بغداد/أماني الحسن
في الثالث عشر من أيلول/سبتمبر 2026، أصدرت الهيئة العامة للكمارك، عبر قسم الإعلام والاتصال الحكومي، وعلى الصفحة الرسمية (الهيئة العامة للكمارك العراقية)، إعلانًا رسميًا يُخطر الراغبين بالشراء والمشاركة في مزاد علني تُقيمه مديرية كمارك المنطقة الوسطى يومي الأربعاء (16 أيلول) والاثنين (21 أيلول 2026).
لم يكن الإعلان عن بضائع كهربائية أو سيارات متروكة كما جرت العادة، بل تضمن بوضوح بيع مواد مصادرة ومتروكة تشمل (مشروبات كحولية)، مع التكليف بدفع تأمينات تبلغ 20% من القيمة التقديرية للمواد وفق الضوابط والتعليمات.
تضع هذه الخطوة الرسمية المؤسسة التنفيذية في مواجهة صريحة مع الإطار التشريعي النافذ في البلاد. ففي مطلع عام 2023، دخل قانون واردات البلديات رقم (1) لسنة 2023 حيز التنفيذ الفعلي بعد نشره في الجريدة الرسمية، متضمنًا المادة (14) التي نص بندها الأول على: “يحظر استيراد وتصنيع وبيع المشروبات الكحولية بكافة أنواعها”، فيما حدد بندها الثاني عقوبة مخالفة هذا الحظر بغرامة مالية لا تقل عن 10 ملايين دينار ولا تزيد على 25 مليون دينار.
تطرح هذه الواقعة استفهامًا حول الآلية التي تُدير بها مؤسسات الدولة المواد المحظور تداولها قانونًا: كيف تبيع جهة حكومية بضاعة يُجرّم التشريع الاتحادي حيازتها وبيعها في السوق المحلي؟ وهل تحولت أجهزة الدولة من تطبيق روح الحظر إلى تنظيم اقتصاد موازٍ يعتمد على الجباية وإعادة البيع؟
الأوامر الإدارية فوق التشريع الاتحادي
تعتمد الهيئة العامة للكمارك في إجراءات البيع والمزادات على أحكام قانون الكمارك رقم (23) لسنة 1984 (المواد 263-268)، والتي تُجيز للهيئة تصريف البضائع المصادرة أو المتروكة في المستودعات الكمركية لاستحصال حقوق الخزينة العامة. إلا أن دخول قانون واردات البلديات رقم (1) لسنة 2023 حيز النفاذ، وهو التشريع الأحدث والأكثر تخصيصًا في مسألة الحظر، يفترض قانونًا تقييد القواعد العامة السابقة؛ إذ تُصرّح القواعد الدستورية والإدارية بأن النص الخاص والأحدث يفرغ التشريع المتروك أو المتعارض معه من نصابه المباشر.
وفي استقصاء عن السند الإداري الذي تعتمد عليه الكمارك للاستمرار في طرح هذه المواد بالمزادات، كشف موظف يعمل في الهيئة العامة للكمارك ع. ا (لم يرغب في الكشف عن اسمه) عن آلية العمل الداخلية، قائلًا: “هذه ليست المرة الأولى. لقد وردنا أمر إداري ينص على عدم إتلاف هذه البضائع بعد مصادرتها، بل تحويلها إلى البيع بالمزاد العلني لاستحصال المبالغ”.
يُبرز هذا التصريح إشكالية إدارية تتعلق بالتراتبية القانونية؛ إذ تم اللجوء إلى “أمر إداري داخلي” لتجميد خيار الإتلاف المفترض للمواد الممنوعة، واستبداله بالبيع المباشر، مما يضع التعليمات التنفيذية الصادرة عن مؤسسة تابعة لوزارة المالية في موضع التعطيل المباشر لنص قانوني صادق عليه مجلس النواب ونُشر في الجريدة الرسمية.
ومن جهته، قال النائب السابق والعضو السابق للجنة القانونية النيابية سجاد سالم لـ(المدى) إن “هذا التصرف غير صحيح ومخالف للقانون بشكل صريح”، مؤكداً أن “هذه المواد ممنوعة بكافة الأشكال والتسميات بموجب التشريعات النافذة”.
اقتصاد المزادات وحصص النفوذ
لا تتوقف تداعيات هذا التعارض عند حدود الإشكال الإداري، بل تمتد لتلقي بظلالها على حركة السوق وطبيعة المتعاملين في هذه المزادات. ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون المزادات الحكومية متاحة للعموم وفق شروط التنافس الشفاف، أدى الخوف من الملاحقة القانونية والمصادرة المزدوجة إلى انحسار مشاركة التجار المستقلين.
وفي شهادة أدلى بها أحد تجار جملة المشروبات الكحولية في بغداد (فضل عدم ذكر اسمه): “نحن لا نجرؤ على الذهاب إلى مثل هذه المزادات؛ لأن الأمر محسوم ومسيطر عليه من قبل جهات وأحزاب نافذة. أنا عن نفسي أخشى حتى الخروج من باب مديرية الكمارك بهذه المواد كي لا تُصادر مني مجددًا وأُتعرض للغرامة. لكن بالتأكيد، لو كانت حقوق المشتري محفوظة بكتاب رسمي يمنع المصادرة في السيطرات، لكانت نقطة فارقة”.
تُبيّن هذه الشهادة نشوء شكل من أشكال “الاحتكار المحمي”؛ حيث يتحول المزاد العلني إلى نقطة إعادة تدوير للبضائع المصادرة لصالح شبكات قادرة على تأمين خطوط النقل والمرور عبر السيطرات الأمنية بين المحافظات.
تشير البيانات الميدانية والتتبعية لخريطة النقل إلى أن حركة شاحنات المشروبات الكحولية، سواء القادمة عبر التهريب من الحدود أو المنقولة من إقليم كردستان باتجاه بغداد والمحافظات الجنوبية، قفزت تكاليف تأمينها بشكل كبير؛ إذ ارتفعت كلفة نقل الشاحنة الواحدة من نحو 3 آلاف دولار قبل سريان الحظر إلى أرقام تتراوح بين 30 ألفًا و50 ألف دولار، نتيجة الإتاوات والرشاوى المفروضة عند نقاط التفتيش المتعددة.
هذا الارتفاع التشغيلي أنشأ بنية سوق سوداء تُدار بواسطة جهات نافذة، حيث تُصادر الشاحنات غير الخاضعة لرعايات سياسية لتصل إلى مستودعات الكمارك، ثم تُعاد درهمتها وطرحها في المزادات لتعود مجددًا إلى دائرة التداول تحت إدارة ذات الشبكات الممتدة في هذا القطاع.
الإطار التاريخي والتحول بعد 2003
ظلت تجارة المشروبات الكحولية في العراق تخضع لقوانين وتنظيمات محددة منذ عشرينيات القرن الماضي، حيث كان البيع والتداول مقتصرين على حائزين لرخص رسمية من أبناء الأقليات الدينية (المسيحيين والإيزيديين). ومع استمرار هذا الإطار العقودي، شهدت مرحلة التسعينيات تضييقًا تدريجيًا بالتزامن مع “الحملة الإيمانية”، حيث أُغلقت البارات والمحلات العامة واقتصر التداول على الفنادق والنوادي الخاصة.
بعد عام 2003، ومع انهيار المنظومة الأمنية واستشراء نفوذ الجماعات المسلحة والميليشيات، تعرض القطاع لموجات استهداف مباشر. ففي البصرة وحدها، أُغلقت وحُرقت أكثر من 148 محلًا مملوكة لتجار من المسيحيين بين عامي 2003 و2007، واختفت التجارة العلنية تقريبًا من معظم مدن الجنوب والمناطق المقدسة، لتنتقل الإدارة الفعلية لهذه التجارة إلى نطاقات خفية تعتمد على التهريب عبر الطرق الفائقة الخطورة.
القرارات المحلية وتشريع عام 2016
ابتداءً من عام 2008، أصدر مجلس محافظة البصرة قرارات محلية تحظر بيع واستيراد وتصنيع الكحول، وتبعتها محافظات وسطى وجنوبية أخرى باستنادها إلى الصلاحيات المحلية. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2016، نجحت القوى الإسلامية في مجلس النواب، وبتدحرج نصوص صاغها نواب من بينهم النائب السابق محمود الحسن، في إقحام المادة (14) ضمن قانون واردات البلديات.
تأخر تنفيذ القانون لسنوات جراء اعتراضات قدمتها جهات رئاسية ونواب عن المكونين المسيحي والإيزيدي (من بينهم يونادم كنا، وجوزيف صليوا، ومحما خليل)، متقدمين بطعون أمام المحكمة الاتحادية العليا بدعوى انتهاك الحريات الشخصية والدينية المكفولة في الدستور. إلا أن نشر القانون في الجريدة الرسمية جرى مطلع عام 2023، متتبعًا بقرار المحكمة الاتحادية العليا الذي قضى برد الطعون وتأكيد دستورية نص الحظر.
التداعي على القطاعات والنوادي (2024-2026)
لم يقف تطبيق الحظر عند حدود محال التجارة المفردة، بل اتسع في أواخر عام 2024 ومطلع 2025 ليشمل إغلاق وغرامة النوادي والفنادق السياحية، مع تهديدات مالية تتراوح بين 10 و25 مليون دينار. وأسفر هذا الإغلاق الشامل في مناطق سلطة الحكومة الاتحادية عن تفاقم الآثار الاقتصادية والاجتماعية، ومنها فقدان فرص العمل، إذ تشير التقديرات إلى تضرر نحو 150 ألف إلى 200 ألف عامل وموظف مرتبطين بشركات الاستيراد والنقل والتوزيع والخدمات الفندقية ذات الصلة، وارتفاع الأسعار في السوق السوداء، حيث ارتفع سعر علبة البيرة من 1500 دينار إلى أكثر من 5000 دينار، وزجاجة الفودكا من 10 آلاف إلى نحو 30 ألف دينار أو أكثر، بالإضافة إلى النزوح والهجرة، حيث سجلت منظمات حقوقية هجرة عوائل من الأقليات من بغداد والوسط باتجاه إقليم كردستان أو إلى خارج العراق نتيجة فقدان مصدر العيش والضغط الاجتماعي والتضييق المباشر.
الآثار الجانبية.. المخدرات وتآكل إيرادات الخزينة
تكشف القراءة الاستقصائية لنتائج الحظر الشامل عن مفارقة تحول الأهداف التشريعية؛ ففي الوقت الذي كان يُفترض فيه أن يحد القانون من التداول والمخاطر الاجتماعية، تشير البيانات والتقارير التنفيذية الصادرة عن الجهات الأمنية والميدانية إلى نتائج عكسية على صعيدين رئيسيين:
1- التمدد في سوق المخدرات
وفقًا لإحصاءات وتقارير وزارة الداخلية العراقية، سجلت ضبطيات المواد المخدرة ارتفاعًا تجاوز 360% خلال الفترة الممتدة بين 2023 و2026، مع تفشي انتشار سموم “الكريستال ميث” و”الكبتاغون” بين الفئات الشبابية في بغداد والمحافظات الجنوبية.
2- الخسارة المالية المزدوجة
خسرت المالية العامة مبالغ ضخمة كانت تُحصل كضرائب كمركية ورسوم استيراد رسمية تُغذي خزينة الدولة. وبدلًا من هذه الجباية المنظمة، تحولت العوائد المالية لصالح شبكات التهريب التي تتقاضى مبالغ التأمين والمرور عند السيطرات.
وهنا تظهر المفارقة المحورية، إذ تحاول الهيئة العامة للكمارك تعويض جزء من الإيرادات الضائعة عبر بيع البضائع المصادرة بالمزاد العلني، لتتحول الدولة من جهة تنظيم وضبط إلى جهة تبيع المواد المصادرة لتوفير سيولة عاجلة، حتى لو كان ذلك يتعارض مع قوانين البلديات والتشريعات النافذة.
التباين الإقليمي و”لعبة القط والفأر“
تُبرز القضية أيضًا إشكالية التباين الإقليمي داخل الجغرافيا العراقية. ففي الوقت الذي طُبق فيه الحظر في مناطق الحكومة الاتحادية، رفضت حكومة إقليم كردستان، عبر تصريحات رسمية ومواقف أربيل، تطبيق المادة (14) من قانون البلديات، مستندة إلى صلاحيات الإقليم الدستورية في تنظيم الشؤون الداخلية والأنشطة التجارية المحلية.
أدى هذا التباين إلى تحويل مدن الإقليم (أربيل، السليمانية، دهوك) إلى مراكز رئيسية لاستيراد البضائع وتخزينها، لتصبح الحدود الفاصلة بين الإقليم والمحافظات المجاورة (مثل كركوك، نينوى، وديالى) مسرحًا مستمرًا لعمليات التهريب والملاحقات الأمنية.
تصف شهادات سائقي الشاحنات العملية بأنها “لعبة قط وفأر” يومية عند السيطرات الممتدة نحو بغداد. فالشاحنة التي تخرج برخصة رسمية داخل حدود الإقليم تُصبح شحنة غير قانونية ومطلوبة للمصادرة بمجرد عبورها الخطوط الإدارية للمحافظات الاتحادية، لتسقط في يد التفتيش أو تُدفع عنها إتاوات المرور، أو ينتهي بها المطاف في مستودعات الكمارك لتُطرح من جديد في مزادات المنطقة الوسطى.
يكشف إعلان مزاد الكمارك لبيع المشروبات الكحولية في أيلول 2026 عن عمق الفجوة بين التشريع والإنفاذ في العراق. فبين قانون اتحادي يُجرّم البيع والاستيراد بغرامات باهظة، وأوامر إدارية داخلية تُبقي على المزادات والجباية، وسوق سوداء تُدار بتكاليف تهريب عالية تحت نفوذ أحزاب وفصائل، تظهر مؤسسات الدولة وكأنها تعمل بإرادات متناقضة.
إن الاستمرار في تطبيق حظر تشريعي نظري مع الاستفادة الإدارية من مخرجاته عبر المزادات يعكس حالة من الضبابية المؤسسية؛ حيث يتحول القانون من أداة للتنظيم والضبط الاجتماعي إلى وسيلة لإعادة توزيع الموارد والإيرادات في سوق غير رسمية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وتواصلت “المدى” مع الهيئة العامة للكمارك وقسمها القانوني للحصول على توضيح بشأن الإجراءات المتبعة في بيع المشروبات الكحولية المصادرة بالمزاد، إلا أنها لم تتلقَّ ردًا رسميًا حتى تاريخ نشر المادة. وتؤكد “المدى” استعدادها لنشر أي توضيح أو رد يصل إليها من الهيئة، التزامًا بحق الرد وإتاحة الفرصة لجميع الأطراف المعنية لعرض وجهة نظرها.