الكراسي الموسيقية خلف حروب المضائق


ذهبت أسبوعية «نيوزويك» الأمريكية إلى التمثيل المجازي فاعتبرت أن توظيف إيران لامتيازات موقعها الجغرافي عموماً، وسواحلها المتحكمة بمضيق هرمز خصوصاً، بمثابة سلاح يفوق في قوّته ما اقترن بتأثيرات بالقنبلة النووية، ولكن في ميادين التضييق على الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية وإمدادات النفط والغاز والطاقة إجمالاً.
ولعل «نيوزويك» لم تبالغ في عقد هذه المقارنة بين الأسلحة الذرية وحروب المضائق، بالنظر إلى العواقب المتكاثرة التي تتراكم يومياً جراء تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وربما السواحل الخاضعة لسيطرة جماعة «أنصار الله» الحوثيين في اليمن، وصولاً إلى إخراج معظم الملاحة عبر قناة السويس من الخدمة، والاضطرار إلى استخدام بديل رأس الرجاء الصالح الطويل والمكلف.
ويكفي المشهد الراهن بين واشنطن وطهران، لجهة إدارة ما يشبه لعبة الكراسي الموسيقية بين استئناف الحرب، أو تعليقها للذهاب إلى المفاوضات، قبيل استئناف أعمال القصف والحصار، ثم الركون مجدداً إلى جلسات تفاوض يعلنها البيت الأبيض وتكتفي طهران بنفيها ليس حتى بلسان وزير الخارجية بل عن طريق الناطق باسم الوزارة.
وكان منع طهران من المضي أبعد في برنامجها النووي، وقطع أي إمكانية لتخصيب المزيد من اليورانيوم بدرجات تكفي لإنتاج قنبلة نووية، والتعطيل التام لصناعاتها الصاروخية بعيدة المدى، في طليعة الأهداف المعلنة خلف الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران. واليوم، وقد دخلت تلك الحرب شهرها السادس، فإن العنصر الفعلي والعملي الذي بات الأبرز على أجندات حرب واشنطن، هو فتح مضيق هرمز وضمان الملاحة الدولية.
ولا عجب في حال التقلب والتعثر والاستعصاء التي باتت سمة دائمة في قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لأن طرائق الحرب وصلت إلى طرق مسدودة على أصعدة تنفيذ الأهداف المرجوة وتوفير المعدات العسكرية باهظة التكاليف مقابل أسلحة مضادة إيرانية رخيصة الأثمان، ولأن انعكاسات استمرار الحرب على الداخل الأمريكي لا تبدأ من محطة الوقود ولا تنتهي عند انتخابات تجديد الكونغرس والولايات. هذا عدا عن التداعيات الإقليمية، واستهداف دول الجوار الخليجية، وتحريك أذرع طهران في العراق، وبلوغ النيران شواطئ دمياط المصرية.
في قراءة أخرى لهذه الخلاصة، يلوح بالفعل أن طهران نجحت في فرض هذا الطراز من «قنبلة ذرية» لا يحركها اليورانيوم المخصب بل مياه مضيق قصير ضيق بطول 280 وعرض 56 كم، يمرّ عبره نحو ثلث إجمالي الغاز المسال في العالم، وأكثر من ربع استهلاك النفط عالمياً، ويشاطئ إيران وعُمان. وما الوضع العالق اليوم حول المضيق سوى تمرين تطبيقي على ما يمكن أن يشهده باب المندب على البحر الأحمر، إذا انضم الحوثيون إلى حروب المضائق بالنيابة عن إيران.
وكان ترامب قد كتب على منصته أن أمريكا جاهزة لضرب إيران «بمستويات من الرعب العسكري والقوة لم تُشاهد منذ الحرب العالمية الثانية»، فردّت طهران بأن التصريح «لم يكن سوى كذبة جديدة»، فكان هذا التراشق بمثابة حلقة جديدة في مسلسل الكراسي الموسيقية، والحبل على الجرار كما يلوح.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *