الناصرة- “القدس العربي”:
يكشف تقرير حقوقي جديد أن المنظومة الطبية الصحية في إسرائيل مصابة بأمراض مزمنة ومعدية تتمثل بالعنصرية والتمييز والاعتقاد بالفوقية العرقية.
وتحت عنوان “هذا هو التعايش.. صمت وإسكات للعاملين الفلسطينيين في المنظومات الصحية الإسرائيلية”، توجه منظمة “أطباء لحقوق الإنسان” انتقاداتها اللاذعة للمستشفيات والعيادات الطبية لملاحقتها سياسيا منذ السابع من أكتوبر القوى العاملة الطبية من طبيبات وأطباء وممرضين وممرضات وتقنيين من فلسطينيي الداخل.
التقرير المستند على دراسة ميدانية استمرت عاما، وعلى شهادات ومقابلات، يشير إلى واقع مربك موجود تحت غطاء “التعايش اليهودي-العربي” الذي يميز المنظومة الطبية للوهلة الأولى. ويقول التقرير المطول إن المستشفيات الإسرائيلية تقوم بعمليات إسكات العاملين الفلسطينيين فيها. وتنقل عن طبيبة عربية دون الكشف عن اسمها، القول: “نعيش واقعا صعبا. يريدوننا أن نكون كالماكنة دون مشاعر. نعمل ونحصل على راتب في نهاية الشهر. ولذا سألت نفسي ما الذي أفعله هنا؟ أنا لا أقوم بعملي وواجبي الإنساني كما يجب، ولذا كنت مضطرة لوقف عملي داخل المستشفى”.
عندما يصبح “لايك” تهمة
وتدلل معطيات التقرير الحقوقي على أنه منذ السابع من أكتوبر 2023 يحصل تدهور غير مسبوق في معاملة القوى الطبية الفلسطينية في المستشفيات الإسرائيلية. ويوضح تقرير منظمة “أطباء لحقوق الإنسان” أن عشرات العاملين العرب داخل هذه المستشفيات (15 مستشفى وصناديق المرضى الأربعة) قد تعرضوا لجلسات انضباط وتحقيقات على خلفية نشرهم منشورات تناهض الحرب، أو حتى قيامهم بوضع شارة “لايك” على منشور، أو نشر صورة من نتائج الحرب.
ويسترسل التقرير في وصف حوادث تعرض أطباء وممرضون لمساءلة، وطلب إليهم الإعراب عن أسف عما نشروه، والتعبير عن ندمهم لنشر كلمات تكافل إنسانية مع ضحايا حرب الإبادة، منوها أنهم تعرضوا في بعض الحالات لعقوبات جوهرية. كما يشير التقرير إلى أنه إضافة لما ذكر، هناك مناخ تنظيمي شامل معتل، بموجبه يمنع العاملون الفلسطينيون داخل المستشفيات الإسرائيلية من التحدث بالعربية، ويتعرضون لـ”اختبارات ولاء” بشكل غير رسمي، علاوة على ارتفاع تجليات القومجية والعسكرة في أروقة المستشفيات والعيادات.
ويلفت التقرير إلى وجود فجوة عميقة بين صورة المنظومة الطبية في الوعي العام كمكان تسود وتتحقق فيه قيم المساواة والتعاون والإنسانية، وبين مشاعر الكثيرين من العاملين الفلسطينيين فيها، ممن يصفون واقعا من الإقصاء والملاحقة والخوف والإسكات. ويشدد التقرير على أن الخطوة الأولى لتوفير منظومة متساوية أكثر تكمن بالاعتراف بالفجوات القائمة، منوها أن المنظومة الطبية الصحية في إسرائيل غير منفصلة عن صيرورات وتحولات اجتماعية واسعة فيها، من بينها قومجية وعسكرة وتمييز عنصري بنيوي.
إضافة لعرض المعطيات، يقدم التقرير الجديد الصادر عن المنظمة الحقوقية الإسرائيلية “أطباء لحقوق الإنسان” عدة توصيات لتغيير السياسات والثقافة التنظيمية، ومع ذلك فإن رسالته المركزية الصادرة عن التقرير هي دعوة للإصغاء: تمكين العاملين العرب من إسماع صوتهم دون خوف.
“عنصرية بالمعطف الأبيض”
وكرست صحيفة “هآرتس” العبرية اليوم الخميس افتتاحيتها لهذه الظاهرة، ووجهت انتقادات حادة للمسؤولين عنها، مشيرة لما اعتبرته فضيحة متمثلة بملاحقة المنظومة الطبية للعاملين العرب فيها، ملاحقة سياسية وكم أفواه متساوقة مع موقف الحكومة بعد السابع من أكتوبر.
وتتنبه “هآرتس” وتقر بأن العنصرية أعمق وأقدم داخل المستشفيات الإسرائيلية، وتسلط الضوء على أن نحو ثلث الأطباء في المستشفيات الإسرائيلية هم فلسطينيون، لكنهم يحرمون من الوظائف الإدارية التي تبقى مخصصة لليهود. كما تشير إلى ظاهرة أخرى تنم عن استشراء وباء العنصرية: بطالة الأطباء العرب، فهناك آلاف ممن تخرجوا من أفضل كليات الطب ولا يجدون عملا بسبب كونهم عربا. وعن ذلك تقول “هآرتس” في كلمة العدد اليوم: “بدلا من تشغيل هؤلاء الخريجين، يبنون كليات طب جديدة ومكلفة بحثا عن أطباء يهود”.
سلب ونهب عميق وقديم
وتخلص “هآرتس” للقول إن حكومة نتنياهو تفضل تفوقا يهوديا على إنقاذ حياة المواطنين في إسرائيل، مؤكدة أن منظوماتها الصحية أيضا تصيب الناس بأمراض معدية مزمنة: عنصرية وتمييز.
يشار في هذا المضمار إلى أن بعض المراقبين والمعلقين الإسرائيليين أيضا يلتفتون لاستشراء العدوانية والفاشية وتفاقم خطاب الكراهية والعنصرية في إسرائيل منذ الحرب، منهم محرر الشؤون الشرق أوسطية دكتور تسفي بار إيل. وفي مقال نشرته “هآرتس” أمس، يسخر بار إيل من تصريح قائد الجيش إيال زامير بأن تحطيم تمثال السيد المسيح في لبنان لا ينسجم مع قيم وروح الجيش، وإن سرقة السجاجيد والكراسي وسلب الممتلكات الأخرى من بيوت اللبنانيين في الجنوب تنطوي على عار.
وعن ذلك قال بار إيل: “هذه ليست روح الجيش، هذه روح الإسرائيليين والدولة، وإلا كيف يتعرض الفلسطينيون في الضفة الغربية للسلب والنهب والقتل والتهجير، والإسرائيليون يصمتون”.
يذكر أن رئيس الموساد الأسبق تامير باردو، الذي رافق عددا من المسؤولين الأمنيين السابقين في جولة داخل الضفة الغربية قبل يومين، قال إنه يخجل بأنه يهودي، وإن ما شاهده من انتهاكات في الضفة بحق الفلسطينيين يذكره بما تعرض له اليهود في أوروبا خلال القرن الماضي، في إشارة إلى جرائم النازيين، محذرا من أن ذلك سيشكل توطئة لسابع من أكتوبر جديد.
منابع الكراهية
يشار إلى أن المحاضرة في الجامعة العبرية المناهضة للاحتلال، الباحثة الأبرز في مجال التربية والتعليم، بروفيسور نوريت إلحنان بيلد، قالت قبل شهور لـ”القدس العربي” إن منابع حرب الإبادة والعنصرية والفاشية وكل الأمراض المستشرية في صفوف الإسرائيليين موجودة في مناهج التعليم داخل مدارسهم. وهناك باحثون أمثال المؤرخ إيلان بابيه يرون أن تمثلات العنصرية والعدوانية مردها للصهيونية التي بنت مشروعا تاريخيا على السلب والنهب والقتل والتهجير.