ينيف كوفوفيتش
عندما كان ج.، وهو ضابط في الاحتياط ومدير شركة ناشئة، في مهمته الثانية في الضفة الغربية أثناء الحرب، واجه ظاهرة تتكرر: مجموعة من الفتيان الذين استضافتهم مزرعة قرب منطقة يتواجد فيها الجيش، كانوا يقتحمون بيوت العائلات الفلسطينية في القرى المجاورة بشكل متكرر. يقول ج. الذي كان قائد كتيبة في جنوب جبل الخليل في العام 2024، وهو الآن يشغل نائب قائد كتيبة في نفس المنطقة: “كانوا يدخلون ويجلسون في الصالون ويحدثون فوضى كبيرة”. وبحسب قوله، فقد تلقى اتصالاً من عائلة فلسطينية أبلغت عن هجوم من قبل مستوطنين. فتوجه مع الجنود إلى المكان. وعندما طلب من الفتيان الإخلاء حرضوا كلبهم عليه، الذي حاول عضه.
هذه كانت البداية. حسب رواية ج. هدده شخص كان بمرافقة الفتيان، وقال إنه عضو في وحدة الدفاع القطرية ويملك مزرعة قريبة، هدده بأنه إذا قدم شكوى لقادته فسيقول الفتيان بأنه تحرش بهم جنسياً. وأضاف ج. بأن الحادثة سجلت بالكامل بكاميرا كانت على جسده، وأنه أبلغ عن ذلك بالفعل، لكنه لم يحصل على أي دعم من القيادة العليا، بل بالعكس. وقال ج: “في اليوم التالي اتصل قائد اللواء بهذا المستوطن وحاول إرضاءه، لكنه رفض التحدث معي. بعد ذلك، قام قائد السرية وقائد الكتيبة التي أخدم فيها، بتنظيم “صلحة”، بزعم أن العضو في وحدة الدفاع القطرية “كان يقوم بعمل نبيل”.
حدثت الحادثة قبل أربعة أيام على انتهاء خدمته في الاحتياط. فكر ج. بعائلته وبالسرية التي كان قائدها، وقرر عدم تقديم شكوى. “ربما كنا على خطأ”، اعترف. ولكن كان هناك دعم ضمني من قائد اللواء وكانت الرسالة واضحة، يمكن للضابط تحمل التهديد ومحاولة الاعتداء والإهانة ما دام لا يريد الدخول إلى شجار مع المزرعة. بسبب ذلك، فإن موقف معظم الناس هو ببساطة: “دعوني انتهي من هذا وأعود إلى حياتي”.
شهادات من قادة وجنود، نظاميين وفي الاحتياط، خدموا في الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر، تصف واقعاً تطمس فيه الحدود بين الجيش ووحدات الدفاع القطرية، وهم مستوطنون في المنطقة تم تجنيدهم في الاحتياط
الحادثة التي يصفها ج. مألوفة. شهادات أخرى من قادة وجنود آخرين، نظاميين وفي الاحتياط، خدموا في الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر، تصف واقعاً تطمس فيه الحدود بين الجيش ووحدات الدفاع القطرية، وهم مستوطنون في المنطقة تم تجنيدهم في الاحتياط. في محادثة مع “هآرتس” يقول هؤلاء المقاتلون، اثنان قدما شهادتهما لـ “نحطم الصمت”، إن أعضاء وحدات الدفاع القطرية يسمحون لأنفسهم بالعمل كقوة مستقلة، أحياناً مع مدنيين آخرين، وأن الكتائب الإقليمية التي من المفروض أن تقودهم تجد صعوبة، أو لا تتجرأ، في وضع حد لهم. يكتشف الجنود الذين يحاولون فرض الأوامر أحياناً بأنهم أصبحوا هدفاً. في حين تفضل القيادة العليا إرضاء المستوطنين.
إلى جانب الاحباط والشعور بالعجز، تكشف الشهادات عن أزمة ثقة تدفع المقاتلين إلى التشكيك في عدالة المهمة. يقول د.، قائد في الاحتياط: “لسنا بصدد إحباط الإرهاب، هذا عار. خلال عملنا على طول الخط ربما لم يتم اعتقال إلا شخصين فقط وصفا بأنهما إرهابيان من حماس في منطقة الخليل. أما العمليات الأخرى فكانت حول مواجهة اليهود الذين يبحثون عن الاستفزاز. مهمتنا الرقابة، نجلس على الجدار في غزة ونشكل خطوطاً في الضفة الغربية. نركض طوال اليوم في ملاحقة المستوطنين من حادث إلى آخر، ولا يعطونا أي اهتمام. يعتبروننا خادمين، وكأنهم يتفضلون علينا بالسماح لنا بحمايتهم”.
التجول بحرية في غرفة العمليات
بعد 7 أكتوبر، جند الجيش حوالي 5500 مستوطن في الضفة الغربية في إطار كتائب الدفاع القطرية من أجل الخدمة كقوة احتياط في المستوطنات القريبة من القرى الفلسطينية. وبسرعة، تراكمت الأدلة على تورط عناصر هذه الكتائب في أعمال العنف والتهديد وتخريب الممتلكات الفلسطينية. في كانون الثاني 2024 قال مصدر أمني لـ “هآرتس” بأنه تقرر حصر نشاطاتهم في المستوطنات فقط، واشتراط موافقة قائد اللواء على الأقل رسمياً على نشاطاتهم، لكن الواقع كان وما زال مختلفاً.
على سبيل المثال، في آذار الماضي، قتل ثلاثة فلسطينيين بالرصاص في حادثتين تورط فيهما مستوطنون من كتيبة الدفاع القطرية. وفي نيسان الماضي، أطلق جندي من هذه الكتائب النار على فلسطيني وقتله في قرية دير جرير في رام الله. وفي أيار الماضي، أطلق جندي من هذه القوات، كان ثملاً حسب شهادات المقاتلين، النار بشكل عشوائي على بيوت الفلسطينيين في مخيم العروب للاجئين. وحسب أوامر الجيش الإسرائيلي، فإن وحدات الدفاع القطرية، وتخضع للكتيبة واللواء الموجود في المنطقة، وتقوم بالأعمال في نفس المنطقة. ولكن حسب شهادات المقاتلين، يتبين مرة تلو الأخرى بأن أعضاء وحدات الدفاع القطرية لا يقبلون سلطة القيادة العسكرية. يقول ن.، وهو جندي احتياط خدم مئات الأيام منذ بداية الحرب، كيف لاحظت قوته أثناء الخدمة في جنوب جبل الخليل خيمة أقيمت على مدخل سوسيا الفلسطينية. في البداية، وصل شباب مع قطيع، بعد ذلك جاءت شاحنات ومعدات وأغنام. وقال: “لم يكن لدينا أي شك حول نهاية هذا الأمر. كان الهدف إثارة التوتر مع الفلسطينيين”. وحسب قوله، أبلغ قائد السرية قائد الكتيبة عن الحادث، بل وحذر من أن القوات لا تملك وسيلة لحماية الخيمة، وأنه مطلوب منها منع المواجهة. عندما طلب القائد إخلاء الخيمة وأظهر تخوفاً من انتهاء الاحتكاك بقتل فلسطيني أو مستوطن، رفضوا في اللواء في البداية، وفضلوا انتظار قدوم حرس الحدود. وبعد أن هاجم الشباب فلسطينياً بالحجارة وأصابوه إصابة بالغة في رأسه، تم الحصول على الإذن.
لقد وصلت قوة ن. إلى منطقة الخيمة وبدأت بإخلائها. وعندها ظهرت سيارة عسكرية فيها أعضاء من فرقة الدفاع القطرية. “كان جندي على المدخل حاول منعهم، لكنهم تجاهلوه واستمروا في السفر. داست الشاحنة على ساقه، حرفياً. نزلوا من الشاحنة وبدأوا في مهاجمتنا. وكانوا يسألون: ماذا تفعلون؟ لماذا تخلون الخيمة؟ وبدأوا في تهديدنا. هذا يظهر مستوى تشويه الواقع. أشخاص يرتدون الزي العسكري ويحملون السلاح في سيارة عسكرية صغيرة يحاولون منع الجيش من تنفيذ مهمة قررها القادة”.
وقال ن: “في حينه، انتشر فيديو في الشبكات الاجتماعية، ظهر فيه مستوطن وهو يصل إلى قرية فلسطينية ويضرب أحد سكانها، بمرافقة جنديين مسلحين. وقال ن: “كنا نعرف أن هذا حدث في قطاعنا، لكن الجنديين لم يكونا من الكتيبة ولم نكن نعرفهما. عرفنا أنهما من وحدة الدفاع القطرية. كما ترون، الرجل هنا يعتدي على فلسطيني. هناك فلسطينيون يقفون ولكنهم يعجزون عن فعل أي شيء بسبب الجنود المسلحين بجانبه”. وحسب ن. لم يبدأ اللواء في التحقيق في الحادث إلا بعد توجه المقاتلين لقائد السرية والضغط عليه. وقال اللواء لهم إن بعض صلاحيات قائد اللواء قد تم تقييدها، وإن المستوطن الذي قام بالضرب اعتقلته الشرطة، وبعد ساعات تم إطلاق سراحه”.
حسب ن. فإنه في يوم إخلاء الخيمة، تبين أن المستوطن كان من الذين وصلوا في السيارة العسكرية وهددوا الجنود. وقال ن: “في المساء اتصل قائد اللواء مع هذا المستوطن، الذي تبين أنه صاحب مزرعة قرب سوسيا وشخص معروف في المنطقة، وقام بمصالحته. وبالمناسبة، هو لم يتحدث معنا”. وحسب الشهادات، أقامت قوات الدفاع القطرية والمستوطنون نقاط تفتيش في بعض الحالات دون إذن أو تنسيق مع الكتيبة التابعين لها. وقال ل. وهو جندي خدم في الضفة الغربية: “يخرجون الفلسطينيين من سياراتهم ويوقفونهم على الشارع حتى تحت أشعة الشمس، ويكبلونهم ويفككون السيارات وكأنهم يجرون تفتيشاً، ولكنهم في الحقيقة يخرجون كل شيء. أما اليهود فيمرون بحرية في نقاط التفتيش هذه”. وقال قائد خدم في شمال “السامرة” مؤخرا: “يعمل أعضاء قوة الدفاع القطرية بالزي العسكري وهم يحملون السلاح. من وجهة نظر الفلسطينيين، هم جنود في الجيش الإسرائيلي عملياً. حتى لو تصرفوا دون تفويض أو بشكل مخالف للأوامر والقانون”.
وتشير الشهادات إلى أن أعضاء الدفاع المناطقية يصلون إلى أماكن النزاع قبل الجيش الإسرائيلي دائماً. ح.، وهو جندي خدم في منطقة “غوش عصيون” [مستوطنة]، قال: “في كل مرة كنا نصل فيها يكونون هناك بالفعل. لم يبلغونا مسبقاً عبر اللاسلكي. كنا نصل ونجدهم هناك بالفعل، ليس كعامل تهدئة، بل كجزء من الذين يثيرون الفوضى”. ويشير ح. وجنود آخرون إلى ازدواجية إشكالية؛ فمن جهة، يعتبر أعضاء هذه القوة جنوداً، وبالتالي، لديهم صلاحيات ووسائل عسكرية. ومن جهة أخرى، بصفتهم من سكان المستوطنات، فإنهم على صلة بمن يشاركون في بعض المواجهات العنيفة. وعلى الأغلب يعملون على حمايتهم، حتى عندما يكونون مصدر الاحتكاك والعنف ضد الفلسطينيين.
أعضاء هذه القوة يتحركون بحرية في أرجاء القواعد والمواقع الأمامية ويدخلون إلى المقرات العسكرية ويطلعون على التقارير والمعلومات الحساسة
حسب ح. فإن أعضاء هذه القوة يتحركون بحرية في أرجاء القواعد والمواقع الأمامية ويدخلون إلى المقرات العسكرية ويطلعون على التقارير والمعلومات الحساسة. ويرى المقاتلون أن هذه الطريقة تمكنهم من معرفة أماكن تحركات الجيش الإسرائيلي المتوقعة والقوات في كل قطاع، وهوية الفلسطينيين الذين اشتكوا من أعمال العنف. ويكمن قلق المقاتلين في تسريب المعلومات العسكرية للمدنيين.
يصف القائد م.، الذي أنهى الخدمة العسكرية في شمال “السامرة”، عمليات نهب وقعت أمام أنظار جنوده في نقطة تفتيش في جبل عيبال، حيث كانت سيارات فلسطينية مصادرة متوقفة. ويقول إن مستوطنين وصلوا وبدأوا في تفكيك أجزاء من السيارات. وعندما سألهم أحد الجنود عن هذا التصرف قالوا: “ما الذي تقصده؟ سنأخذها، لنا”. وأضافوا بأنهم حصلوا على إذن من الحاخام بأنها “غنائم حرب”، وهددوه بقولهم: “اهرب قبل أن تحدث مشاكل”.
شاهد م. حادثة، وحسب قوله أطلق فيها حاخام من مستوطنة النار على راع لم يكن يشكل أي تهديد. كان الراعي بعيداً، ولم يحدث هناك أي خطر. مع ذلك، وقف الحاخام وأطلق النار عليه من داخل المستوطنة عبر السياج. ماذا فعلوا؟ قال: “صادروا سلاحه مثلما يصادرون هاتف ولد في المدرسة. وبعد أسبوعين أرجعوه له. هذا لم يكن مجرد عقاب صغير، بل أظهر أنه حتى إطلاق النار غير المبرر لا يعتبر مبرراً للقيادة من أجل التحقق من أهلية مطلق النار لحمل السلاح العسكري”. وحسب الشهادات، يشارك أعضاء في وحدة الدفاع القطرية في عمليات الاعتقال، ليس بالتنسيق دائماً. ويقول ر. القائد الذي خدم في “غوش عصيون”: “يأتون معنا أحياناً بملابس مدنية، وكأنهم قوة لا تنفصل عن الكتيبة. في أحيان كثيرة، ينضم مدنيون من المستوطنات دون تنسيق أو تعريف. ويدخلون بيوت الفلسطينيين دون أن يخبرهم أحد بشيء. بعضهم ليسوا مقاتلين أصلاً، ولا يعرفون عن التدريب العملياتي. وفي أكثر من مرة، كاد الأمر ينتهي بإطلاق نار متبادل”. ويقولون لك بصراحة إنهم أصحاب البيت، وهذا هو الشعور السائد على الأرض.
أحد المقاتلين في الضفة الغربية
لا ينعكس الشعور فقط على النشاطات العملياتية. ت. يقول، وهو جندي أنهى الخدمة في نابلس مؤخراً، كيف أنه ذات يوم، في أعقاب انفجار أنبوب في الموقع، قطع تدفق المياه لوقف الفيضان. “بعد ساعة، وصل مستوطن وسأل: من الذي قطع المياه؟ في البداية، اعتقدت أنه أحد الجنود. قلت له: اسمع، حدث هنا انفجار. فقال لي: قطعت المياه عني وعن عائلتي. وأشار إلى أنه يعيش هناك فوق التلة، وأن المياه تصل عبر هذا الأنبوب. قلتُ: ماذا تقصد؟ هل تحصل على المياه من الموقع العسكري؟ فأجاب: نعم، هذا هو الترتيب هنا. بعد ذلك غضب”. حسب ت. فإن ربط البنى التحتية المدنية الخاصة بالجيش دون رقابة أو دفع منتظم لم يؤد إلى اتخاذ أي إجراء ضد المستوطن. وحسب تقديره، فإن سرقة المياه ما زالت قائمة.
أحياناً، يتم بناء العلاقة بين الجيش وأعضاء وحدة الدفاع القطرية على أساس التقارب الشخصي. يدعو المستوطنون الجنود والقادة لتناول الطعام ويبنون شعوراً بالشراكة. ولكن حسب المقاتلين، يتضح دائماً أنها شراكة مزيفة، وتخفي صراعاً دائماً من أجل السيطرة على المنطقة، وتحدياً مستمراً للسلطة العسكرية. في الوقت نفسه، التقارب الذي يظهره المستوطنون يجعل من الصعب وضع حد لهم. وربما بسبب ذلك، يشعرون أنهم أصحاب البيت حتى في المواقع العسكرية.
هآرتس 9/8/2026