامات ومطالب الإفراج بحاجة إلى تناول كل قضية على حدة قبل الجزم بطبيعة أسباب التوقيف أو الإجراءات المتخذة فيها.
ويفتح البيان جبهة أخرى تتعلق بقانون الأحزاب، خصوصًا نظام التزكيات وشروط إنشاء الحزب وممارسة نشاطه، وهنا يظهر رد حكومي سابق وواضح على أصل الخلاف: فقد قدمت وزارة الداخلية التعديلات باعتبارها وسيلة لتعزيز التعددية وتنظيم المشهد الحزبي وزيادة جديته وفاعليته؛ كما وصفت إطلاق المنصة الرقمية لتكوين الأحزاب وتسييرها بأنه تبسيط للإجراءات وتوسيع لإمكان الوصول إليها. وفي المقابل، ترى المعارضة أن شروط التزكية والإجراءات المصاحبة قد تضيق المجال أمام قوى سياسية جديدة أو أقل قدرة على التعبئة، وتطالب بمراجعة النصوص أو إلغاء ما يقيد التعددية بصورة غير مبررة.  وتضع هذه المطالب الحوار المرتقب أمام معادلة صعبة، فبعض القوى الموقعة أعلنت استعدادها للمشاركة فيه لمعالجة الاختلالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكنها ترى تناقضًا بين الدعوة إلى التوافق، من جهة، والترويج للولاية الثالثة وتوقيف فاعلين سياسيين وتقييد نشاط الأحزاب، من جهة أخرى. ولذلك لا تعلن الانسحاب من الحوار، بل تسعى إلى تحديد المناخ الذي يمكن أن يمنحه معنى ونتائج قابلة للاستمرار. وفي خطوة توسّع نطاق المواجهة السياسية، دعت المعارضة النقابات ومنظمات المجتمع المدني والشباب والنساء والمثقفين إلى تعبئة سلمية بالوسائل القانونية، لافتة نظر شركاء موريتانيا والمؤسسات الإقليمية والدولية إلى ما تعتبره مخاطر على النظام الدستوري والحريات.
وهكذا يصبح البيان محاولة لجمع تيارات المعارضة حول قضية واحدة، ونقلها من سجال الأحزاب إلى المجال العام.
ويبقى الاختبار العملي في الأسابيع المقبلة: هل تتوقف دعوات التمديد ويصدر موقف رئاسي يحسم الجدل؟ وهل تستطيع السلطة والمعارضة معالجة ملفات الحريات وقواعد المنافسة الحزبية بما يتيح للحوار أن يبدأ بثقة؟
ولن تحدد الإجابة عن هذين السؤالين مصير النقاش حول عام 2029 فحسب، بل ستكشف أيضًا عن مقدار ما يستطيع الحوار الوطني إنجازه قبل ذلك بوقت طويل.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *