دمشق ـ «القدس العربي»: حكمت محكمة سورية بالسجن المؤبد مدى الحياة على المفتي في النظام السابق أحمد بدر الدين حسون، بعد إدانته بخمس جرائم، أبرزها إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي.
وصدر الحكم على حسون، وهو من مدينة حلب وابن الشيخ الصوفي الراحل محمّد أديب حسون، بعد توقيفه في آذار/مارس 2025، خلال محاولته مغادرة البلاد عبر مطار دمشق الدولي.
ولاقى الحكم الذي صدر في الجلسة السادسة من المحاكمة التي كانت قد بدأت في 25 حزيران/ يونيو الماضي، ترحيبا من مصادر رسمية في وزارة الأوقاف السورية وأعضاء من مجلس الشعب، تحدثوا لـ«القدس العربي».
وقائع الجلسة
ووسط إجراءات أمنية مشددة في محيط وداخل القصر العدلي القديم في دمشق، أُحضر حسون إلى قفص الاتهام مقيدا ومعصوم العينين وبلباسه المخطط، واستمع إلى قرار الحكم من دون تعليق، وبحضور عدد من أعضاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وممثلين عن منظمات قانونية وإنسانية دولية وعدد كبير من الصحافيين وممثلين عن الادعاء الشخصي ضد حسون.
وفي مستهل الجلسة، تحدث قاضي محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، فخر الدين العريان، عن السياق التاريخي للدعوى المقامة ضد حسون.
وقال إن النظام سخر مختلف القوات العسكرية والأجهزة الأمنية في عمليات قمع المظاهرات السلمية التي خرجت بداية عام 2011، إلى جانب تشكيلات مسلحة غير نظامية، وميليشيات استقدمت من خارج البلاد، ارتكبت أفعالا شملت القتل واسع النطاق والتعذيب والعنف الجنسي والنهب، وتدمير الممتلكات والتهجير والإخفاء القسريين بحق السكان المدنيين، وذلك على نحو شكل هجوما واسع النطاق ومنهجيا موجها ضد السكان المدنيين.
وأكد العريان أن المؤسسة الدينية الرسمية، وعلى رأسها دار الإفتاء، وظِفت ضمن هذه السياسة العامة لإعطاء غطاء ديني للعمليات العسكرية والأمنية، وتبريرها أمام الرأي العام، ومن بين ما نسب إليها تبريرها لاستخدام البراميل المتفجرة.
وأشار إلى أن المتهم قام ومن أجل إخلاء سبيل موقوفين مدنيين عند الأجهزة الأمنية للنظام البائد، بابتزاز ذويهم، كما قدم دعما ماليا لقيادة وعناصر «لواء القدس»، وهو تشكيل مسلح شارك في عمليات عسكرية شهدت ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق السكان المدنيين، حسب العريان.
وأكد القاضي أن المحكمة قررت وبناء على أفعال المتهم الثابتة أنها تندرج ضمن إطار جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في سياق نزاع مسلح واسع النطاق ومنهجي، مشيرا إلى استقرار القانون الدولي العرفي والاتفاقي على عدم جواز إفلات مرتكبيها من العقاب، والدعوى العامة لا يشملها التقادم ولا العفو العام، مشددا على عدم منح المتهم أيا من الأسباب المخففة التقديرية نظرا إلى جسامة الأفعال الثابتة بحقه.
وبين العريان أنه واستنادا على قانوني العقوبات العام وأصول المحاكمات الجزائية تقرر بالإجماع تجريم المتهم، بجناية الاعتداء الذي يستهدف إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، والحكم عليه من أجل ذلك بالسجن المؤبد مدى الحياة، كما تقرر تجريمه بجناية التحريض على القتل قصدا والحكم عليه من أجل ذلك بالسجن المؤقت 20 سنة، وتجريمه بجناية التدخل الأصلي بالقتل قصدا والحكم عليه بالسجن عشر سنوات، وإدانته بجرم إساءة استعمال الوظيفة والحكم عليه بالسجن المؤقت ثلاث سنوات، وبالغرامة البالغة ثلاثة أضعاف قيمة ما أخذ وقدرها 195 ألف دولار أمريكي.
كما أعلن القاضي إدانة حسون بجرم إثارة النعرات المذهبية والعنصرية والحكم عليه بالحبس ستة أشهر، وبغرامة ألف ليرة سورية، وبالحرمان من الحقوق المدنية، معلنا بدغم العقوبات المانعة للحرية وتنفيذ الأشد، وهي السجن المؤبد مدى الحياة، وجمع الغرامات وتنفيذها.
مسؤول في الأوقاف لـ« القدس العربي»: لا أحد فوق القانون بغض النظر عن طائفته
وشددت المحكمة على «حرمان المحكوم عليه من الاستفادة من أي عفو عام أو خاص، ومن إطلاق السراح المشروط، ومن وقف تنفيذ العقوبة، ووقف الحكم النافذ، مع 8 إلزامه بالتعويض للمدعين الشخصيين الذين قبلت دعواهم، وتثبيت الحجز الاحتياطي الواقع على أموال المتهم المنقولة وغير المنقولة، وقلبه إلى حجز تنفيذي، ومصادرة أمواله لصالح الخزانة العامة»، موضحة أن قرارها قابل للطعن بالنقض.
مصداقية المحكمة
والحكم بالسجن المؤبد على حسون هو ثالث قرار لمحكمة الجنايات الرابعة في دمشق، خلال ثلاثة أسابيع، بعد قرارين صدر الأول منهما في 11 آب/ أغسطس الجاري، بالإعدام حضوريا بحق رئيس فرع الأمن السياسي في درعا قبيل اندلاع الثورة، عاطف نجيب، وغيابيا بحق رئيس النظام السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر وستة ضباط أمن آخرين، والثاني صدر في 18 الجاري بإعدام وسيم الأسد ومصادرة أمواله.
واعتبر رئيس دائرة شؤون المساجد في أوقاف ريف دمشق، محمد الخطيب، في تصريح لـ «القدس العربي» أن حسون لم يكن رجل دين فقط، وإنما كان من رجالات ذلك النظام، وكان مؤثرا في منصبه ومكانته، وهو لم يكن شيخا محرضا فقط وإنما شغل منصبا رسميا في تلك الدولة.
وأوضح أن الحكم بالمؤبد على حسون جاء متوافقا مع القوانين المعمول بها، ولم يصدر استجابة لمطالب شعبية كانت تريد في جانب منها، الحكم على حسون بالإعدام، مؤكدا أن القاضي لا يحكم بناء على مطالب الناس وإنما على معطيات وشهادات ووقائع بين يديه ومستندا فيها على القانون، ما يعطي مصداقية للمحكمة بأنها لا تصدر احكامها تلبية لرغبات الجمهور.
وأكد الخطيب أن المحاكمات ستطال كل من شارك أو حرض أو شرع للنظام، أو كان سببا في إراقة دماء أو ابتزاز أشخاص أو سلب أموالهم، أو إثارة فتنة مجتمعية، مشيرا إلى أن كل ما سبق سيكون تحت المساءلة والمحاكمة بغض النظر عن انتمائه ومذهبه أو منطقته أو عمله وتوصيفه.
وبين أن الرسالة من إصدار الحكم على حسون واضحة، وهي أنه لا أحد فوق القانون والجميع سيخضع للإجراءات نفسها بغض النظر عن طائفته وعن انتمائه ومحاسبته تجري بناء على أفعاله، ووسيم الأسد كان ابن طائفة وأحمد حسون ابن طائفة أخرى، وكلاهما كانا في قفص الاتهام، ووقفا أمام القاضي ذاته، ليحاكم كل منهما بفعله.
وبين أن محاكمة حسون دليل على إمكانية محاكمة باقي رجال الدين ممن دعموا النظام السابق. وقال: لا ينبغي أن تكون هناك حصانة لأحد، كائنا من كان، فمن أخطأ يجب أن يتحمل جريرة خطئه لو كان رجل دين، وأقل ما يقال في كف يده من مهامه، مشددا على أنه إن كان في حقه جرم أو مال أو حق معنوي أو مادي، فيجب أن يحصّل هذا الحق لصاحبه، وإلا سيلجأ الناس لأخذ حقوقهم بأيديهم وهذا ما لا يرضاه أحد ولا يدفع في اتجاهه أحد.
ارتياح شعبي
ولاقى الحكم على حسون بالمؤبد ارتياحا في الشارع السوري ظهر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واعتبر الكاتب والناقد السوري محمد منصور أن «أحمد بدر حسون جسد أسوأ نموذج من نماذج رجل الدين المنافق، الضلالي، الذي يسوغ للباطل ضلاله وإجرامه ووحشيته».
وقال عبر صفحته على «فيسبوك»: «كان حسون مجرما بحق الدين، وبحق مكانة الافتاء، وبحق الإنسانية، ولم توقظه مجزرة الحولة ولا مجازر الكيماوي ولا صور الأطفال الذين يختنقون بين يدي أهاليهم، ولم توقظه أشلاء البراميل ولا صور المخيمات وتجمد الصغار من ليالي البرد والشتاء».
واعتبر أنه لا حصانة لرجل دين أو رجل ثقافة أو فنان أو فنانة أيدوا هذه الجرائم وشاركوا فيها وبرروها.
وعما إذا كان الحكم على حسون سيترك أي أثر على الشارع الحلبي حيث مسقط رأسه، أوضح عضو مجلس الشعب عن مدينة حلب محمود مصطفى لـ«القدس العربي» أن حسون خضع خلال الأشهر الماضية لمسار قضائي وقانوني، والقضاء هو الجهة المختصة بالبت في القضية وفقاً للجرائم المنسوبة إليه، بما في ذلك الإفتاء والتحريض على الشعب السوري، ودعم الميليشيات المتطرفة لقتل أبناء سوريا، وعليه فإننا نثق بالقضاء السوري وما يصدر عنه من أحكام، لا سيما أن المحاكمة لم تكن صورية، بل جرت وفق الأصول والإجراءات القانونية.
وعن تفسيره لقرار المحكمة بعدم استفادة حسون من أي عفو مستقبلي، أوضح مصطفى أن مراسيم العفو ترتبط عادةً بأسباب ومبررات تستدعي إصدارها، ولا أعتقد أن حالة شخص تسببت فتاويه في سفك الدماء، يمكن أن تكون مشمولة بأي من مراسيم العفو، لا سيما أننا نتحدث عن دماء سُفكت نتيجة الخطاب الديني الذي تبناه حسون.
وتابع مصطفى: لا يمكن الحديث عن عفو ونحن أمام مئات، وربما آلاف الضحايا نتيجة الدعوات والفتاوى التي أصدرها، كذلك فإن التهم الموجهة إلى حسون لم تقتصر على ما يتعلق بموقفه من الشعب السوري، بل تتضمن ادعاءات شخصية وشهادات لأشخاص ومعتقلين قيل إنهم تعرضوا للابتزاز من قبله، وهي جميعاً أسباب لا تستدعي العفو، في ظل ما ارتبط بهذه القضية من دماء وحقوق للضحايا.
وظهرت أصوات خلال الفترة الماضية طالبت بالعفو عن حسون وغيره من مشايخ النظام السابق، وأن تقتصر المحاكمات على رموزه من قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، بحجة طي الصفحة وبناء دولة التسامح، وعلق مصطفى على تلك الدعوات، مؤكدا أن الإفتاء بالقتل لا يقل عن القتل المباشر من حيث المسؤولية والنتائج، وقال إن الإفتاء بالقتل والتستر بالدين قد يكون أشد وطأة من الأمر العسكري، الذي يكون محصوراً، في بعض الحالات، بأمر مباشر أو ضمن نطاق كتيبة أو سرية، بينما يمثل الإفتاء توجيهاً عاماً ومفتوحاً نحو القتل، بما يوسع دائرة تأثيره ومسؤوليته، موضحا أن محاكمة حسون لا تقل أهمية عن محاكمة المتورطين في جرائم النظام السابق الذين عذبوا وقتلوا المدنيين.
وفي قراءته للقرارات الثلاثة الصادرة عن محكمة الجنايات الرابعة خلال الأسابيع الأخيرة أكد مصطفى أن تلك المسارات تدل على أن الدولة السورية لم تتساهل، ولن تتساهل مستقبلاً، مع الشركاء بسفك الدم السوري، أياً كانت صفاتهم، مدنيين كانوا أم عسكريين.
وختم مصطفى بالقول إن كل من شارك في قتل الشعب السوري مدان، ويجري التعامل مع قضيته وفق الأصول والإجراءات القانونية، ولا ينبغي أن تكون هناك تفرقة في صفة المتورط، لأن الفعل والنتيجة واحدة، سواء تمثل ذلك في التحريض، أو القتل المباشر، أو إصدار الأوامر بالقتل.
معارضة أممية
وتعارض الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية أحكام الإعدام التي تصدرها السلطات، وتحضّها على السعي إلى «تحقيق المساءلة من خلال مسار للعدالة الانتقالية يتمحور حول الضحايا».
وقالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في بيان الأحد، إن الأحكام «تثير مسائل قانونية مهمة ينبغي للحكومة معالجتها على وجه السرعة»، مجددة معارضتها «عقوبة الإعدام في جميع الظروف لأنها بطبيعتها قاسية ولا رجعة فيها».
ودعت المنظمة السلطات الى أن «تضمن حقوق المحاكمة العادلة، وجعل الإجراءات الجنائية شفافة ومتاحة».
وقالت مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدى المنظمة بلقيس الجراح إن «تعزيز العدالة في العدد الهائل من قضايا الجرائم الخطيرة في سوريا يتطلب أكثر من مجرد إدانات»، مضيفة «ينبغي بناء نظام قادر على تحقيق عدالة كفوءة ونزيهة ومستقلة».