«المرأة التي لا تشبه اسمها»… عن شرٍّ حسن النيّة!


لم يكن اسم ملك مناسبا للطفلة التي حُمِّلته. أول من رأى عدم استحقاقها له كانت أمّها التي كانت تتمنّى أنها لم تلدها. ليس بسبب الدمامة وحدها، بل لأسباب كثيرة بينها كراهية الأمّ لها، تلك التي لم تتوقّف طوال عيشهما معا. كانت «ملك» حولاء، وهذا ما كانت تلك الأم تناديها به، وهو ما بدا علامة على تلبّس شيطاني تراه فيها.
أما الابنة (ملك) فسرعان ما انتقلت إليها عدوى الكراهية تلك، فبدأت بكره نفسها أولا، وبالظن بأنها لا تستحقّ أن تُعامل كشخص يمكن ان يُحَبّ. وقد لاحظت بنفسها ميلا إلى الاعتداء والقتل بدأ بذلك المشهد الذي أحرقت فيه سرب النمل الذي أفقده عماه الحسّ بالاتجّاه، فراح يدور في تلك الدائرة لا يرى كيفية الخروج منها. دلقت على النمل ماء من قنينة كانت معها ثم بدأت بدعسها حتى أماتتها كلّها.
مبكرة وجدت تلك الطفلة مسوّغا لقسوتها تلك. قالت، وهي الراوية لحكايتها، إنّ عليها أن تخلّص النمل من الدوران هكذا أياما متتالية حتى تُنهك وتموت. وهي استمرّت في القيام بتخليص الناس من عيشها فقتلت ابنتها بمشهد يقطع الأنفاس، إذ رفعتها بين يديها إلى الفراغ خارج درابزين الشرفة وراحت تؤرجحها في الهواء مرّة بعد مرةّ قبل أن تفلتها وتهوي بها ميّتة على أرض الشارع. كانت، هنا أيضا، تسعى إلى تجنيب ابنتها ما قد تعانيه جرّاء تلك الوحمة السوداء التي تنتشر مغطّية نصف وجهها. كانت جريمتها فعل خلاص إذن، تؤدّيه لمن لن يلقى الرحمة من البشر. وهي استمرت في العمل، حسب اعتقادها ذاك فراحت، وقد صارت تعمل ممرّضة في مستشفى توليد، توالي قتل مَن لن يحتمل من المواليد قسوة الحياة.
في الرواية جرى تعداد طرق القتل واحدة واحدة، وكان أكثرها حقن الضحية الصغيرة بجرعة قاتلة من الإنسولين، لم يستطع زوجها، وحبيبها قبل ذلك، تحمّل موت ابنته فهجرزوجته، القاتلة وبطلة الرواية. كان قد أقبل على الزواج منها بالقسر. كان زوجا لأختها حواء، المنتحرة بشنق نفسها، فعشقته بعد ما رأت أنه فارس أحلام طيبّ ومثقف دفعها إلى قراءة الأدب حتى كادت تكون ضالعة فيه. ذلك الفاصل من حياتها، فاصل عشقها له، نقل مشاعرها إلى خارج ميلها الفطري إلى مساعدة الناس بقتلهم، فأحبّت من رأت فيه مثالا للرجل المثقف العطوف. هو فاصل من حياتها بدت فيه كأنها أُُرجعت إلى سوية عادية، شأن كل شابة تقع في الحبّ. وعلى ايّ حال، كان ميلها إلى ارتكاب الجرائم مخترَقا في الرواية، أو فلنقل إن رسم تلك الشخصية اختلطت فيه وجوه ومراحل من حياة طبيعية بدت خلالها قابلة بما تمنحه لها الحياة. من ذلك مثلا مشاعر الصداقة الخالصة التي جمعتها برفيقتها فريدة، المصابة بمرض البهاق. هذه أيضا لقيت حتفها وهي بعد في السابعة عشرة، وذلك باصطدام السيارة التي كانت فيها بصحبة والدها.
هذه المرّة أدّى القدر ما كانت هي، ملك، ستؤدّيه، فرأف بفريدة قبل ان تنهال عليها المصائب بسبب البهاق. أما هي،، الحاملة نزعة القتل، فكان عليها أن تكون شاهدة هذه المرة على قسوة أتت من خارج سعيها الخاصّ. وقد أعقب ذلك الطعن بميلها الجرميّ انقلاب شخصية زوجها حميد الطيب وتكشّفه عن محرّض على القتل، وهذا سيأخذ الرواية إلى منحى انبنت في الأصل على مخالفته. من أجل التشويق ربما، أو من أجل إضافة عقد سرد إضافية عمدت الكاتبة إلى إجراء ذاك التبديل في شخصية الزوج، كما أدّى إلى تراجع في تكوين الشخصية الخطرة روائيا، ذاك الذي قلما قرأناه في الرواية العربية. أعني هنا أن التكوين النفسي لتلك الشخصية تشتّت، بتسويغ الجرائم بردّها إلى مفهوم إيجابي أولا، ثم نقل الشرّ إلى شخصية، بل إلى شخصيات أخرى.
لكن قارئ الرواية ظلّ مقبلا على قراءتها مشدودا إليها. لم تّبقه الكاتبة في خطّ سرد بارد فعملت، مع بداية كل فصل جديد، على خلق بداية جديدة فتبدو بذلك بادئة روايتها من جديد. ثم هناك تلك القدرة على مفاجأة القارئ بأفعال ذات وقع مؤثّر تسعى بها إلى إيقاظه من الملل الذي قلّما يبارح قرّاء الروايات.
الكاتبة وئام شرماطي تعرف كيف تفاجئ وكيف تأتي بما لم يكن منتظرا. وهي، إذ تعود إلى البيئة الأوسع للمجال الذي تدور فيه الرواية، ذهبت إلى ما هو أكثر بقاء في تاريخ الجزائر المتأخر، إلى مقاومة الجزائريين، والجزائريّات على نحو أخصّ، في مقاومة الاحتلال الفرنسي، واجدة لذلك مجالا يصل بين عالم روايتها النفسي والجلامي إلى حقبة نضال راسخة في وعي الجزائريين.
*رواية وئام شرماطي «المرأة التي لا تشبه اسمها» صدرت عن «شركة المطبوعات للتوزيع والنشر» في 226 صفحة- سنة 2025.

كاتب لبناني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *