المحكمة الجنائية الدولية بين الحق والسياسة


حينَ تتوارى النورانيّةُ خلفَ كواليسِ الظلام، تضطربُ الأرواحُ، ويختلُّ ميزانُ السلام. لا يأمنُ الإنسانُ في موطنِه، ويغدو الطريقُ موحشا أمامَ السائرين بخطى الخوف. أوصى الحكماءُ أن نكونَ صارمينَ مع الظالمين، لعلَّ ميزانَ القِسمةِ يستقيمُ بالعدل. غيرَ أنّ النورانيّةَ ما زالت تنتظرُ قاضيا ينتصرُ للحقّ، ويأخذُ بيدِ المقهورين. فإذا غابَ حتى القاضي، صرنا جميعا أسرى القضبان، في غابةٍ أشدَّ فتكا من الأسودِ والسباعِ في البراري.
أفتح في هذا المقال ملفّا بالغ الأهمية، ملفَّ المظالم والتعدّيات على الحقوق وسيادة الأمم. حتى صار المجتمع الدولي، في ظلّ إفلاتٍ من العقاب وتجاوزٍ للقوانين، ساحة تُهدَّد فيها الحياة والكرامة الإنسانية. ومن هنا تنطلق دعوتنا إلى محكٍّ أمميٍّ يُعيدُ للعدلِ وزنه ومكانته: المحكمة الجنائية الدولية.
فكيف نُفعّلُ هذه المؤسسة لتكون رادعا حقيقيا؟ وكيف نجعلُ خضوعَ الدول لسلطانِ القانون الدولي أفقا عمليا لا مجرد شعار؟ الجواب لن يكون قانونيا فحسب، بل تصميما سياسيا وشعبيا يربطُ بين المساءلة وكرامة الضحايا. فالمظلوم ينبغي أن يُستعاد له اعتباره، والظالمُ أن يلقَى جزاءه العادل، كي يتحقّق الردعُ وتستعيد الدولُ ثقتها بأنّ القانون هو الحامي الأصدق للسيادة والحق.

الواقع أن القانون الدولي لا يعمل في فراغ، ولا بمعزل عن التحولات المحيطة به؛ بل يتنفس داخل شبكة معقدة من المصالح والاستراتيجيات والتحالفات

أُنشئت المحكمة الجنائية الدولية (ICC) بموجب نظام روما الأساسي عام 1998، لتكون أول هيئة قضائية دائمة تُعنى بمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان. ودخل النظام حيّز التنفيذ عام 2002، مؤسِّسا صرحا قانونيا دوليا طالما تطلّع إليه المدافعون عن العدالة. انضمت إليه حتى اليوم نحو 125 دولة، بينما امتنعت أخرى، من بينها قوى كبرى، عن التوقيع أو صادقت عليه ثم انسحبت لاحقا.
ورغم أن المحكمة تمثل رمزا لفكرة العدالة الكونية، التي لا تعرف حدودا أو حصانات، إلا أن التردد والخشية من الانضمام إليها ما زال سائدا لدى عدد من الدول. فقبول ولايتها القضائية يُعدّ، في نظر بعض الحكومات، مساسا بالسيادة الوطنية واعترافا ضمنيا بحق جهة دولية في محاكمة مواطنيها، وهو ما تعتبره انتقاصا من هيبتها واستقلال قرارها الداخلي. تتعمّق هذه الهواجس حين تخشى بعض الأنظمة من أن هذه المحكمة قد تتحوّل إلى أداة بيد القوى الكبرى لمعاقبة خصومها السياسيين تحت غطاء الشرعية الدولية. أما الأنظمة السلطوية، فتخشى الانضمام خشية فتح ملفات تتعلق بانتهاكات ارتكبت خلال فترة حكمها، إذ يدرك قادتها أن تغير موازين السياسة قد يضعهم يوما ما في موضع الاتهام بعد أن كانوا في موقع السلطة. كما تواجه المحكمة انتقادات متزايدة بأنها تركّز على القضايا الافريقية والعربية، بينما بدت أقل حضورا في التعامل مع انتهاكات تُنسب إلى قوى كبرى أو حلفائها، مما أضعف الثقة بقدرتها على تطبيق العدالة بمعايير واحدة. ويُضاف إلى ذلك تأثير مجلس الأمن الدولي، إذ يملك صلاحية إحالة القضايا إلى المحكمة أو تعطيلها، مما منح الدول دائمة العضوية سلطة توجيه مسار العدالة الدولية، وفق حساباتها السياسية. وهكذا ظلّت سلطة المحكمة تتأرجح بين طموح العدالة ومحددات الواقع السياسي.
هذا التداخل بين منطق السياسة ومنطق القانون يجعل المحكمة الجنائية الدولية، في نظر كثيرين، كيانا معلقا بين المثال والواقع؛ فهي من جهة تجسيد لحلم البشرية في محاسبة المجرمين مهما كانت مواقعهم، ومن جهة أخرى تواجه تحدياتٍ تجعل العدالة التي تسعى إليها رهينة لمعادلات القوة والنفوذ. رفضت الولايات المتحدة الأمريكية الانضمام إليها منذ البداية، مبرّرة موقفها بحماية جنودها المنتشرين حول العالم من أي ملاحقة قضائية محتملة. أما روسيا، فقد وقّعت ثم انسحبت رسميا، ووصفت المحكمة بأنها غير نزيهة، فيما رفضت الصين الانضمام خوفا من أي ولاية قضائية دولية تتجاوز سلطتها الوطنية. تهرّب القوى الكبرى ليس موقفا سياسيا عابرا، بل مرآة تكشف تناقض النظام الدولي؛ نظام يتغنّى بالعدالة الكونية ويُصدّر للعالم شعارات المساواة والمحاسبة، لكنه يحمي الأقوياء ويترك الضعفاء وحدهم في مواجهة القضاء الدولي. هذه المواقف الثلاثة أضعفت الثقة العالمية بالمحكمة، ورسّخت لدى العديد من الدول النامية فكرة أن العدالة الدولية انتقائية، مبتورة الإرادة، محكومة بميزان القوة لا الحق، وبدت المحكمة أداة قانونية بلا أنياب سياسية. فالواقع أن القانون الدولي لا يعمل في فراغ، ولا بمعزل عن التحولات المحيطة به؛ بل يتنفس داخل شبكة معقدة من المصالح والاستراتيجيات والتحالفات. في هذا الفضاء المتشابك، يتداخل الحق بالسياسة وتتماس العدالة مع حسابات القوة، وتصبح المبادئ في كثير من الأحيان رهينة لما تقتضيه الواقعية الدولية. ولذلك، فإن قرار أي دولة بالانضمام إلى المحكمة أو الانسحاب منها، لا يمكن النظر إليه بوصفه قرارا قانونيا صرفا؛ فهو في جوهره قرار سياسي بامتياز، تُجري فيه الحكومات موازنة دقيقة بين مكاسب الانضمام ومخاطره، ورغبتها في ترسيخ صورة إيجابية على الساحة الدولية وحرصها على حماية سيادتها من أي تدخل خارجي محتمل. وهكذا يصبح الانضمام للمحكمة خطوة تُقاس بميزان دقيق يجمع بين المبادئ والطموحات والاعتبارات الواقعية للدولة. وفي خضم هذا التأرجح، تبقى المحكمة، رغم نبل أهدافها، رهينة ميزان قوى غير متكافئ، يُحدّد من تُقام عليه العدالة ومن تُستثنى منه، في عالمٍ لا يزال القانون فيه تابعا للسياسة لا حاكما لها. ومع ذلك، فليس في الأفق ما يدعو إلى اليأس. فكلما ازداد وعي الشعوب بحقوقها، وتعاظم صوت الضمير الإنساني العالمي، وتنامت أدوات الرقابة والمساءلة عبر الإعلام والمؤسسات المدنية، ضاق هامش المناورة أمام الدول التي تتستر خلف جدار السيادة. ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى إصلاح هذا الصرح القانوني الدولي، بحيث يصبح إطارا قضائيا عالميا يضمّ بين جنباته دول العالم كافة. غير أنّ إصلاحه ليس مهمة يسيرة، فهو يتطلب جهدا دوليا واسعا يبدأ بالدعوة إلى مؤتمر دولي كبير يراجع نظام روما الأساسي، ويعمل على تحريره من التجاذبات السياسية وتقليص سلطة مجلس الأمن في تقييد عمل المحكمة. كما يجب توسيع اختصاصاتها وتعزيز استقلالية المدعي العام. ولا يقلّ أهمية عن ذلك مراجعة آليات التمويل بما يضمن للمحكمة موردا ماليا دوليا ثابتا ومستقلا يحدّ من نفوذ الدول المانحة في مسار العدالة. كما ينبغي تشجيع عقد مؤتمر دولي آخر يتبنى نظاما جديدا لإقناع الدول بالانضمام إليها عبر تقديم ضمانات حقيقية تؤكد أنّ المحكمة ليست أداة سياسية ضد الأنظمة، وأنّ عدم الانتقائية في الملاحقات مبدأ لا يمكن تجاوزه. كذلك يجب توضيح أن الانضمام لا يعني التنازل عن السيادة، بل ينسجم مع احترام القوانين الوطنية، وأن القضاء الدولي يكمل الوطني، ولا تتدخل المحكمة إلا في الجرائم الجسيمة التي تعجز الأنظمة القضائية المحلية عن معالجتها.
ويمكن تعزيز جاذبية الانضمام من خلال ربطه ببرامج دعم دولية، مثل تطوير القدرات القضائية الوطنية والمشاركة في مبادرات الأمم المتحدة المعنية بالأمن والسلام وسيادة القانون. كما ينبغي إبراز أنّ المحكمة ليست موجّهة ضد دول الجنوب وحدها، بل هي منصة لمحاسبة الجميع بلا استثناء. ويكتمل هذا المسار بدعم الوعي القانوني العالمي عبر منظمات حقوق الإنسان والاتحادات القانونية والجامعات، وبناء حملات دولية تبرز أهمية مكافحة الإفلات من العقاب. وعبر هذه الخطوات يمكن بناء صرح قضائي دولي تخضع له جميع الدول، وتُصان فيه العدالة، لنحيا في عالم أكثر إنصافا تُحترم فيه سيادة القانون. لكن كل ذلك يظلّ مرتبطا بشرطٍ أساسي: وعيٌ عالميٌّ راسخ بأنّ الإفلات من العقاب لم يعد مقبولا، وأنّ العدالة حقٌّ لا يمكن التنازل عنه.
إننا نتطلع إلى مستقبلٍ لا ريب فيه أمن للمجتمع الدولي، حيث تُطبَّقُ قواعد العدالة بلا استثناء، وحيث تُقدَّمُ الشكاوى إلى هيئة قضائية قادرة على ترجمة الأحكام إلى واقع عملي يعيد التوازن ويحفظ الأمن الدولي. تفعيل المحكمة الجنائية الدولية ليس رفاهية قانونية، بل هو شرط بقاء لكرامة الشعوب واستقرار الدول، وبغيره يبقى العالم معرضا لانحلال أخلاقي وسياسي لا يرحم. حينذاك سيغدو القانون الدولي ضمير البشرية الحيّ، لا سلطة فوقه سوى سلطة الحق والإنسانية.

كاتبة فلسطينية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *