متابعة/المدى
في حوار تناول ملفات الفساد وبناء الدولة والدبلوماسية وإدارة الموارد المائية، عرض وزير الموارد المائية الأسبق حسن الجنابي مواقفه بشأن أبرز التحديات التي تواجه مؤسسات الدولة بعد عام 2003، متحدثاً عن المحاصصة، ومكافحة الفساد، وإصلاح القطاع الدبلوماسي، وآليات إدارة أزمة المياه في العراق.
وأكد الجنابي، خلال حديث في برنامج “مواجهة”، تابعته (المدى) أن مكافحة الفساد لن تنجح ما لم تُبنَ منظومة قانونية ومؤسساتية أقوى من منظومة الفساد نفسها، معتبراً أن نظام المحاصصة السياسية كان من أبرز العوامل التي رسخت الفساد داخل مؤسسات الدولة.
وأوضح أن الفساد بات متغلغلاً في مفاصل الدولة، وأن الاقتصار على توقيف موظفين من المستويات المتوسطة أو الإعلان عن ضبط مبالغ مالية لا يكفي لاستعادة ثقة المواطنين، مشدداً على ضرورة ملاحقة كبار المتورطين وتطبيق القانون من دون استثناء.
وأضاف أن أي إصلاح حقيقي يبدأ بإنهاء المحاصصة، وتعزيز الشفافية في إدارة الدولة والاقتصاد، وتقوية أجهزة إنفاذ القانون، إلى جانب ترسيخ ثقافة مجتمعية ترفض الرشوة والفساد.
وأشار إلى أنه رفض، خلال توليه وزارة الموارد المائية، جميع محاولات التأثير عليه عبر الهدايا أو العروض غير القانونية، مؤكداً أن الحزم في التعامل مع هذه الممارسات يقطع الطريق أمام الفاسدين.
وبيّن أن نجاح أي حكومة في مكافحة الفساد يرتبط بتوفر الإرادة السياسية والاستقلالية في اتخاذ القرار، معتبراً أن الظروف الحالية تجعل المهمة معقدة، لكنها ليست مستحيلة إذا اقترنت بإصلاحات مؤسساتية جادة.
وفي الشأن الدبلوماسي، رأى الجنابي أن التعيينات السياسية أضعفت أداء وزارة الخارجية، مؤكداً أن الوزارة تمتلك خبرات مهنية متراكمة ينبغي الاعتماد عليها بدلاً من استقدام كوادر من خارج المؤسسة.
وقال إن الاعتماد على مجموعة محدودة من المقربين لإدارة الوزارات يعكس غياب الثقة بالمؤسسات، بينما يفترض أن يكون الوزير قادراً على اكتشاف الكفاءات داخل وزارته والاستفادة منها.
وأضاف أن معظم الدول تعتمد على كوادرها المهنية في السلك الدبلوماسي، باستثناء عدد محدود من التعيينات السياسية، منتقداً تعيين نحو 90 سفيراً دفعة واحدة في العراق، معتبراً أن العملية افتقرت إلى الإجراءات المهنية، مثل دراسة السير الذاتية وإجراء المقابلات وتقييم المرشحين.
وأوضح أن التعيينات السياسية في وزارة الخارجية ليست جديدة، لكنها توسعت خلال السنوات الماضية حتى شملت غالبية المناصب، لافتاً إلى أن بعض الدبلوماسيين المهنيين اضطروا للحصول على دعم سياسي لضمان إدراج أسمائهم ضمن قوائم الترشيح.
وفي الملف المائي، أوضح الجنابي أن تحسن الخزين المائي هذا العام يعود إلى وفرة الأمطار والثلوج، وليس إلى نجاح دبلوماسي، مشيراً إلى أن الخزين تجاوز 31 مليار متر مكعب.
وأكد أن العراق ما يزال يدير ملف المياه بردود الأفعال، إذ يتحرك عند وقوع الأزمات، بينما تغيب الخطط الاستراتيجية لمواجهة الجفاف والتصحر وتراجع الإطلاقات المائية.
ودعا إلى إعادة تموضع وزارة الموارد المائية، لتتحول من وزارة تشغيلية تدير الأعمال اليومية إلى مؤسسة استراتيجية تتولى رسم سياسات الأمن المائي، مع توحيد إدارة القطاع المائي الذي تتوزع مسؤولياته حالياً بين عدة جهات حكومية.
وانتقد مشروع نقل المياه من قناة البدعة إلى البصرة عبر أنابيب بطول 240 كيلومتراً، والبالغة كلفته نحو ملياري دولار، واصفاً إياه بأنه غير مبرر اقتصادياً وفنياً، مؤكداً أن هذه الأموال كان يمكن استثمارها في إنشاء محطات تحلية مياه البحر لتأمين احتياجات البصرة من مياه الشرب.
وأشار إلى أن أزمة المياه في العراق لا ترتبط بنقص السدود، بل بانخفاض الإطلاقات المائية من دول المنبع، موضحاً أن البلاد لم تعد تعتمد كما في السابق على ذوبان الثلوج، بل أصبحت الأمطار تشكل الجزء الأكبر من الإيرادات المائية، في ظل احتجاز المياه داخل سلسلة السدود المقامة في أعالي الأنهار.
وشدد على أن مواجهة هذه التحولات تتطلب استراتيجية وطنية تعتمد إعادة استخدام المياه المعالجة، ومنع تلويث الأنهار، وتحسين كفاءة القطاع الزراعي، مع تطوير سياسات مائية تتناسب مع الواقع الهيدرولوجي الجديد.
وأضاف أن معالجة تلوث الأنهار ليست مسؤولية وزارة الموارد المائية وحدها، بل تتطلب تنسيقاً بين مختلف المؤسسات المعنية بالبنى التحتية والصرف الصحي، داعياً إلى توحيد إدارة القطاع المائي وتعزيز ثقافة ترشيد استخدام المياه، مع التركيز على رفع كفاءة الاستهلاك الزراعي بوصفه الأكثر تأثيراً في إدارة الموارد المائية.
المصدر: برنامج “مواجهة“.